من أجل الخروج من المأزق: لا بد من حل السلطة الفلسطينية (2 من 2):
حل السلطة يعني عودة الصراع إلي مربعه الأول وهو ما لا تريده إسرائيل ولا الولايات المتحدة ولا الدول الغربيةحماس الساعية لإعادة إصلاح الوضع الداخلي والقضاء علي الفساد ستواجه صعوبات ومحاولات إفشال لمشروعهامن أجل الخروج من المأزق: لا بد من حل السلطة الفلسطينية (2 من 2):د. فـايـز رشـيدوفي الإجابة عن هذه الأسئلة نقول:تشكيل حماس للحكومة الفلسطينية، وبالرغم من توجه الحركة إلي القضاء علي الفساد والمحسوبيات، ومحاولة التخلص من الإرث السلبي للحكومات السابقة، إلاّ أن من المعتقد أنها ستواجه إشكالات كبيرة علي صعيد عملها، فإضافة إلي الضغوطات الدولية الممارَسة علي حماس من أجل تغيير مواقفها، والعقوبات الإسرائيلية، إضافة إلي الضغوطات التي ستحاول عرقلة الحكومة الفلســــطينية بهدف إعطاء الانطباع عنها بعدم قدرتها علي التصدي للقضايا الحياتية للجماهير الفلسطينية، وفشلها في مد خيوط مع الإسرائيليين والولايات المتحدة والأوروبيين علي صعيد السياسة الخارجية… فإنه وفي الواقع الفلســــطيني سيتم خلق إشكالات لحماس من بعض الفصائل الأخري، بهدف تعطيل مسيرتها وإفشالها. وفي الاجتماع الأول للمجلس التشريعي الفلسطيني، وبعد تقديم حماس لتشكيلتها الحكومـــية للرئيس عباس، فجأة يجري التنبه لتفعيل اللجنة التنفــيذية لمنظمة التحرير، وتُدعي إلي اجتماع من أجل مناقشة برنامج حكومة حماس، وكان قرارها برفضه ودعوة حماس إلي تعديله. ما حدث يؤشر إلي: 1 ـ موسمية توجه السلطة إلي هياكل منظمة التحرير ومؤسساتها، إذا ما ارتأت بأن هذا التوجه سيخدم منطلقاتها وخططها، وهذا لا يجوز. فبالرغم من الدعوات الجماهيرية والفصائلية الكثيرة للسلطة ولقادة فتح من أجل إصلاح وتفعيل منظــــمة التحرير بكافة مــــؤسساتها، إلاّ أنها وُضعت علي الرف، بدليل أن المجلس الوطني الفلسطيني لم يعقد دورة له منذ عشر سنوات.2 ـ التضارب بين مهمات منظمة التحرير وصلاحيات مؤسساتها وبين السلطة، فلا يخفي علي أحد القرارات المتناقضة التي تُتخذ في المسألة الخارجية وتعيين السفراء، بين رئيس الدائرة السياسية لمنظمة التحرير، والذي كان يجري التعامل معه باعتباره وزيراً للخارجية، وبين وزير خارجية السلطة.3 ـ موقف حماس من منظمة التحرير، والذي لا يعتبر أنها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، وهذا يختلف عن الدعوات التي تطلقها الحركة من أجل إصلاح المنظمة.تأتي الإشكالات المتوقعة لحماس علي صعيد الممارسة العملية لحكومتها، ومن بينها أيضاً: بنية المؤسسات الحكومية الفلسطينية، ولعل أهمها الأجهزة الأمنية والأخري الشرطية، وهي بشكل رئيسي مغلقة لفتح، وعلي الرغم من التناقضات القائمة بين جناحين (أو عدة أجنحة) رئيسيين فيها، إلاّ أن المسألة إذا ما تعلقت بالتعامل مع مسؤول حماسي في وزارة الداخلية، أو علي رأس هذه الأجهزة فسيتوحد المتناقضون ضده من أجل إفشاله، يأتي كل ذلك وسط إرباك لحماس تجلي في تصريحات مسؤوليها بعد فوزها الكاسح في الانتخابات التشريعية، وانتقالها من صفوف المعارضة إلي مواقع السلطة، والتي من الصعب فيها المزاوجة بين مبدأ المقاومة وبين طبيعة الالتزام بما كانت السلطة قد عقدته وأبرمته من اتفاقيات مع الجانب الإسرائيلي والأطراف الخارجية، والتي حددت حماس منها موقفاً يشير إلي أنها ستتعامل مع هذه الاتفاقيات بمسؤولية، وانطلاقاً من خدمتها لمصالح الشعب الفلسطيني. كان ملاحَظاً أن حماس، ومنذ ظهور نتائج الانتخابات الفلسطينية لم تقم بعملية عسكرية واحدة ضد الإسرائيليين، وسط تحليلات تضفي علي (حماس) البراغماتية في الممارسة.نقول ذلك بهدف الإشارة إلي طبيعة الصعوبات التي ستنشأ في المرحلة القـــــريبة القادمة، والتي ليس من السهولة التعامل مع معطــــياتها، بما يصب في مجري صعــوبة ممارسة حماس للمقاومة.لكل الحقائق التي وردت فيما سبق، والتي تعبّر عن وجود سلطة مكبلّة تمـــاماً، تراوح في مكانها في أبعد الحالات، وتتراجع سنة بعد أخري. وحتي ومع وجود حكومة بديلة تمــــثلها حماس، فإن انعكاسات إيجابية تتبلور علي صعيد الوضع الداخلي. أما علي صعيد الحقوق الوطنية الفلسطينية، فمن الواضح أن العدو الصهيوني متمترس في مواقفه بالنسبة لهذه الحقوق، فهو لا يراها بأكثر من حكم ذاتي يمارسه الفلسطينيون بعيداً عن الحق في العودة وتقرير المصير وإقامة الدولة المستقلة وعاصمتها القدس، وهي الأهداف التي يسعي إليها شعبنا.أما بالنسبة لما يتردد علي ألسنة بعضهم، من أن إسرائيل والولايات المتحدة وبعض الأوساط الغربية تحاول جاهدة إسقاط السلطة الفلسطينية، فهو كلام يبتعد عن الحقيقة، لأن في وجود السلطة (وكما قلنا) إعفاء لإسرائيل من مهماتها تجاه شعب تحتله: مهمات تعليمية وصحية وحياتية أخري، إلي جانب تواجد قوات عسكرية في كل المناطق الفلسطينية علي الدوام. وفي ظل وجود مقاومة جماهيرية مثل الانتفاضة الشعبية، فإن إسرائيل مطالَبة بمضاعفة حجم هذه القوات، وهذا مما يسبب إرهاقاً للعدو في المجالين الاقتصادي والعسكري، إلي جانب الصورة الحقيقية التي ستبدو عليها إسرائيل في العالم، وهي أنها ما زالت تحتل الفلسطينيين ومناطقهم، وبلا أية رتوش (ولنتذكر أحداث الانتفاضتين الأولي والثانية وتداعياتهما علي الواقع الإسرائيلي في مختلف المناحي).وفي هذا المجال أستذكر موقفين: الأول، وهو الانزعاج وصولاً إلي نمط من الاكتئاب أصاب إسحق رابين بعد انتصار اسرائيل في حرب عام 1967، وكان السؤالان اللذان يطرقان علي رأسه، وكما دوّن ذلك في مذكراته، وكما تناقلته مصادر إسرائيلية عديدة: كيف ستتمكن إسرائيل من السيطرة علي كل هذه المناطق الشاسعة التي احتلتها؟ وكيف ستتمكن من السيطرة علي أعداد كبيرة من الفلسطينيين في الضفة الغربية وغزة؟ ولذلك نظر رابين بتشاؤم إلي النتائج التي حققتها إسرائيل في الحرب.الموقف الثاني، لقد انتقد الرئيس الجزائري حينها هواري بومدين موافقة الدول العربية علي قرار وقف إطلاق النار مع إسرائيل، منطلقاً من وجهة نظر تتلخص في أنه سيكون مقتل إسرائيل في المزيد من توسعها الجغرافي، فهي لا تستطيع ديموغرافياً أو إمكانياً من السيطرة علي مواقع شاسعة، ثم إن إبقاء حالة الاشتباك مع العدو لا يتطلب وقفاً لإطلاق النار.ولعل القاصي والداني يعرف حقيقة وهي: أن إسرائيل لم تبنِ مستعمرة واحدة في المناطق الفلسطينية المحتلة إلاّ بعد اتفاقيات كامب ديفيد التي وقّعتها مع مصر، بمعني أن اتفاقيات ما يسمي بالسلام مع إسرائيل، يجري استغلالها من قبلها لبناء المزيد من المستوطنات وتوسيع الأخري القائمة.لكل ذلك، فإن حل السلطة الفلسطينية بكافة أجهزتها ومؤسساتها ضرورة موضوعية ، باعتبارها طريقاً وحيداً للخروج من المأزق الحالي، ولتتولي إسرائيل مهامها. هذا ليس انطلاقاً من أن حماس علي أبواب تشكيل حكومتها مثلما هي خلفية واضحة لكثيرين يطالبون بحل السلطة بهدف إفشال الحركة أولاً وأخيراً، وهو أيضاً ليس رغبةً في رؤية القوات الإسرائيلية في شوارع مدننا وقرانا، وهي قادرة علي الوصول إليها في الوقت الذي تشاء، ولكن من أجل أن يظهر الاحتلال علي حقيقته، فإسرائيل تضرب عرض الحائط بالقوانين والاتفاقيات الدولية واتفاقياتها مع السلطة، وبالأمم المتحدة وبمحكمة العدل الدولية وقراراتها، واستمرأت ذلك وسط صمت دولي يصل حدود التآمر معها.كل ذلك سوف لن يعني شيئاً إن لم يرتبط ببرنامج تتفق عليه كل الفصائل الفلسطينية، سواء في إعادة بناء حقيقية: تفعيل حقيقي وإصلاح لمنظمة التحرير الفلسطينية بكل مؤسساتها وهياكلها، أو في إنشاء قيادة نضال وطني فلسطيني (قيادة موحدة) ومن كافة ألوان الطيف الفلسطيني، تضع نصب أعينها تولي مسؤولية النضال الفلسطيني وطنياً ومن كافة زواياه: المقاومة ببعديها؛ الجماهيري (انتفاضة ثالثة)؛ والمقاومة المسلحة القادرة علي إيلام العدو، واعتماد الثوابت الفلسطينية كحد أدني للحقوق الوطنية، وأن أية مفاوضات مستقبلية تجري، تتخذ من هذه الثوابت قاعدة استراتيجية في حركتها السياسية. إن ذلك يستدعي: نزول كافة الأجهزة العسكرية للفصائل الفلسطينية تحت الأرض، والعودة إلي أساليب العمل السري، وإيجاد شكل (ولو بالحد الأدني) من التنسيق بين هذه الأجهزة.ومن مهمات القيادة الموحدة أيضاً: الإشراف علي الشأن الحــــياتي للفلسطينيين في مختلف مناحيه من خلال البلديات والأشــــكال الأساسية المؤسساتية الموجودة، أو التي يجـــري بناؤها والقــادرة علي القــــيام بالمهــــمات الموكولة إليها.وفي الشأن المالي، فإن منظمة التحرير الفلسطينية الفاعلة والمؤثرة، والقادرة علي أن تكون بؤرة استقطاب لفلسطينيي الشتات، وللجماهير العربية، والموكولة إليها مهمة الاتصالات الخارجية: عربية وإسلامية ودولية، لَمؤهلةٌ أن تقوم بالمهمة المالية، هذا إلي جانب ما تستطيعه الفصائل الفلسطينية من قدرات ذاتية علي صعيد التحصيل المالي لسد احتياجات مهماتها وأعضائها، إلي جانب مساهمتها في سد الاحتياجات لجماهيرنا في الضفة الغربية والقطاع.إن حل السلطة، يعني عودة الصراع إلي مربعه الأول، وهو ما لا تريده إسرائيل ولا الولايات المتحدة ولا الدول الغربية، وهو بالعكس من ذلك، يشكل نقاط ضغط عليها.إن انتفاضة ثالثة ستكون بمثابة انتفاضة الخمس دقائق الأخيرة ما قبل النصر، وبها وبالمقاومة سنجبر إســـــرائيل علي الاعتراف بحقوق شعبنا في العودة وتقرير المصير وإقامة الدولة المستقلة وعاصمتها القدس، وسنجبرها علي الإفراج عن كافة معتقلينا وأسرانا من سجونها، دون ذلك سنبقي نراوح وفي المكان نفسه، في ظل الحقائق التي تصنعها إسرائيل علي الأرض يومياً.7