من‭ ‬البرازيل‭ ‬إلى‭ ‬مصر‭ ‬والعراق‭: ‬متاحف‭ ‬تحترق‭ ‬وتراث‭ ‬يضيع

■‭ ‬كان‭ ‬حاكم‭ ‬مصر‭ ‬الخديوي‭ ‬إسماعيل‭ (‬1830‭ ‬ـ‭ ‬1895‭) ‬شخصية‭ ‬غريبة‭ ‬جدا،‭ ‬فقد‭ ‬أراد‭ ‬تطوير‭ ‬مصر‭ ‬سريعا‭ ‬ضاربا‭ ‬بأهمية‭ ‬الحذر‭ ‬في‭ ‬التكاليف‭ ‬عرض‭ ‬الحائط،‭ ‬ولذلك‭ ‬بلغت‭ ‬ديون‭ ‬مصر‭ ‬في‭ ‬عهده‭ ‬تسعين‭ ‬مليون‭ ‬جنيها‭ ‬استرلينيا،‭ ‬وهو‭ ‬مبلغ‭ ‬هائل‭ ‬آنذاك،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬كانت‭ ‬ثلاثة‭ ‬ملايين‭ ‬في‭ ‬بداية‭ ‬عهده،‭ ‬مع‭ ‬الأخذ‭ ‬بنظر‭ ‬الاعتبار‭ ‬أن‭ ‬دخل‭ ‬الدولة‭ ‬المصرية‭ ‬السنوي‭ ‬آنذاك‭ ‬كان‭ ‬ثمانية‭ ‬ملايين‭ ‬باوند‭ ‬فقط‭. ‬والحق‭ ‬يقال‭ ‬أن‭ ‬الخديوي‭ ‬إسماعيل‭ ‬شق‭ ‬قناة‭ ‬السويس‭ ‬وبنى‭ ‬مدارس‭ ‬ومشاريع‭ ‬أخرى‭ ‬عظيمة‭ ‬كثيرة‭ ‬أخرى،‭ ‬ولكنه‭ ‬أوقع‭ ‬مصر‭ ‬في‭ ‬براثن‭ ‬النفوذ‭ ‬الأجنبي‭ ‬وحد‭ ‬من‭ ‬استقلالها‭. ‬

والغريب‭ ‬في‭ ‬الأمر‭ ‬أنه‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬ديونه‭ ‬الهائلة،‭ ‬كان‭ ‬كريما‭ ‬في‭ ‬إرسال‭ ‬الهدايا‭ ‬والتبرعات،‭ ‬حيث‭ ‬أرسل‭ ‬عام‭ ‬1872‭ ‬تبرعا‭ ‬سخيا‭ ‬جدا‭ ‬وقدره‭ ‬500‭ ‬باوند‭ ‬لمهرجان‭ ‬الموسيقار‭ ‬الألماني‭ ‬فاغنر‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬بايرويت‭ ‬الألمانية،‭ ‬لاعتقاده‭ ‬أن‭ ‬المهرجان‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬بيروت‭ ‬اللبنانية‭ ‬نظرا‭ ‬لتشابه‭ ‬اسمي‭ ‬المدينتين،‭ ‬وكان‭ ‬هذا‭ ‬المبلغ‭ ‬يعتبر‭ ‬جسيما‭ ‬حسب‭ ‬مقاييس‭ ‬ذلك‭ ‬العصر‭. ‬ولكنه‭ ‬تمادى‭ ‬في‭ ‬كرمه‭ ‬وشمل‭ ‬هذا‭ ‬التصرف‭ ‬الاستهزاء‭ ‬بتراث‭ ‬وتاريخ‭ ‬مصر،‭ ‬حيث‭ ‬أهدى‭ ‬مومياء‭ ‬الكاهنة‭ ‬‮«‬شا‭ ‬آمون‭ ‬أيم‭ ‬سو‮»‬‭ ‬المهمة‭ ‬عام‭ ‬1876‭ ‬لامبراطور‭ ‬البرازيل‭ ‬بيتر‭ ‬الثاني‭ ‬1825‭ ‬ـ‭ ‬1891‭. ‬ولم‭ ‬تكن‭ ‬هذه‭ ‬المومياء‭ ‬عادية‭ ‬لأنها‭ ‬كانت‭ ‬من‭ ‬أفضل‭ ‬القطع‭ ‬الأثرية‭ ‬لتاريخ‭ ‬مصر‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬الثامن‭ ‬قبل‭ ‬الميلاد،‭ ‬حيث‭ ‬يعود‭ ‬تاريخ‭ ‬المومياء‭ ‬إلى‭ ‬عام‭ ‬750‭ ‬قبل‭ ‬الميلاد‭. ‬وقد‭ ‬تميزت‭ ‬هذه‭ ‬المومياء‭ ‬بتابوتها‭ ‬الرائع‭ ‬الذي‭ ‬رسمت‭ ‬عليه‭ ‬صورة‭ ‬الكاهنة‭ ‬بألوان‭ ‬رائعة،‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬رموز‭ ‬الحضارة‭ ‬المصرية‭ ‬لتلك‭ ‬الحقبة‭. ‬ولم‭ ‬يبد‭ ‬امبراطور‭ ‬البرازيل‭ ‬أي‭ ‬احترام‭ ‬تجاه‭ ‬المومياء‭ ‬وما‭ ‬مثلته‭ ‬من‭ ‬قيمة‭ ‬حضارية‭ ‬وفنية،‭ ‬حيث‭ ‬وضعها‭ ‬في‭ ‬مكتبه‭ ‬بشكل‭ ‬عمودي‭ ‬وبجانب‭ ‬الشباك‭ ‬وبدون‭ ‬أن‭ ‬يهتم‭ ‬بسلامتها‭. ‬وفي‭ ‬أحد‭ ‬الأيام‭ ‬اشتدت‭ ‬الرياح‭ ‬في‭ ‬العاصمة‭ ‬البرازيلية‭ ‬ريو‭ ‬دي‭ ‬جانيرو،‭ ‬فانفتح‭ ‬الشباك‭ ‬على‭ ‬مصراعيه‭ ‬بعنف‭ ‬ضاربا‭ ‬تابوت‭ ‬المومياء‭ ‬بقوة،‭ ‬ما‭ ‬سبب‭ ‬له‭ ‬أضرارا‭. ‬وحاول‭ ‬البرازيليون‭ ‬إصلاح‭ ‬التابوت‭ ‬ولكن‭ ‬بدون‭ ‬فائدة،‭ ‬حيث‭ ‬كان‭ ‬إصلاحهم‭ ‬سمجا‭ ‬ومضحكا‭ ‬وكأن‭ ‬المومياء‭ ‬عبارة‭ ‬عن‭ ‬قطعة‭ ‬زينة‭ ‬رخيصة‭. ‬

عندما‭ ‬حاول‭ ‬البنك‭ ‬الدولي‭ ‬تمويل‭ ‬تحسين‭ ‬متحف‭ ‬ريو دي جانيرو بمبلغ‭ ‬ثمانين‭ ‬مليون‭ ‬دولار،‭ ‬كان‭ ‬الرد‭ ‬البرازيلي‭ ‬الرفض‭ ‬لعدم‭ ‬قبول‭ ‬بعض‭ ‬شروط‭  ‬التمويل

وبعد‭ ‬فترة‭ ‬قرر‭ ‬البرازيليون‭ ‬أن‭ ‬يقوموا‭ ‬بعمل‭ ‬صائب،‭ ‬وهو‭ ‬وضع‭ ‬التابوت،‭ ‬والمومياء‭ ‬في‭ ‬داخله،‭ ‬في‭ ‬مبنى‭ ‬المتحف‭ ‬الوطني‭ ‬في‭ ‬العاصمة‭ ‬البرازيلية‭ ‬ريو‭ ‬دي‭ ‬جانيرو‭. ‬وهو‭ ‬مبنى‭ ‬كان‭ ‬قد‭ ‬بناه‭ ‬المحتلون‭ ‬البرتغاليون‭ ‬وأصبح‭ ‬لاحقا‭ ‬مسكنا‭ ‬لعائلة‭ ‬الامبراطور‭ ‬البرازيلي،‭ ‬ثم‭ ‬تم‭ ‬تحويله‭ ‬إلى‭ ‬متحف‭ ‬عام‭ ‬1892‭ ‬ميلادية‭ ‬وأصبح‭ ‬أول‭ ‬مؤسسة‭ ‬علمية‭ ‬في‭ ‬البرازيل‭. ‬وأصبح‭ ‬المتحف‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬أشهر‭ ‬متحف‭ ‬في‭ ‬أمريكا‭ ‬اللاتينية‭ ‬على‭ ‬الإطلاق‭ ‬ومن‭ ‬أشهر‭ ‬متاحف‭ ‬العالم‭ ‬قاطبة،‭ ‬حيث‭ ‬أنه‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬متحفا‭ ‬للآثار‭ ‬وحسب،‭ ‬بل‭ ‬متحفا‭ ‬للتاريخ‭ ‬الطبيعي‭ ‬والعلمي‭ ‬ومركزا‭ ‬عالميا‭ ‬للأبحاث‭. ‬وضم‭ ‬المتحف‭ ‬عشرين‭ ‬مليون‭ ‬قطعة‭ ‬أثرية،‭ ‬ومنها‭ ‬المومياء‭ ‬الآنفة‭ ‬الذكر‭ ‬مع‭ ‬مجموعة‭ ‬أخرى‭ ‬من‭ ‬المومياءات‭ ‬المصرية‭ ‬ومومياءات‭ ‬أخرى‭ ‬لسكان‭ ‬البرازيل‭ ‬الأصليين،‭ ‬وجمجمة‭ ‬لأقدم‭ ‬أثر‭ ‬لإنسان‭ ‬عثر‭ ‬عليه‭ ‬في‭ ‬البرازيل‭ ‬يبلغ‭ ‬عمرها‭ ‬أحد‭ ‬عشر‭ ‬ألفا‭ ‬وخمسمئة‭ ‬عام،‭ ‬وهيكل‭ ‬عظمي‭ ‬لديناصور‭ ‬مع‭ ‬مجموعة‭ ‬لا‭ ‬نظير‭ ‬لها‭ ‬لنماذج‭ ‬الحشرات‭. ‬واحتوى‭ ‬المتحف‭ ‬على‭ ‬أكبر‭ ‬نيزك‭ ‬في‭ ‬أمريكا‭ ‬اللاتينية‭  ‬يبلغ‭ ‬وزنه‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬خمسة‭ ‬أطنان‭.  ‬وللمتحف‭ ‬مكتبة‭ ‬شهيرة‭ ‬عالميا‭ ‬ضمت‭ ‬خمسمئة‭ ‬ألف‭ ‬كتاب،‭ ‬منها‭ ‬أربعة‭ ‬وعشرون‭ ‬ألف‭ ‬كتاب‭ ‬تعتبر‭ ‬من‭ ‬الكتب‭ ‬النادرة‭. ‬كل‭ ‬هذا‭ ‬وأشياء‭ ‬كثيرة‭ ‬أخرى‭ ‬في‭ ‬المتحف‭ ‬جعلت‭ ‬منه‭ ‬تحفة‭ ‬ثقافية‭ ‬وعلمية‭ ‬ومفخرة‭ ‬البرازيل‭ ‬الأولى،‭ ‬وأحد‭ ‬أشهر‭ ‬المعالم‭ ‬الثقافية‭ ‬في‭ ‬العالم‭. ‬ولكن‭ ‬من‭ ‬يعتقد‭ ‬أن‭ ‬عليه‭ ‬الذهاب‭ ‬إلى‭ ‬البرازيل‭ ‬بأسرع‭ ‬وقت‭ ‬ممكن‭ ‬لمشاهدة‭ ‬المومياء‭ ‬الشهيرة‭ ‬وبقية‭ ‬معروضات‭ ‬المتحف‭ ‬العظيم‭ ‬عليه‭ ‬التروي،‭ ‬فقد‭ ‬اختفى‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬إلى‭ ‬غير‭ ‬رجعة،‭ ‬حيث‭ ‬احترق‭ ‬المتحف‭ ‬تماما‭ ‬بكل‭ ‬ما‭ ‬فيه‭ ‬في‭ ‬حريق‭ ‬هائل‭ ‬شب‭ ‬ليلة‭ ‬الأحد‭ ‬المصادف‭ ‬الثاني‭ ‬من‭ ‬سبتمبر‭/‬أيلول‭ ‬2018‭ ‬ليتحول‭ ‬إلى‭ ‬هيكل‭ ‬مبنى‭ ‬محترق‭ ‬فحسب‭. ‬واكتشف‭ ‬الجميع‭ ‬أن‭ ‬الحكومة‭ ‬البرازيلية‭ ‬كانت‭ ‬قد‭ ‬أهملت‭ ‬المتحف‭ ‬وقامت‭ ‬بتخفض‭ ‬ميزانيته‭ ‬بشكل‭ ‬مثير‭ ‬للدهشة‭ ‬منذ‭ ‬سنوات‭ ‬طويلة،‭ ‬ما‭ ‬اضطر‭ ‬مدير‭ ‬المتحف‭ ‬إلى‭ ‬إغلاق‭ ‬أجنحة‭ ‬فيه‭ ‬بسبب‭ ‬انتشار‭ ‬الفطريات‭ ‬والحشرات‭ ‬وسوء‭ ‬حالة‭ ‬البناء‭. ‬وكان‭ ‬فريق‭ ‬للتفتيش‭ ‬قد‭ ‬فحص‭ ‬المبنى‭ ‬عام‭ ‬2004‭ ‬وأقر‭ ‬بأن‭ ‬الأسلاك‭ ‬الكهربائية‭ ‬مكشوفة،‭ ‬واحتياطات‭ ‬الأمان‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬سيئة،‭ ‬ما‭ ‬يعرض‭ ‬المتحف‭ ‬لخطر‭ ‬حريق‭ ‬مدمر‭. ‬وعندما‭ ‬حاول‭ ‬البنك‭ ‬الدولي‭ ‬تمويل‭ ‬تحسين‭ ‬المتحف‭ ‬بمبلغ‭ ‬ثمانين‭ ‬مليون‭ ‬دولار،‭ ‬كان‭ ‬الرد‭ ‬البرازيلي‭ ‬الرفض‭ ‬لعدم‭ ‬قبول‭ ‬بعض‭ ‬شروط‭  ‬التمويل‭. ‬والغريب‭ ‬في‭ ‬الأمر‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الحريق‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬نوعه‭ ‬في‭ ‬البرازيل،‭ ‬حيث‭ ‬حدثت‭ ‬حرائق‭ ‬كبيرة‭ ‬سابقة‭ ‬دمرت‭ ‬مراكز‭ ‬علمية‭ ‬مهمة‭ ‬في‭ ‬البلد‭ ‬عام‭ ‬2010‭ ‬وعام‭ ‬2015‭. ‬وقد‭ ‬أقر‭ ‬المختصون‭ ‬بعد‭ ‬اندلاع‭ ‬الحريق‭ ‬بأن‭ ‬أجهزة‭ ‬الكشف‭ ‬عن‭ ‬الحريق‭ ‬في‭ ‬المتحف‭ ‬لا‭ ‬تعمل،‭ ‬وأن‭ ‬أجهزة‭ ‬رش‭ ‬المياه‭ ‬للحماية‭ ‬من‭ ‬الحريق‭ ‬لا‭ ‬تعمل‭ ‬كما‭ ‬ينبغي‭. ‬ومما‭ ‬زاد‭ ‬الأمر‭ ‬سوءا‭ ‬أنه‭ ‬عند‭ ‬وصول‭ ‬رجال‭ ‬الإطفاء‭ ‬حاولوا‭ ‬إنقاذ‭ ‬الموقف‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬استعمال‭ ‬مصادر‭ ‬المياه‭ ‬للمخصصة‭ ‬لمكافحة‭ ‬الحرائق‭ ‬والواقعة‭ ‬في‭ ‬مبنى‭ ‬المتحف‭ ‬نفسه،‭ ‬ولكنهم‭ ‬فوجئوا‭ ‬بأنها‭ ‬لا‭ ‬تعمل‭. ‬ولذلك‭ ‬أضاعوا‭ ‬وقتا‭ ‬ثمينا‭ ‬واضطروا‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬الأمر‭ ‬الاستعانة‭ ‬ببحيرة‭ ‬قريبة‭ ‬للتزود‭ ‬بالمياه‭. ‬

