منقض الاستعمار المعرفي

كان من الواضح أن عهد الاستعمار الأوروبي لم يكن إلا سرداً تاريخياً للغزو المشروع للبلدان المتخلفة، في سبيل «جلب الحضارة الغربية» لشعوبها، وهكذا فإن أي اجتياح أو عدوان استعماري كان مبرراً شرعاً باسم المدنية، أما المقاومة التي تبديها الشعوب المستعمرة، والمغتصبة حقوقها، فهي الإرهاب، كما يطلق عليها دوماً.
وإن وجد الأوروبيون في تلك البلدان «مدنية مزدهرة» فهم لا يجدون  ازدهاراً سوى في ما ينطبق على معاييرهم الخاصة، ويبتعدون بهذا عن التواضع العلمي المثير للإعجاب، بل عن الموضوعية والشمولية الفكرية، التي ضرب ليفي شتراوس مثالاً عليها في كتابه «العرق والتاريخ»، حينما ذكر (كانت العصور القديمة تسم كل من لم يسهم في الثقافة اليونانية – الرومانية بأنه همجي)، أما المدنية الغربية فقد استخدمت مصطلح «متوحش» من أجل المعنى ذاته! وهذا يعني أنه قادم من الغابة، مما يستدعي نمطاً من الحياة الحيوانية مقابل «الحضارة».
قبل أكثر من قرن من الزمن قال لينين في كتابه «الاستعمار أعلى مراحل الإمبريالية»: إن الاحتكارات والطغمة المالية والنزوع إلى السيطرة بدلاً من النزوع إلى الحرية، واستثمار عدد متزايد من الأمم الصغيرة أو الضعيفة، من قبل حفنة صغيرة من الأمم الغنية، أو القوية، كل ذلك أدى إلى خلق السمات المميزة للاستعمار، التي تحمل على وصفها بأنها الرأسمالية الطفيلية أو المتقيحة. هذا الكتاب وإن تناول في التحليل الفترة التاريخية للحرب العالمية الأولى، وفق المنطق الجدلي الماركسي، فإن البعض ما زال يعتقد أن أفكاره وتوجهاته النظرية ما تزال تصح لتفسير العديد من الأحداث والتحولات التي جرت بعده بعقود، بتسميات وأساليب ومفاهيم جديدة. وفق هذا السياق صدر مؤخراً عن منشورات نادي الكتاب في الرياض (2024) كتاب (نقض الاستعمار المعرفي)، لمؤلفه دان وود، ترجمة محمد أحمد السيد، وهو بحث نقدي في السياسات المعادية للاستعمار المعرفي، ودان وود أحد الأساتذة المختصين في الفلسفة، ويقوم بتدريسها في جامعة «ديلارد» الأمريكية، نشر العديد من الأعمال، وأجرى الكثير من المقابلات على المستوى الدولي في الفلسفة الاجتماعية والسياسية. يتوزع الكتاب إلى ستة فصول تناولت محاور وعناوين في الجغرافية المعرفية للسياسات المعرفية المناوئة للاستعمار، ومأزق المنهج المختلف، وتشكيل التحالفات، والانتماء للجذور، وملحق في أطروحات تحديد ماهية المستعمر.
يلقي التاريخ الاستعماري ظلاله على القوانين والعادات والمناطق الجغرافية العرقية، والأيكولوجيا، ورغبات الأفراد، والحدود السياسية حول العالم، في بعض الحالات تشكل هذه الحقائق علامات تدل على المقاومة الناجحة لأشكال الغزو والسيطرة في أوقات ماضية، تكون مثل الندوب التي تذكرنا بالجروح التي لم تلتئم بالكامل، والتي ما زالت تنزف، أو الأسوأ من ذلك التي تهدد بإعادة نكء تلك الجراح.

أحد الأسباب التي غالباً ما تعطى لمعارضة أي شكل من أشكال الاستعمار المعرفي، طوعية أو غير طوعية، هو الحفاظ على التنوع الثقافي، وهو هدف ينظر إليه البعض على أنه مماثل للحفاظ على التنوع الأيكولوجي، والحفاظ على التراث والمعرفة التاريخية البشرية.

