محمد عبد الحكم دياب
أُختُتم موضوع السبت الماضي بوعد بالتعريف بمجموعة العمل من أجل استقلال الجامعة. المعروفة بـ مجموعة 9 مارس. فلنتعرف علي نشأتها وعلي أهدافها ودورها، وإمكانية مد الجسور معها ودعمها.
في البداية يلزم التنويه إلي لبس حدث حول تاريخ نشأة الجامعة المصرية. حين ذكر البعض أن الجامعة أنشئت عام 1908، وجاء في المقال أن النشأة كانت في 1925. فأيهما صحيح؟ والرد هو أن كليهما صحيح. ففي عام 1908 قامت الجامعة الأهلية. أما في سنة 1925 افتحت الجامعة الحكومية. وصدر لذلك مرسوم في 11 أذار (مارس) من تلك السنة. بعد اتفاق الحكومة مع إدارة الجامعة الأهلية علي الاندماج في الجامعة الحكومية الجديدة، وأن تكون كلية الآداب نواة لها. وهذا اللبس لم يكن الوحيد في المقال الماضي. فقد فسر البعض تناول مذبحة الجامعة بأنه لتجنب تناول مذبحة رؤساء التحرير الأربعة، إبراهيم عيسي، وعادل حمودة، وعبد الحليم قنديل، ووائل الإبراشي. وهو تفسير في غير محله. فالمقال يعد قبل النشر بثماني وأربعين ساعة، وعندما صدرت الأحكام ضد الصحافيين كان قد أعد ووضع في صيغته النهائية. وعلينا أن نعلم أن القضايا الناتجة عن الحرائق التي يشعلها الحكم في كل مكان من مصر تستهدف الكافة، صحافيين وقضاة وأكاديميين ومحامين وفلاحين وعمال، أصبحت مزمنة.. ليست طارئة ولا عابرة. مستمرة ما استمرت عائلة مبارك، مهيمنة علي السلطة، ومسيطرة علي الثروة، وقابضة علي الرقاب. والفرصة متاحة لتناولها إلي أن يشاء الله. وما حدث للصحافة المستقلة والحزبية هو واحد من الحرائق المشتعلة، وتعبير عن المأزق الشامل الذي تعيشه العائلة وتعيشه مصر معها. وإذا استهدفت مذبحة الصحافة ضرب نواة البنية الأساسية الضرورية لإرساء تقاليد ديمقراطية حقيقية. نجحت في غرسها الصحافة المستقلة والحزبية. يأتي هدم الجامعة وخصخصتها وتخريبها لتجفيف منابع الوعي والعلم والمعرفة، ولتأصيل وتبرير السعي لنشر الجهل والتخلف والفقر، وخلق بيئة مناسبة، تبقي علي منظومة الاستبداد والفساد والتبعية، متحكمة في الأوضاع ومحركة للأحداث، معركة واحدة، لها أكثر من وجه، وتجري علي أكثر من صعيد.
ونعود إلي مجموعة 9 مارس. بدأت بخمسة وعشرين من أعضاء هيئات التدريس في عدد من الجامعات. هم من وقعوا علي بيانها التأسيسي، وتُركِّز نشاطها وتُقصره علي المجال المهني، وتسعي لوقف تغلغل الشرطة والأمن في خلايا العمل الجامعي ومفاصله. وجاءت النشأة في ظروف مناخ تصاعدت فيه وتيرة الحراك الوطني والسياسي. وفي وقت بات واضحا فيه أن النية معقودة لتوريث منصب رئيس الدولة. تنازلا من الأب الكهل إلي الفتي المدلل، بما يترتب علي ذلك من آثار، معطلة للتطور ومعيقة للنمو. ظهرت المجموعة في صيف 2003. وبدأت تحركها بتوجيه خطاب. وقعه سبعون من الأساتذة والمساعدين، إلي رئيس جامعة القاهرة، في ذلك الوقت، يستفسرون منه عن طبيعة وسبب وجود مبني، داخل الحرم الجامعي، لجمعية أهلية، لا علاقة لها بالجامعة أو العمل البحثي أو الأكاديمي. هي جمعية جيل المستقبل لصاحبها جمال مبارك. وبعد البيان الاستفتاحي تضاعف عددها. ومنذ نشأتها وهي تعقد اجتماعات غير دورية يدعي إليها المهتمون باستقلال الجامعات. خلال سنوات عمرها الأربع أقامت أربعة احتفالات. كان الأول في 2004، لإحياء ذكري استقالة أحمد لطفي السيد، دفاعا عن استقلال الجامعة سنة 1932. وكانت مادة الاحتفال التالي عن الجامعة المصرية بين التمويل العام والخاص. وناقش الاحتفال الثالث 2006 الحريات الأكاديمية في الجامعات المصرية: الوضع الراهن ـ المعوقات والحلول، أما موضوع الاحتفال الرابع والأخير، في أذار (مارس) الماضي، فكان عن مفهوم استقلال الجامعة: رؤي الماضي والحاضر والمستقبل.
تحددت المهام الرئيسية للمجموعة بشكل واضح في ورقة قدمت للاحتفال الثاني 2005، وفيها ارتكز مفهوم استقلال الجامعات علي ثلاثة مقومات هي: الحرية الأكاديمية، والاستقلال المالي، وديمقراطية واستقامة الإدارة. وكلها أمور مفتقدة في الجامعات المصرية، وعرضت الورقة لوقائع كشفت مستوي التردي الذي تعيشه الجامعات، مثل تدخل الأمن في تعيين المعيدين، وعدم التصريح بسفر أعضاء هيئات التدريس ومعاونيهم في مهماتهم العلمية أو الدراسية إلا بموافقة الجهات الأمنية، والتدخل في قبول الطلاب الوافدين، وهي في مقدورها ألا تصرح للوافد بالدخول أو الإقامة، إذا ما كان وجوده يمثل خطرا عليها، دون حاجة لتعسف مع إدارة الوافدين بعد استقبال طلبات الطلاب. امتد التدخل الأمني إلي مجالات البحث العلمي والعمل الأكاديمي، وترتب علي ذلك رفض دعوات وجهت لشخصيات أكاديمية وإعلامية وعامة، لإلقاء محاضرات أو للتحدث في ندوات وورش عمل، تقيمها أقسام ومراكز أبحاث جامعية.. وأشارت الورقة إلي خطاب عممته إدارة الأمن بوزارة التعليم العالي، منذ سنوات، علي الكليات والأقسام الجامعية. يطلب الحصول علي موافقة أمنية مسبقة، قبل إجراء أبحاث مشتركة مع الأجانب، أو دعوة أساتذة من الخارج، أو الدخول في مشروعات علمية مع جهات أجنبية.
وعلي مستوي التعامل الطلابي، نجد أن الأمن تخصص في إهدار فرص تعزيز العلاقات الصحية والصحيحة بين الأساتذة والطلاب، وبينهما وبين الجامعة، كصرح للعلم والمعرفة. يحكمه تراث وقيم وتقاليد راسخة. ترتقي بعملية التنشئة، وتعلي من شأن التنمية البشرية. ومن صور الإهدار إخضاع النشاط الطلابي للوصاية الكاملة للأمن، الذي تفنن بدوره في وضع قيود صارمة عليه، وتدخله السافر في شطب المرشحين لانتخابات الاتحادات الطلابية، بسبب ميولهم السياسية والدينية، ورفض تسجيل بعض الأسر الجامعية لنفس الأسباب. كل هذا في كفة والاعتداءات البدنية علي الطلاب وأعضاء هيئات التدريس في كفة أخري، وصل فيها التجاوز حد قيام الأمن بالاستعانة ببلطجية، وأرباب سوابق، من خارج الجامعة، للاعتداء علي الطلاب، علي أن يتكفل صغار الضباط بالأساتذة، وواقعة اعتداء ملازم بحرس الجامعة علي أستاذ مساعد، بكلية الآداب بجامعة عين شمس مشهورة ومشهودة. انتصر فيها وزير الداخلية لأحد جلاديه، علي حساب كرامة وهيبة الأستاذ، الذي تمزقت ملابسه وأصيب إصابات بالغة، وكل جريمته أنه اعترض علي خشونة الباشا معه. والأدهي أن رئيس الجامعة انحاز لوزير الداخلية في موقفه ضد أحد الأساتذة التابعين له!! والمهمة التي تحملها المجموعة علي عاتقها جسيمة. مع أنها تبدو سهلة، فهي لا تطلب أكثر من استقلال الجامعات، نظريا وعمليا، وتهيئة الظروف التي تحقق هذا المطلب، من تعديل قانون تنظيم الجامعات، وحصر دور المجلس الأعلي للجامعات في نطاق التنسيق، وضمان تمتع الجامعات بالاستقلال المالي والإداري، وأن تكون إدارتها عن طريق مجالس الأقسام والكليات والجامعات، علي أن يتقلد رؤساؤها مواقعهم بالانتخاب الحر المباشر، وأن يعين الحرس الجامعي من قبل الجامعات، ويتم منع وزارة الداخلية من التدخل، إلا فيما يتعلق بالأمور الجنائية، التي تخضع للقانون العام، ويكون ذلك بعد موافقة رئيس الجامعة.