الشيء‭ ‬الوحيد‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يتعرض‭ ‬لأي‭ ‬ضرر‭ ‬كان‭ ‬المكتبة‭ ‬المعروفة،‭ ‬لأنها‭ ‬كانت‭ ‬واقعة‭ ‬في‭ ‬مبنى‭ ‬مجاور‭ ‬للمتحف،‭ ‬وكذلك‭ ‬النيزك‭ ‬الشهير‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬المتحف‭ ‬المحترق،‭ ‬فحرارة‭ ‬الحريق‭ ‬تعد‭ ‬لا‭ ‬شيء‭ ‬مقارنة‭ ‬بالحرارة‭ ‬التي‭ ‬تتعرض‭ ‬لها‭ ‬النيازك‭ ‬عند‭ ‬دخولها‭ ‬جو‭ ‬الأرض‭ ‬حيث‭ ‬تصل‭ ‬درجة‭ ‬الحرارة‭ ‬إلى‭ ‬ألف‭ ‬وستمئة‭ ‬وخمسين‭ ‬درجة‭ ‬مئوية‭.‬

‭ ‬ما‭ ‬أن‭ ‬حدث‭ ‬الحريق‭ ‬المدمر‭ ‬في‭ ‬المتحف‭ ‬حتى‭ ‬بدأت‭ ‬المظاهرات‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬طلاب‭ ‬جامعة‭ ‬ريو‭ ‬دي‭ ‬جانيرو‭ ‬الاتحادية،‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬المتحف‭ ‬يتبعها،‭ ‬وأحاطت‭ ‬قوى‭ ‬الأمن‭ ‬بالمتحف‭ ‬كي‭ ‬لا‭ ‬يزداد‭ ‬الأمر‭ ‬سوءا‭. ‬وقد‭ ‬اتهم‭ ‬المتظاهرون‭ ‬الحكومة‭ ‬والرئيس‭ ‬البرازيليين‭ ‬بالإهمال‭ ‬الفاضح،‭ ‬وسارع‭ ‬الرئيس‭ ‬البرازيلي‭ ‬لإنقاذ‭ ‬الموقف‭ ‬بالتعهد‭ ‬ببناء‭ ‬المتحف‭ ‬فورا،‭ ‬خاصة‭ ‬أن‭ ‬البرازيل‭ ‬مقبلة‭ ‬على‭ ‬انتخابات‭ ‬رئاسية‭ ‬وشيكة‭. ‬وقام‭ ‬المرشحون‭ ‬الآخرون‭ ‬في‭ ‬الانتخابات‭ ‬باستغلال‭ ‬الموقف‭ ‬والوعد‭ ‬بحماية‭ ‬التراث‭ ‬البرازيلي،‭ ‬وكأن‭ ‬الجميع‭ ‬كان‭ ‬يغط‭ ‬في‭ ‬نوم‭ ‬عميق‭ ‬طوال‭ ‬الفترة‭ ‬الماضية‭. ‬

وقد‭ ‬ذكرني‭ ‬حادث‭ ‬المتحف‭ ‬البرازيلي‭ ‬بحادثة‭ ‬طريفة‭ ‬أود‭ ‬أن‭ ‬أذكرها‭ ‬هنا،‭ ‬فقد‭ ‬كنت‭ ‬وما‭ ‬زلت‭ ‬اعتبر‭ ‬المتحف‭ ‬البريطاني‭ ‬أجمل‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬العاصمة‭ ‬البريطانية‭. ‬ولذلك‭ ‬كنت‭ ‬أحرص‭ ‬على‭ ‬زيارة‭ ‬المتحف‭ ‬البريطاني‭ ‬كلما‭ ‬سنحت‭ ‬لي‭ ‬الفرصة‭ ‬للسفر‭ ‬إلى‭ ‬لندن‭. ‬وكان‭ ‬القسم‭ ‬المحبب‭ ‬لي‭ ‬في‭ ‬المتحف‭ ‬هو‭ ‬القسم‭ ‬الآشوري‭ ‬بثيرانه‭ ‬المجنحة‭ ‬الرائعة‭ ‬وبقية‭ ‬التماثيل‭ ‬الآشورية‭ ‬الفريدة‭ ‬في‭ ‬العالم‭. ‬وكانت‭ ‬إدارة‭ ‬المتحف‭ ‬قد‭ ‬وضعت‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬كل‭ ‬قطعة‭ ‬معروضة‭ ‬شرحا‭ ‬بسيطا‭ ‬يوضح‭ ‬اسمها‭ ‬وأهميتها‭ ‬ومكان‭ ‬العثور‭ ‬عليها‭. ‬ولم‭ ‬استغرب‭ ‬وجود‭ ‬هذا‭ ‬الشرح‭ ‬لأن‭ ‬الزوار‭ ‬لا‭ ‬يعرفون‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬التفاصيل‭ ‬عادة،‭ ‬وقد‭ ‬سبق‭ ‬أن‭ ‬قرأته‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬عدة‭ ‬مرات‭. ‬ولكنني‭ ‬في‭ ‬زيارتي‭ ‬الأخيرة‭ ‬لاحظت‭ ‬شيئا‭ ‬كان‭ ‬عليّ‭ ‬ملاحظته‭ ‬عند‭ ‬أول‭ ‬زيارة‭ ‬لي‭ ‬للمتحف،‭ ‬فاسم‭ ‬العراق‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬موجودا‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬شرح،‭ ‬وهو‭ ‬البلد‭ ‬الذي‭ ‬ظهرت‭ ‬فيه‭ ‬الحضارة‭ ‬الآشورية‭. ‬وقد‭ ‬أثار‭ ‬هذا‭ ‬استغرابي،‭ ‬فكيف‭ ‬يستطيع‭ ‬السائح‭ ‬العادي‭ ‬معرفة‭ ‬اسم‭ ‬الدولة‭ ‬التي‭ ‬عثر‭ ‬فيها‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬القطعة‭ ‬الاثرية،‭ ‬خاصة‭ ‬أنني‭ ‬كنت‭ ‬أعلم‭ ‬جيدا‭ ‬أن‭ ‬أغلبية‭ ‬الناس‭ ‬لا‭ ‬يعرفون‭ ‬أين‭ ‬كانت‭ ‬الحضارة‭ ‬الآشورية‭. ‬وهنا‭ ‬أردت‭ ‬القيام‭ ‬باختبار‭ ‬بسيط‭ ‬للتسلية‭ ‬وإرضاء‭ ‬فضولي‭ ‬المزعج‭. ‬ولذلك‭ ‬ذهبت‭ ‬إلى‭ ‬الحارس‭ ‬الجالس‭ ‬في‭ ‬القسم‭ ‬متظاهرا‭ ‬بجهلي‭ ‬والسؤال‭ ‬من‭ ‬أين‭ ‬أتت‭ ‬القطع‭ ‬الأثرية‭ ‬الآشورية،‭ ‬وارتبك‭ ‬المسكين‭ ‬معترفا‭ ‬بعدم‭ ‬علمه،‭ ‬فهو‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬المطاف‭ ‬مجرد‭ ‬حارس‭ ‬في‭ ‬المبنى،‭ ‬وطلب‭ ‬مني‭ ‬سؤال‭ ‬مكتب‭ ‬استعلامات‭ ‬المتحف‭. ‬

وشكرته‭ ‬بأدب‭ ‬ولم‭ ‬أتفاجأ‭ ‬من‭ ‬جوابه‭ ‬وتوجهت‭ ‬فورا‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬المكتب‭. ‬ولكن‭ ‬المكتب‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬أفضل‭ ‬من‭ ‬الحارس‭ ‬المسكين‭ ‬حيث‭ ‬اعترفت‭ ‬موظفة‭ ‬المكتب‭ ‬بجهلها‭ ‬وفاجأتني‭ ‬بنصيحة‭ ‬غبية،‭ ‬وهي‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬القسم‭ ‬الآشوري‭ ‬وسؤال‭ ‬الحارس‭ ‬هناك،‭ ‬فهو‭ ‬بالتأكيد‭ ‬لديه‭ ‬الخبر‭ ‬اليقين‭. ‬ولم‭ ‬أستطع‭ ‬إخفاء‭ ‬ابتسامتي‭ ‬الساخرة‭ ‬وأخبرتها‭ ‬بما‭ ‬حدث،‭ ‬وقلت‭ ‬لها‭ ‬إنه‭ ‬من‭ ‬المخجل‭ ‬أن‭ ‬موظفي‭ ‬المتحف‭ ‬لا‭ ‬يعرفون‭ ‬البلد‭ ‬الذي‭ ‬أتت‭ ‬منه‭ ‬أهم‭ ‬القطع‭ ‬في‭ ‬المتحف،‭ ‬فيا‭ ‬للهول‭. ‬ وإذا‭ ‬بموظفة‭ ‬الاستعلامات‭ ‬تحاول‭ ‬إنقاذ‭ ‬الموقف‭ ‬باقتراح‭ ‬توجيه‭ ‬السؤال‭ ‬لمسؤولي‭ ‬قسم‭ ‬آثار‭ ‬الشرق‭ ‬الأدنى‭ ‬في‭ ‬المتحف‭. ‬

وهذا‭ ‬ما‭ ‬فعلته‭ ‬وقابلت‭ ‬أحد‭ ‬المسؤولين‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬القسم،‭ ‬ووبخته‭ ‬بأدب‭ ‬جم،‭ ‬حيث‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬هدفي‭ ‬إثارة‭ ‬مشكلة‭. ‬وضحك‭ ‬الرجل‭ ‬قائلا‭ ‬إنه‭ ‬من‭ ‬الغريب‭ ‬عدم‭ ‬ملاحظة‭ ‬أحد‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬قبل،‭ ‬وإنه‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬الطلبات‭ ‬الكثيرة‭ ‬التي‭ ‬يستلمها‭ ‬المتحف‭ ‬حول‭ ‬بقية‭ ‬الأقسام‭ ‬فيه‭ ‬بهذا‭ ‬الخصوص‭ ‬فإن‭ ‬المتحف‭ ‬لم‭ ‬يستلم‭ ‬أي‭ ‬طلب‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬القبيل‭ ‬حول‭ ‬القسم‭ ‬الآشوري،‭ ‬سواء‭ ‬من‭ ‬الحكومة‭ ‬العراقية‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬مواطنين‭ ‬عاديين،‭ ‬وعزا‭ ‬عدم‭ ‬ذكر‭ ‬اسم‭ ‬العراق‭ ‬إلى‭ ‬إهمال‭ ‬بسيط‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬المتحف‭ ‬ووعدني‭ ‬بإصلاح‭ ‬الأمر‭. ‬ولا‭ ‬أعلم‭ ‬إن‭ ‬كانوا‭ ‬قد‭ ‬أصلحوا‭ ‬الأمر‭ ‬أم‭ ‬لا،‭ ‬فلم‭ ‬أذهب‭ ‬إلى‭ ‬لندن‭ ‬منذ‭ ‬ذلك‭ ‬الحين‭. ‬

٭‭ ‬باحث‭ ‬ومؤرخ‭ ‬من‭ ‬العراق

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية