حملت الكتب الأدبية القديمة موضوعات وقصصًا عديدة في متونها، وقد تنوعت القصص ما بين الحقيقي والمبتدع، أما موضوعاتها فهي تشمل ألوانا فكرية وعلمية كثيرة، كما جاءت متونها مزيجا من النثر والشعر، وحوت أيضا قصصا ومواقف وأحداثا.
وإذا نظرنا إلى مؤلفات أبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ، سنجد أن أكثر الكتب التي ألّفها، فيها سرديات، تشير إلى القضايا التي كانت سائدة في عصره، كما تتناول الحياة الأدبية والفكرية في زمنه، وتحفل بالكثير من السرديات والأخبار والشخصيات، ملأت متون هذه الكتب، بوصفها براهين وشواهد وأدلة على آراء الجاحظ، ونرى فيها ملامح للحياة الاجتماعية والعقلية والسياسية في المجتمع العربي، إبان القرن الأول والثاني الهجريين، حيث امتدت حياة الجاحظ إلى ما يقارب مئة سنة (159 هـ -255 هـ).
والمثال على ذلك كتابه: |»البيان والتبيين»، وهو كتاب كبير، اشتمل على أبواب وفصول عديدة، مثل: كتاب الخطب، وكتاب العصا، وفصل من جمل القول في العصا، وما يحوز فيها من المنافع والمرافق، وفصل رجع الكلام إلى القول في العصا، وكتاب الزهد، وفصل عن نساك البصرة وزهادهم، وكتاب وجه التدبير في الكتاب إذا طال. وهناك أبواب في الفضائل مثل: باب الصمت وذكر اللسان والبلغاء والخطباء والفقهاء والأمراء والأسماء والنساك والصوفية والقصاص، وفيه أخبار عن القبائل والعشائر، وهي تدل على طبيعة عقلية المؤلف الموسوعية من جهة، وعلى رغبته في أن يصور جوانب الحياة في المجتمع العربي من جهة أخرى.
وقد يُظَنُّ أن هذا الكتاب فيه تشتت موضوعاتي أو على الأقل تعدد موضوعاتي، ولكن بالنظر إلى ما رامه الجاحظ ـ مثلاً – في مقدمته في «البيان والتبيين»، نجد أن هدفين أساسيين كانا وراء تأليفه «البيان والتبيين»، الأول: الرد على الشعوبية ( التعصب لجنس معين) ومن يتحدث باسمها حيث يقول: «ونبدأ على اسم الله، بذكر مذاهب الشعوبية ومن يتحلى باسم التسوية، وبمطالبتهم على خطباء العرب، وبأخذ المخصرة عند مناقلة الكلام، ومساجلة الخصوم، بالموزون المقفى والمنثور الذي لم يقفّ، وترك اللفظ يجري على سجيته وعلى سلامته حتى يخرج من غير صنعة ولا اجتلاب تأليف ولا التماس قافية، ولا تكلف لوزن، مع الذي كان من الإشارة بالعصي».
والهدف الثاني: التعريف بخصائص العربية في اللغة، وفي التسلسل المنطقي والبناء الفني في الخطب، في وقت كثرت فيه اللحون والأخطاء، حيث يقول: «للعرب أمثال واشتقاقات وأبنية، ومواضع كلام يدل عندهم على معانيهم وإرادتهم، لتلك الألفاظ مواضع أخرى، ولها حينئذ دلالات أخرى، فمن لم يعرفها جهل تأويل الكتاب والسنة والشاهد والمثل، فإذا نظر في الكلام وفي ضروب من العلم وليس هو من هذا الشأن، هلك وأهلك».
الملمح الأبرز في مؤلفات الجاحظ، نهجه العلمي المضبوط والدقيق، فهو يبدأ بالسؤال المتشكك لكل فكرة أو معلومة أو قضية، ثم يتبع الاسـتقراء لكافة أدلتها، ومن ثم يسلك سبيل التعميم والشـمول، بفهم عقلانيٍّ راق.
والأمر نفسه نجده في كتاب «الحيوان»، على الرغم من اقتصاره ـ كما يبدو في عنوانه ـ على أمور الحيوان، ولكنه اتسع ليشمل الكثير من الأمور العلمية والأدبية والبلاغية، وكأن الجاحظ المعتزلي يحاول أن يبرهن على أن العقل المسلم يتقبل كل فائدة، وعلم من أي ملة أو جنس أو دين، يقول: «وهذا كتاب تستوي فيه رغبة الأمم، وتتشابه فيه العرب والعجم، لأنه وإن كان عربيًا أعرابيًا وإسلاميًا جماعيًا، فقد أخذ من طرف الفلسفة، وجمع بين معرفة السماع وعلم التجربة، وأشرك بين علم الكتاب والسنة، ووجدان وإحساس الغريزة».
ونجد في الكتاب نفسه ألوانًا من الخرافات القصصية، التي كانت شائعة لدى العرب مثل خرافة الحية وحليفها، وخرافة النعامة، ومن الشعر القصصي محاورة الحيوان ومساءلته في نظم قائم بنفسه. كما أورد الجاحظ كثيرًا من المعلومات المستقاة من مؤلفات أرسطوطاليس، في ما يخدم معارفه ويوثق ما يريده منه، ضمن ما يراه الجاحظ متناسبًا مع البيئة العربية التي يتناولها في كتابه الحيوان. وفي كلا الكتابين يستعرض الجاحظ أوجه البيان والبلاغة، وشواهد ذلك من الشعر والنثر والقصص، وبالتالي فإن القصة بوصفها فنا إبداعيا، لا نجدها في هذه المرحلة من التأليف العربي بشكل مستقل، بل تأتي ضمن تدليل أو أمثلة، وبشكل موجز، على قدر الغرض المساقة إليه، بدون تعميق في الشخصيات، ولا بسط للأحداث، وهذا طبيعي في كتابين مثل «البيان والتبيين»، و»الحيوان»، حيث سعى مؤلفهما إلى حشد كل ما في ثقافته الموسوعية، مدافعًا عن العربية وأهلها وعلومها أمام تحدٍ قومي (شعوبي) أو بغية الحديث عن الحيوان وطبائعه وصفاته.
والمؤكد أن التمايز بين أجناس الأدب في مرحلة الجاحظ الزمنية، لم يكن واضحًا، كل الوضوح، بدليل حشده القصص والأشعار والخطب والرسائل، اللهم إلا التمييز بين الشعر والنثر فقط، إلا أنه يحسب للجاحظ قدرته على مزج القصة والمعلومة والطرفة في ترتيب بديع متناسق.
أما عن قضية تأثر الجاحظ بثقافات الأمم الأخرى، فهذا طبيعي، بل منطقي الحدوث؛ ما دام هناك اتصال مع هذه الأمم وإبداعاتها وعلومها. أما كون العرب قد تأثروا باليونان أو بالفرس، وأخذوا عنهما، فهذا لا مفر منه، بحكم أن اليونان والفرس أسبق في الحضارة من العرب، إلا أنه اتصال حميد، فالعرب استفادوا من علوم الأمم الأخرى، بقدر ما احتاجوا إليه ولزمهم من علومهم وفنونهم، وبعبارة أخرى، فإن الحضارة الإسلامية تأثرت تأثرًا لا شك فيه بالأمم المغلوبة، لأنها أعرق في الحضارة، ولكنه فرق أن تكون قد تأثرت، وأن تكون قد استعارت طبيعة أمة أخرى وفنًا من فنونها.
ومن القصص التي يوردها الجاحظ، ما يحكيه عن جفوة له مع أحمد بن أبي دؤاد وهو قاضي القضاة في عهد الخليفة العباسي المعتصم، وقد أصدر أمرا بحبس الجاحظ، ثم أُتي بالجاحظ إليه في قيوده، فقال له ابن أبي دؤاد: «والله يا عمرو، ما علمتك إلا متناسيًا للنعمة، جاحدًا للصنيعة، معددًا للمثالب، مخفيًا للمناقب، وإن الأيام لا تصلح مثلك، لفساد طويتك، وسوء اختبارك . فقال له الجاحظ: خفّض عليك، فوالله لأن تكون المنة لك عليّ، خير من أن تكون لي عليك، ولأن أسيء وتحسن، أحسن في الأحدوثة من أن أسيء وتسيء، ولأن تعفو في حال قدرتك، أجمل بك من أن تنتقم»، فعفا عنه ابن أبي دؤاد، وخلع عليه، وأكرمه في مجلسه، لحسن بيان الجاحظ، وقوة حجته، وروعة بلاغته.
وختاما نؤكد أن الملمح الأبرز في مؤلفات الجاحظ، نهجه العلمي المضبوط والدقيق، فهو يبدأ بالسؤال المتشكك لكل فكرة أو معلومة أو قضية، ثم يتبع الاسـتقراء لكافة أدلتها، ومن ثم يسلك سبيل التعميم والشـمول، بفهم عقلانيٍّ راق. وقد استطاع بتمكنه اللغوي والإبداعي أن يصبغ على مؤلفاته صبغة أدبيَّةً جماليَّة، تضيء ما يورده من المعارف العلميَّة برواء من التشويق واللطافة.
٭ كاتب من مصر