من أجل غياث الأخرس: في سحر الدمشقيات اللواتي طرزت الفراولة شفاههن بالأشعار

حجم الخط
0

فاروق يوسف’ لمَ لا تكون عراقيا فعلا؟’ تساءل غياث الأخرس كمن يجيب. نظرت إلى ظله تحت قدميه. تحت المنضدة تماما حيث كان يجلس. كانت جدران البيت بيضاء أكثر مما يجب. ما معنى ذلك؟ اعتقد ان اللغة تخسر الكثير حين يتعلق الأمر بالصورة. الرمادي يخدع ويناور ويحث على ابتكار حيل للعيش مغايرة، وسيد الحفر الطباعي في سورية يعنيه أن تكون المسافة بين لونين صارمين مكتظة بالتضاد مثل سؤال جانبي. نسخة أخرى أم طبعة مختلفة؟ غياث الاخرس يتذكر بغداد كمن يحن إلى طفولة مضاعة. ‘ سأحدثك عن مكان آخر. مكان تعرفه، غير أنه ذهب في رحلة حج أخيرة’ كلماته تضحك بأسى وهي تلتقط الشيء اللامرئي. تضعه على المنضدة أمامنا. لا فرق لديه بين الشيء وشبحه. بين المادة وروحها. بين الشكل وحيويته. يمكنه أن يتذكر ما كانت عليه رسومه يوم كان مجربا لأشكال عديدة من التلاقيات المرحة بين عالمين: قريته حيث عاش طفولة هي أشبه بخزانة الحكايات والفضاء الذي يتلو عتبة الدار، حيث التقنيات التي جعلت من الصورة المتخيلة فرصة للقبض على ما يختبىء وراء حاجز الزمن. ‘ أنا موجود في فراغي الاستفهامي’ لم أقلها. لقد اقترحتها ضحكته.