الأيديولوجية الاستعمارية، وكلمة «الاستعمار» تشمل تلك العمليات التي تستولي من خلالها مجموعة أجنبية على الأفراد والأراضي، وموارد الجماعة بطريقة دائمة أو منتظمة، ترافق هذه الأساليب ما يعرف بالتعتيم المثالي، أو ارتكاس التأثير الفعلي للعمليات المادية التاريخية على صياغة الأفكار، وتدفقها بطريقة تجعل أفكار الطبقات الاستعمارية الحاكمة مقبولة ومشروعة. وما انفكت أكاذيب الأيديولوجية الاستعمارية تحلق تحت رادار الوعي الذاتي العام، وترتبط بالمعرفة بطرق شديدة التعقيد، باعتمادها على أنظمة معرفية محددة داعمة في المجالات كافة.
شرع عدد من المفكرين في طرح عدد من الأسئلة من بينها، على سبيل المثال: ما علاقة عمليات الاستعمار الحديثة بالمعرفة؟ هل يمكن أن تظل المعرفة منيعة في مواجهة الاستعمار؟ وإذا لم يكن الأمر كذلك فكيف يؤثر الاستعمار في موضوعات، التبرير والحقيقة والاعتقاد والتنظيم المنهجي داخل العلوم؟ هل يجب ربط المعرفة العلمية بالاستعمار والإمبريالية؟ هل هناك طرق يمكن من خلالها تصفية استعمار المعرفة، فضلاً عن إنتاجها واكتسابها وتنظيمها ونشرها ومكافأتها؟ في نظرة أوسع إلى هذه الإشكالية، نجد أن هناك مجموعة من الأساليب لإنهاء استعمار المعرفة، فضلاً عن وجود عدد من التحقيقات حول تصفية الاستعمار من التخصصات البحثية والتفكير ومناهج البحث، والتحكم في العقل، وغالباً ما يشار إلى الاستعمار الثقافي رديفاً إلى المعرفي، والنتائج تبدو واحدة في هيمنة ثقافة لأمة قوية سياسياً على مجتمع ضعيف، بعبارة أخرى، الهيمنة الثقافية للبلدان الصناعية أو ذات النفوذ الاقتصادي في تحديد القوى الثقافية العامة.
إن أحد الأسباب التي غالباً ما تعطى لمعارضة أي شكل من أشكال الاستعمار المعرفي، طوعية أو غير طوعية، هو الحفاظ على التنوع الثقافي، وهو هدف ينظر إليه البعض على أنه مماثل للحفاظ على التنوع الأيكولوجي، والحفاظ على التراث والمعرفة التاريخية البشرية. إن ما جرى في العراق بعد الاحتلال الأمريكي عام 2003، لم يعد غزواً عسكرياً وحسب، إنما رافقه التحكم بمصيره سياسياً واقتصادياً وثقافياً، ولعل أولى المحاولات التي جرت على أرض الواقع، هي سلخه عن ماضيه وموروثه الحضاري والثقافي والفني، عبر اجتياح متاحفه وسرقة كنوزه الفنية والحضارية، وبالتالي جرت عمليات منظمة لتشويه ثقافته وقيمه، وعاداته، وإشاعة الإرهاب والفوضى في المجتمع، وإعطاء شرعية للتدخل في خصوصيات الشعب العراقي، من خلال تمرير شعارات حقوق الإنسان، والديمقراطية الكاذبة، كي تمنحه الشرعية الدولية في التدخل في شؤون الدول الأخرى.
فضلاً عما تقدم، فإن دول الاستعمار المعرفي تمارس سلطتها السياسية ضد ثقافة الشعوب، مستخدمة وسائل عديدة بقصد إرباك الدول الأخرى، وجعلها تتقبل أفكاراً أو مفاهيم وقيماً مغلوطة، وتتخلى عن أنماط سلوكها وتطلعاتها لتصبح تابعة لثقافة الاستعمار.
كتاب (وود)، في النهاية محاولة في بحث الأساليب الممكنة في نقض الاستعمار، ويقدم مجموعة مشاريع ومقاربات نقدية وأمثلة، من منظور نقدي وفلسفي لمعالجة الموضوع، ويوضح كيف يمكن لتلك المعالجات الفلسفية والنقدية أن تساعد في الخروج من الأزمة، إلا أن المؤاخذة السلبية على المؤلف، أنه تناسى عن قصد، أو من دونه دور الاستعمار المعرفي في بلدان المشرق العربي، ومنها العراق على وجه الخصوص كنموذج (مثالي)، عانى من شراسة هذا الاستعمار.

كاتب عراقي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية