بغداد – “القدس العربي”: غدا العراق هذه الأيام خلية نحل يتسابق عليها الرؤساء والملوك والوزراء سعيا وراء عقد الصفقات للاستئثار بالسوق العراقية وحاجة البلد الملحة لمشاريع الاستثمار وإنعاش اقتصاده المتعب، إضافة إلى إعادة إعمار المدن المدمرة ناهيك عن ثرواته النفطية والغازية المتنامية.
فبعد أيام من زيارة وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو للعراق توافد على بغداد الملك الأردني عبد الله الثاني ووزراء ومسؤولون مدنيون وعسكريون من إيران وفرنسا وتركيا واستراليا وبريطانيا، في تحرك يختلط فيه الاقتصاد والسياسة والامن، ويؤكد أن العديد من الدول تجد في السوق العراقية متنفسا لأزماتها الاقتصادية والسياسية.
وكانت زيارة العاهل الأردني عبد الله الثاني ولقاءاته مع القيادات الحكومية والحزبية محطة بارزة في هذا الحراك خاصة وأنها تأتي مكملة لزيارة رئيس وزراء بلاده عمر الرزاز إلى بغداد قبل أقل من شهر لفتح المزيد من آفاق التعاون بين البلدين إذ وقع خلالها على اتفاقيات يفترض البدء في تنفيذها في شهر شباط/ فبراير المقبل، ويحصل الأردن بموجبها على امتيازات وتسهيلات لتصدير المزيد من السلع الأردنية والحصول على النفط العراقي بأسعار خاصة اضافة إلى الاستفادة من الموانئ الأردنية في نقل البضائع القادمة إلى العراق. وطبعا لم يكن بعيدا عن المباحثات التعاون والتنسيق في الجوانب السياسية وقضايا الأمن المشترك في ما يخص أوضاع المنطقة العربية المتوترة خاصة بعد الانسحاب العسكري الأمريكي المقترح من سوريا وتطورات القضية الفلسطينية.
وركزت الحكومة العراقية وحكومة إقليم كردستان خلال استقبال وزير الخارجية الفرنسي جان لودريان، ووزير الدفاع الاسترالي كريستوفر باين، ومستشار وزارة الدفاع البريطانية، وبعثة حلف الناتو على استمرار تقديم تلك الدول الدعم السياسي والعسكري للحكومة العراقية في مواجهة بقايا تنظيم “الدولة” مع تشجيعها على الاستثمار في الاقتصاد العراقي وإعادة بناء المدن المدمرة الذي تتردد تلك البلدان في البدء به بسبب عدم استقرار أوضاع العراق وتفشي الفساد.
إلا أن زيارة وزير الخارجية الفرنسي إلى النجف أثارت اهتماما وتساؤلات عن أهدافها. ورغم التكتم على نتائجها إلا أن الكثير من المراقبين يرون أنها تأتي في سياق محاولة دولية إقناع مرجعية النجف برفع غطائها عن بعض الفصائل المسلحة التي استغلت فتوى الحشد الشعبي ولكنها ما زالت مرتبطة بمشروع إقليمي، وهذا الاعتقاد عززته معلومات صحافية عن إبلاغ وزير الخارجية الأمريكي حكومة بغداد، خلال زيارته الأخيرة لها، بضرورة حل الحشد الشعبي للحد من نفوذ إيران في العراق.
وضمن معمعة الزيارات يبرز واضحا تحرك إيران المتصاعد لفتح أسواق العراق على مصاريعها لفك طوق العزلة المفروض عليها جراء العقوبات الأمريكية. وإذا كانت زيارات كل المسؤولين الأجانب إلى العراق لم تزد عن يوم أو ساعات فإن وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف اصطحب معه وفدا يضم أكثر من 30 مسؤولا في مختلف المجالات، واستمرت الزيارة خمسة أيام شملت بغداد وكربلاء وإقليم كردستان، وركزت على مجالات توسيع الصادرات الإيرانية وتسهيل الحركة عبر الحدود واستمرار تزويد العراق بالغاز والكهرباء، كما تضمنت عقد ندوات مع المسؤولين والتجار العراقيين لتشجيعهم على المزيد من الاستفادة من البضائع الإيرانية التي تغزو السوق العراقية منذ 2003 إضافة إلى الاستثمار في إيران مع ضخ المزيد من العملات الأجنبية إلى الاقتصاد الإيراني المخنوق بالعقوبات الأمريكية. ولم ينسَ ظريف عقد اجتماع مع قادة فصائل الحشد الشعبي دعاهم فيه إلى دعم عمل الشركات الإيرانية في العراق مقرا بأن “بعض المسؤولين العراقيين لا يتعاونون مع إيران خوفا من أمريكا”.
وتزامنت زيارة ظريف مع تحديد موعد زيارة الرئيس الإيراني حسن روحاني إلى العراق في آذار/مارس المقبل لتحقيق الأهداف نفسها.
ويبدو حجم التحرك الإيراني مقارنة مع تحرك الدول الأخرى، والذي يعقب زيارة وزير الخارجية الأمريكي، كاسحا ويستند إلى أرضية ترحيب سواء في موقف حكومي يقدم كل الامتيازات والتسهيلات لاستمرار فتح السوق العراقية أمام إيران بلا حدود رغم تهديدات العقوبات الأمريكية التي قد تشمل العراق إضافة إلى جهود حلفاء وأصدقاء فاعلين في المشهد العراقي يعملون بقوة على فك طوق العزلة الخانق عن طهران.
وأعلن ظريف من كربلاء أن حجم التبادل التجاري بين العراق وإيران بلغ العام الماضي 8 مليارات دولار، وسط مساع إيرانية لإحداث طفرة في الصادرات تصل إلى 20 مليار حسب ما أعلنه السفير الإيراني.
تركيا من جانبها أبدت رغبتها برفع الصادرات إلى العراق لتصل إلى 20 مليار دولار، كما جدد السفير التركي فاتح يلدز خلال لقائه وزير الموارد المائية العراقي استعداد بلاده للتعاون مع العراق لحل مشكلة المياه وإمكانية عقد اتفاقية لتقاسمها بين البلدين والمساهمة التركية في إعادة بناء المدن المدمرة مع حديث عن قرب زيارة الرئيس التركي رجب اردوغان إلى بغداد.
والمؤكد بالنسبة للمطلعين على المشهد العراقي أن الكلمة الأخيرة في اختيار الدولة ذات الرعاية الخاصة في التعامل الاقتصادي في العراق ستظل في النهاية بيد الأحزاب والقوى الصديقة لإيران التي تتمتع بنفوذ مؤثر وحاسم ليس في الحكومة العراقية فحسب بل وفي المؤسسات والأدوات الاقتصادية المتحكمة بالسوق العراقية كالبنوك وشركات الصيرفة وتحويل الأموال والتجارة والسياحة الدينية وغيرها إضافة إلى مئات الشركات الإيرانية العاملة في تنفيذ المشاريع في العراق.