وفجأة وجدت هذه المجموعة نفسها أمام تحد من نوع جديد. هو أن الجامعات المصرية مهددة في وجودها ذاته، حين كشفت المصادر الحكومية عن قيام رئيس الوزراء بتوقيع عقد مع شركة إعمار الإماراتية. تشتري بموجبه أرض المجمع النظري، لجامعة الإسكندرية، وهو يضم كليات الآداب والحقوق والتجارة والتربية، مع أرض مستشفي الشاطبي، الواقع مباشرة علي الكورنيش، نظير 14 مليار جنيه مصري. وهو مبلغ يعادل 2.5 مليار دولار أمريكي. يسدد علي أقساط. وتعكف مجموعة منتقاة، من المسؤولين بوزارة التعليم العالي وجامعة الإسكندرية، ليل نهار، للتعجيل بإتمام الصفقة. انتظارا لمكافآت سخية تقدمها لهم الشركة المشترية، وتوقعا لأنصبة عالية من عمولة البيع المقررة. وهو ما تعودوه، بحكم الخبرة المكتسبة من بيع القطاع العام. وأمام هذا الموقف غير المسبوق، وبينما تتوسع دول العالم في بناء وتأسيس وتطوير الجامعات ومراكز البحث والعلم، نجد أن عائلة مبارك وهي تبيع مصر. لا تستثني الجامعات ولا مراكز العلم من عملية البيع!!. هذا التحدي غير المتوقع استدعي قيام أساتذة، من جامعات الإسكندرية والقاهرة وعين شمس، ظهر يوم الخميس 5 أيلول (سبتمبر) الحالي، بالوقوف احتجاجا أمام مستشفي الشاطبي، والتعبير مجددا عن رفض هدم المستشفي وبيع الجامعة. ووجهت مجموعة 9 مارس نداء إلي الأفراد والجمعيات والنقابات والحركات السياسية والأحزاب، جميعها، للقيام بدورها في الدفاع عن جامعة الإسكندرية وحمايتها، ورفض نقلها تبريرا لبيع أراضيها، بعد هدم مبانيها ومرافقها. ولا يستبعد أعضاء هيئات التدريس، ولا أندية الجامعات خيار الإضراب عن العمل، وتعطيل الدراسة، واللجوء إلي القضاء، لوقف البيع. ودعوة الجامعات الأخري للمشاركة في الحملة المناهضة لذلك. والبدء في جمع مليون توقيع علي عريضة تقول: لا.. لهدم مستشفي الشاطبي، ولا.. لبيع جامعة الإسكندرية، ولا.. لهدمها وتحويلها إلي منشآت سياحية. هنا يأتي دور الكتاب والصحافيين والإعلاميين وصناع الرأي، من العرب، من بين العاملين والمقيمين في الخارج، والمصريين في مقدمتهم. عليهم دعم مطالب استقلال الجامعات ورفض بيعها، ومنع هدم منشآتها ومرافقها، والدعوة لقيام حركة مناهضة. تقدم الدعم المادي والمعنوي لمجموعة 9 مارس ولأعضاء الأندية الجامعية وهيئات التدريس، ولكل من يتصدي لهذه القرارات الجائرة. وذلك بالاتصال بالأكاديميين والجامعات العربية والأجنبية، والدعوة لتأسيس حركة عربية وعالمية تقاوم هدم وبيع الجامعات، وتدعو لمقاطعة الحكومة المصرية، إذا لم تلغ أو تتراجع عن قراراتها. والصحافيون والإعلاميون يملكون القدرة والخبرة والمعرفة التي تمكنهم من تعرية التواطؤ الجاري للتغطية علي جريمة لا تقل بشاعة عن جرائم الحرب. صونا لسمعة مصر ودورها ووجودها ذاته. ولا يجوز التوقف إلا حين يلغي حسني مبارك هذه القرارات رسميا، ويتوقف أحمد نظيف عن تنفيذ ما يسميه خطة تطوير مدينة الإسكندرية، وبعد أن يعاد النظر في تلك الخطة واستبعاد المساس بالجامعة ومرافقها، علي أن تلغي الإجراءات المالية والتنظيمية بهذا الخصوص. ويصدر مجلس جامعة الإسكندرية بيانا يلغي فيه قراره السابق بالهدم ونقل الجامعة خارج المدينة، ووضع خطة لتطوير الجامعة. واعتماد الأموال الكافية لصيانة مبانيها ومستشفياتها. وتأخذ الحكومة علي عاتقها إعداد الدراسات المطلوبة لإنشاء جامعة حكومية ثانية في الإسكندرية، تستوعب التزايد السكاني فيها، وتخفف من الكثافة الموجودة في الجامعة العريقة.
إنها دعوة للالتفاف حول مطالب مشروعة وضرورية ترفع شأن الجامعات، كركائز للنهضة وصروح لصنع التقدم والازدهار والرقي.