تُناقش في كليات الآداب، عامة، وفي أقسام اللغة العربية وآدابها خاصة، سنويا مئات الرسائل والأطاريح. ويزداد بذلك عدد الدكاترة، ويرقى إلى درجات عليا أساتذة بمقالات ودراسات «علمية» تصدر في مجلات «محكمة» تابعة للجامعة. تشي هذه الدورة بأن هناك حركة علمية، وتطورا في مجال الدراسات الأدبية العربية. وعند التأمل والمراجعة والتمحيص نتبين أن الحصيلة هزيلة على مستوى ما تحمله تلك الحركة اللولبية، فأغلب البحوث والدراسات تدور في فلك الاجترار والتكرار.. تتشابه العناوين، وإن اختلفت المتون المشتغل بها، وتتكرر المحتويات وأصناف المقاربات.
ما تزال قضية «المناهج» تثار في كل أطروحة، وبالحدة نفسها. وستظل الطريقة التي يُفكر بها في إعداد البحوث، وانتقاء المتون، وهيكلة البحث هي نفسها. وبكلمة: نسمع جعجعة ولا نرى طحنا.
وإذا وجدنا من بين مئات الأطاريح واحدة تسر العين والقلب، نسجل ذلك باعتزاز كبير. فإلى ماذا نرجع هذا التراجع في قيمة الدراسات والأطاريح التي تقدم في كلياتنا؟ لطالما استشعر الجميع بالمستوى الذي تنحط فيه منجزاتنا الجامعية والأكاديمية. وكلما فكرنا في التجاوز وجدنا أنفسنا نعود إلى نقطة الانطلاق. نتقاسم جميعا المسؤولية على ما يقع، قد نحمّل السياسات المتبعة في التعليم كامل المسؤولية.. وقد نرجعها إلى مستوى الأساتذة الذين لم يعودوا يرون في الالتحاق بالجامعة سوى امتياز اجتماعي، وليس فضاء للبحث العلمي.. وقد نراها في تغير مستوى الطلاب، وتهافتهم على الحصول على الدكتوراه، للحصول على منصب شغل بأي الطرق، ما دامت النماذج المقبولة قابلة للاستنساخ، وقد نبحث عن أسباب أخرى لا حصر لها.
إن الإقرار بهذا الوضع يدفعنا إلى التسليم بأن هناك عوامل متعددة في هذا التراجع والتردي الشاملين. ولأننا درجنا على إلقاء اللائمة أبدا على «الآخر» في كل ما نعانيه، أرى أن من المفيد الالتفات إلى «الذات» لنحمّلها الجزء الأوفى من المسؤولية في ما يجري. إن طريقة الإشراف على البحوث، أولا، لم تتغير منذ أزمان. وقضية تطوير مناهج البحث، ثانيا، لم يحسم فيها النقاش الذي لم نخضه نهائيا. ودور الجامعة، ثالثا، لم نجدد بخصوصه نقاشا فكريا وفلسفيا. هذه هي أم المشاكل التي لم نعمل على قراءتها وعلى التفكير في تجاوزها. لم نلتفت منذ نهاية القرن العشرين، وبداية الألفية الجديدة إلى أننا دخلنا عصرا جديدا، وبعد عقدين من الزمن على الثورة الرقمية ما نزال نفكر بما أنجز مع الثورة الطباعية، وبكيفية غير ملائمة لما تحقق فيها. لو طرحنا سؤالا حول أهم الأطاريح التي أنجزت في الكليات العربية، منذ تأسيس الجامعات في الوطن العربي إلى الآن، ما الجواب الذي يمكن تقديمه يا ترى؟ تم التساؤل مرة لأغراض لا علاقة لها بالإبداع: ما هي أحسن مئة رواية عربية؟ لم نتساءل قط ما هي المئة أطروحة التي سنظل نقرؤها، ونحتاج إليها رغم مرور أزمان طويلة على طبعها؟ وبما أننا لا نطرح الأسئلة عينها، لا يمكننا الجواب عنها بالكيفية التي يطرحها أصحابها. إن التفكير في السؤال وطرحه دليل على عملية تفكير وبحث في الماضي والحاضر والمستقبل، ولا ينتبه إلى هذا من يطبّل للزمار.
عندما لا يشتغل الباحث الأدبي مع المهندس في الرقميات، ولا يمتلك هو نفسه هذه الثقافة، سيظل مثل الشاعر الرومانسي التي يتغنى بليلاه. يستدعي تجديد الأطاريح تغيير النظر إلى العصر، وبدون تجديد تكويننا وتطويره رقميا ستظل أطاريحنا ودراساتنا «المحكمة» قبض ريح!
جوابا على هذا السؤال لا أنكر أن هناك عشرات الأطاريح العربية سيظل لها حضورها ودورها في حياتنا الجامعية والثقافية، وإذا طلب مني الجواب عن السؤال الذي أطرح، سأجيب بدون تردد إنها كل الأطاريح التي اشتغلت بتحقيق النصوص العربية القديمة، لأنها وفرت لنا مادة «المدونة العربية الكبرى» وجعلتنا نطلع عليها بعد أن نفض الغبار عنها، بعد نقلها من المخطوط إلى المطبوع. هذا هو العمل الأساسي. أما تحليل ما قدمته لنا تلك التحقيقات فمتغير بتغير المناهج وتطورها.
كان المطلوب منا مع الثورة الرقمية أن نضطلع بالعمل نفسه: جعل تلك المدونة الكبرى مرقَّمة، وليس مرقمنة. وكان يستدعي هذا تكوينا جديدا للأكاديمي ـ العالم بالرقميات، على غرار المحقق، أي: العالم بقراءة النصوص المخطوطة، والعارف بمواطنها، والمغامر بالسفر للبحث عنها، والقادر على فك شيفراتها بالعمل الفيلولوجي الذي لا يمكن أن تضطلع به إلا القلة القليلة من الباحثين الموسوعيين. حين دعوت إلى تكوين الباحث «المُرقّم» على غرار الباحث المحقق، كنت أريد أن نناقش الأطروحة الرقمية العربية، التي تجعل تراثنا قابلا لأن نطلع عليه من خلال الوسيط الجديد بما يتلاءم معه. لا يستدعي إنجاز الأطروحة الرقمية التخلي عن فكرة الأطروحة بالمعنى التقليدي للكلمة. إني أرى أن طريقة إنجاز الأطروحة الرقمية، كفيل بجعلنا نطور ممارسة فكرة الأطروحة بوجه عام وجعلها معاصرة ومتناسبة مع العصر الذي نعيش فيه. ما أكثر ما نتحدث عن تعدد الاختصاصات وتداخلها والدراسات البينية وما جاور هذا الكلام الخالي من أي معنى. عندما لا يشتغل الباحث الأدبي مع المهندس في الرقميات، ولا يمتلك هو نفسه هذه الثقافة، سيظل مثل الشاعر الرومانسي التي يتغنى بليلاه. يستدعي تجديد الأطاريح تغيير النظر إلى العصر، وبدون تجديد تكويننا وتطويره رقميا ستظل أطاريحنا ودراساتنا «المحكمة» قبض ريح!
كاتب مغربي