بالنسبة للأخرس تكتفي النسخة بذاتها ولا تتكرر. يمكنه أن يكون كذلك ايضا. حيث لا يراه المرء مرتين. حين التقيته أوهمني بأننا التقينا من قبل. منذ قرون ربما. التاريخ لم يمر به. الصديق الذي يرى ماضيك بعينين تغفلان عن الخطأ هو ذاته الذي يحييك عابرا حيث تجلس في مقهى لم يتوقعك فيه. منذ اللحظة المشوّقة يقودك الى المناطق الشائكة في الحوار. لغته تظل متمسكة بأخويتها النقية الى النهاية. لا يزال ماهرا في اعادة تعريف الأشياء. لم تكتسب الأشياء بعد طابعا صلبا. هيئة الشيء تفر لتبقى الروح الهائمة. قلت: ‘ سأقفز لأقبلك’ حين مس بخفة أصابع البيانو التي تصدر عنها أنغامي. قلت في سري: الإلهام يغلب. للرجل روح نقية واستسلمت لهذيان الموسيقى. لماذا هذه الغبطة كلها؟ لأن هذا الرجل يشكل مادة نادرة في وجودنا الثقافي. غالبا ما يدفع شعور عميق بالنقص الكثيرين إلى اظهار عدم اكتراثهم بالآخرين. للأخرس معدن خلاق. له روح عابثة غير انها منصفة بحيث لا تلتفت إلى الصغائر. كانت عراقيتي تلح. أنت تحرجني يا سيدي. ‘ فعلا له عينان منغوليتان’ تذكر فجأة بعد أن مضى بنا الحديث بعيدا عن اسماعيل فتاح. بدلا من اسبوع بقي في بغداد السبعينيات شهرا أو أكثر. كان العراقيون يومها رعاة حداثة متطرفة. كانوا الأكثر جرأة على تحطيم الأوثان. تسطع الفكرة في رأسي. ‘ العبقرية لا تصنع غدا مريحا’ قلت لأذكره بان سورية والعراق تشتركان في خاصية اطلاق مواهب فردية فذة، غير أن تلك المواهب تظل من غير سند ثقافي اجتماعي صلب ومتماسك. عاشت حداثتنا على الهامش الاجتماعي والثقافي دائما. لم يكن هنالك سقف. لم تكن هنالك حدود مرئية. لقد انساب كل شيء كما لو أن البداهة ستبتلع كل شيء في اية لحظة. لذلك انتهينا إلى جدار الدين بهيئته الطائفية. أين ذهبت رياح الحداثة؟ غياث الأخرس مشروع حضاري في فنان. يحدثك بيسر عن الأمل، كما لو أنه سيحضر لك صحن طعام. ‘ الآن يمكنه أن يكون زمنا كاملا’. لم تهزمه الغربة. باريس هي مدينة أخرى، لكنها ليست بعيدة. ما يهمه أن يكون موجودا بثقة في المكان الذي احتضن خبرته المتجذرة مثل شجرة دائمة الخضرة. رأيت على جدران البيت رسوما لرسامين عرب ولم ار أية لوحة من لوحاته. كانت الموسيقى تصل من مكان قريب. لم اخف سروري بلقائه. بعد لم يمتلأ المركب الذاهب الى الجنة. ذلك المقعد الأخضر هناك. يقولها الرجل بيقين كامل. لم يتحدث الرسام طويلا. غياث هو لسان المثقف العربي الذي لا يزال يمتلك طاقة من أجل التغيير. تعجب منه وتُعجب به. ‘ هناك أشياء كثيرة لا يزال في إمكاننا أن نفعلها’. أصمتُ. أنا يائس. يصنع غياث مزاجا مرحا من غير أية فكاهة. يجعلك تفتقده إن صمت. تحضر في رأسه أسماء ومشاهد ووقائع وحكايات. لا يخفي الرجل قدرته على ارتجال حوار لم يقع. الأسوأ بالنسبة له قد وقع. نحن في المطهر. ولأنه لا ينقب بحثا عن ربيع استثنائي فقد انصت الى المطر الذي كان يضرب اسفلت الشارع خارج المنزل. ‘ نحن كائنات غضة، غير أن صلابتنا تدهش الكثيرين’. لا يكف غياث عن زرع الثقة. الرجل مسكون بالمستقبل. ألم أقل ان له معدناً مختلفاً؟ لم تعد رسومه وهي تلح علي تختصره. كان علي أن أبحث عن خيار آخر للوصف. بعدها سأكون عراقيا خارج الوصفة الجاهزة. ‘ ليست موهبة أن تبدو اصغر سنا’ الطبيعة لغز. لا أعرف لمَ تخيلني غياث في هيئة أخرى. لنضحك قليلا. أقل طولا وأكثر بدانة ونظارتان غامقتان وصمت مريب. ‘ سأصاب بالحول من شدة التلفت’ يحدث أن نتخيل شخصا ونحن ننظر إليه فلا نراه كما هو في الواقع. يوهمنا الحب بحقائق، هي جزء من سياق الخلق السعيد. فكرة الخلق نفسها تعد بالسعادة. غالبا ما يقترح الرسامون على الحياة كائنات هي ليست من صلبها. وعدني ناصر حسين برسمة شخصية ولم يطلب مني أن أجلس أمامه موديلا. سيكون عليه إذاً أن يتخيلني. لقد وصلت الفكرة. لا لم تصل. سيقف ناصر أمام الورقة البيضاء لساعات حائرا قبل أن يسقط القلم من يده. ليس لان الفكرة ميتة بل لانها تدفع به إلى منطقة يكون فيها الوصف عزيزا. سيكون عليه أن يرهن أطرافه للحب. ظل الأخرس يرسم أبناء قريته زمنا طويلا مدفوعا بالحب. شغف وجداني بما لم يعد يُرى. ‘ كنا هناك’ ما معنى هذه الهناك الآن؟ اعتقد ان الضلالة كلها تقيم في تلك المفردة. معصية الحاضر هي الأخرى تعبر عن موهبة مختلفة. لتكن الصداقة إذاً موهبة خلق. وهي كذلك.

غياث الأخرس ( 1937) يمكنه أن يتخيل اليوم سنة ولادته ولنا أن نتخيل المكان الذي شكل حاضنة لحواسه الأولى من خلال العودة إلى رسومه المبكرة. خبرة ساعات قليلة من صداقته هي تجربة عظيمة يحكمها الالهام الذي لا يكف عن الهذيان، حيث الصور والأفكار والرؤى والحكايات تقبل من غير تمهيد مسبق من عالم صاف ومبارك لا يمكن استدعاؤه في سياق الكلام الواقعي. كنا نتحدث وكل واحد منا ينظر إلى يد الآخر حيث يسكن ذلك الالهام: يد الكاتب ويد الرسام. نجحنا معا في أن نقفز فوق الصدع لنصل إلى المنطقة المشتركة. حقولنا المغناطيسية التي ترعى غزلانا برية هائمة. ‘ هل لديك وقت؟’ سألته وكان سؤالا مشاغبا. ‘ كل الوقت’ أجاب. لن أنتهي منه. الوجبة ليست عشاء أخيرا. يدخلك غياث إلى معبده فلا تخرج إلا مؤمنا بفكرته. سيكون العالم جميلا. أضعت سنوات من عمري قبل أن التقيه. كان عليه أن يبحث عني. كان علي أن ابحث عنه. هناك أصدقاء هائمون في ذلك الفجر الذي لا يمكن استعادته بيسر. سيكون علينا أن نتذكر أننا التقينا في ربيع دمشقي كان الفول الأخضر فيه قد ملأ سلال القرويات في الأسواق المرتجلة، وكانت الفراولة تطرز شفاه الدمشقيات بأشعار ديك الجن الحمراء.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية