د. فوزي ناجي الأخبار المتلاحقة عن سقوط قتلى وجرحى في مصر في المواجهات بين السلطة والمتظاهرين أمر لا يمكن تقبله والتغاضي عنه، ويجب دراسة الاسباب لعلاج مواطن الخلل لمنع تكرار ما حدث، لأنه امر مشين بكل المقاييس.من منطلق الحرص على مصر التي نحبها وشعبها العظيم الذي نفخر به ونعتز يؤلمنا إراقة الدم المصري وانحراف بوصلة الثورة الى اتجاه يبعدها عن أهدافها النبيلة. كما يهمنا خروج مصر من أزمتها وإستعادة سيرها في الاتجاه الصحيح. لمصلحة من يسفك الدم المصري؟ لماذا تهاجم المنشآت العامة والتي هي ملك للشعب المصري كله؟ لماذا يطالب بعض المتظاهرين باسقاط نظام شرعي منتخب بنزاهة وشفافية؟ لماذا تريد المعارضة إسقاط السلطة؟ لماذا لا يحترم الجميع المبادئ الديمقراطية ما داموا يؤكدون لنا بان غايتهم إنشاء نظام ديمقراطي؟ ان سفك الدم المصري لا يصب في مصلحة السلطة ولا في مصلحة المعارضة وكذلك الأمر ينطبق على مهاجمة المنشآت العامة لأنها ملك الشعب كله.ان الأمر لا يبدو صراعا على السلطة بين النظام القائم والمعارضة وانما يعود لما يلي:-1 محاولة القوى المضادة لاخماد ثورة الشعب المصري التي قضت على آمالها في نهب ثروات الشعب المصري وتوجيه سياساته لما يتعارض مع طموحاته.2- تدخل أجنبي لا يرغب في استقرار مصر وعودتها لأخذ دورها القيادي في العالم العربي وفي افريقيا والعالم الثالث.3- استغلال قوى أجنبية للتخبط الديمقراطي في مصر من اجل إعادة هيمنتها التي فقدتها.تعمل قوى الثورة المضادة من اجل إفشال الثورة المصرية المجيدة التي انطلقت في 25 يناير 2011 لوضع نهاية لعصر الديكتاتورية وإرساء الاسس لبناء نظام عصري ديمقراطي ينعم به المواطن المصري بالحرية والكرامة والأمن والعيش الكريم.لقد تم اسقاط رأس الديكتاتورية وبدأ عصر البناء. لكن مؤسسات الدولة لا تزال تكتظ بالمسؤولين الذين لم تدخل مفاهيم الثورة الى عقولهم، ولايزالون يعملون حسب المفاهيم التي زرعت في عقولهم زمن الديكتاتوريات. أي ان يسعى كل منهم الى الأهتمام بنفسه وبعائلته الصغيرة وان يبتعد عن متطلبات الشعب والعمل الجماعي. تغيير هذه المفاهيم الضارة لتكوين نظام ديمقراطي لا يتم بين عشية وضحاها. كما لا بد أن يكون هناك شعور بضرورة التكاتف والتعاضد من أجل المصلحة العامة. يبدأ الشعور بهذا الاحساس عند قيام مشاريع تعود بالخير والمنفعة على افراد الشعب كافة وتلبي احتياجاتهم الضرورية اليومية. إن الأخطاء التي تراكمت في العقود السابقة لا يمكن ان تحل بالسرعة التي يرغب الناس بها مهما كانت مؤهلات ونشاط وإخلاص القائمين على معالجتها. ولو سلمنا جدلا بقيام المعارضة الحالية باستلام السلطة الآن فانها حتما لن تكون قادرة ولا بأي حال من الأحوال على حل جميع المشاكل المستعصية في مصر بالسرعة المطلوبة شعبيا. إذ انها كغيرها من القوى السياسية لا تملك عصا سحرية للقيام بذلك. هذه المشاكل تحتاج الى وقت طويل لحلها. دعونا نأخذ ألمانيا على سبيل المثال. في عام 1989هبت رياح الديمقراطية على دول اوروبا الشرقية. سقط جدار برلين بعد قيام ثورة بيضاء، بدون إراقة دماء، في المانيا الشرقية وتوحدت المانيا بشطريها الشرقي والغربي في عام 1990. يجب ان لاننسى هنا ان المانيا الغربية كانت تعتبر أقوى دولة في اوروبا الغربية من الناحية الاقتصادية، بينما كانت تعتبر المانيا الشرقية أقوى دولة في المعسكر الاشتراكي في اوروبا الشرقية. أي ان الوحدة تمت بين دولتين قويتين، وما دام الأمر كذلك فإنه يصبح من المفروض ان تحل المشاكل بين الجزئين الشرقي والغربي في اطار الدولة الواحدة بيسر وسهولة، كما انه من المفروض ايضا ان لا يستغرق ذلك وقتا طويلا. لكن الأمر لم يكن كما كان يتوقعه المواطن الالماني. بدأت ألمانيا بالتركيز على حل المشاكل الكبيرة التي خلفها النظام السابق الذي أقصي عن الحكم في شرق ألمانيا بالمظاهرات والاحتجاجات الشعبية. أخذت ألمانيا تضخ سنويا المليارات من عملتها (المارك حتى سنة 2000 ثم العملة الاوروبية الموحدة اليورو) من اجل الاصلاحات الضرورية في شرق المانيا وخصوصا ما يتعلق بالبنية التحتية من بناء واصلاح شوارع وأنظمة الصرف الصحي وغير ذلك، وقد نجحت في ذلك الى حد بعيد ولكن المشاكل لم تنته بعد حتى أيامنا هذه. عاش الالماني الشرقي في ظل نظام اشتراكي بينما ترعرع الالماني الغربي في كنف نظام رأسمالي ديمقراطي. إذن وصول الالماني الغربي والشرقي الى قواسم مشتركة وفهم موحد لمعاني الديمقراطية لن يتم بين ليلة وضحاها، وانما يحتاج الى فترة جيل بحاله ان لم يكن اثنين. لقد أوردت المشاكل الالمانية لأبين ان المشاكل الصعبة في اية دولة في العالم مهما كانت متحضرة ومتطورة بحاجة الى وقت طويل لحلها. فما بالك في حل مشاكل دول العالم الثالث التي تحبو ديمقراطيا وتغرق في بحر الفقر والأمية؟. إذن لا بد من الصبر وتعلم العمل الجماعي من اجل مصلحة الوطن. كما لا بد أن تقر القوى السياسية التي لم يحالفها الحظ بالانتخابات السابقة بهزيمتها في المعركة الانتخابية. وهذا لايعني نهاية المطاف، إذ هناك جولات أخرى لا بد ان تستعد لها بالعمل الدؤوب لكسب أصوات الناخبين واتخاذ المواقف التي تقربها من الشعب بدلا من ان تبعدها عنه.ان استغلال بعض القوى السياسية لأخطاء السلطة التنفيذية في اشعال نار الفتنة بين ابناء الشعب الواحد من أجل مصالح حزبية او فئوية ضيقة هو عمل في غاية الخطورة وينم عن جهل فاضح في ابجديات العمل الديمقراطي. إذ لا يعقل ان يستجيب الشعب لمن يجلب له الفتن. وستحرق هذه القوى انفسها بعد ان يخرجها الشعب من قاموسه السياسي.لا شك بان هناك قوى أجنبية لا يسعدها أمن مصر واستقرارها وأخذ دورها الرائد عربيا واقليــــميا ودولــيا. لذا فهي تسعى جاهدة لزعزعة هذا الأمن ونسف الاستقرار حتى لا يتمكن الشعب المصري من توجيه كل قواه في معركة البناء السياسي والاقتصادي. أخشى أن تكون بعض قوى المعارضة المصرية قد وقعت في الفخ الذي نصبته لها القوى المضادة للثورة فساهمت بدون قصد في انحراف الثورة عن أهدافها. أرجو أن تراجع قوى المعارضة أساليب معارضتها لتتدارك ما قامت به من أخطاء وتعود الى صفوف الشعب قبل فوات الأوان. كما أرجو أن تكثف السلطة الحاكمة من مشاركة جميع الأطياف السياسية في مؤسسات إتخاذ القرار وخصوصا الفئات الشبابية منها لأنهم الأقدر على فهم روح العصر. إذ لا يجوز أن تبقى القوى الشبابية مهمشة وهي التي حملت العبء الأكبر من ثورة مصر الحديثة. ليست مهمة المعارضة الأساسية إنتقاد السلطة التنفيذية وتوجيه اللوم لها من أجل كسب النقاط في المعركة السياسية وإنما شد أزرها والوقوف معها في حالة وجود خطر خارجي يسعى الى تدمير البلد وتفتيته وإفشال ثورته.ان الخطر القائم حاليا يهدد مصر وشعبها سواء من يؤيد السلطة او من يقف في صف المعارضة. لذا فمن الواجب توحد السلطة والمعارضة الشريفة في مقاومة الأخطار الخارجية وابعاد كل ما يسبب تفتت قوى الشعب المصري وتبديد قواه في مواجهة المشاكل الصعبة والمعيقة لتطور مصر ونهضتها. ما يبعث على الأمل في ايجاد حل سريع لحقن الدم المصري ما وقع في الأزهر الشريف بتاريــــخ 31.1.2013 وسمي بوثيقة الأزهر لنبذ العنف والتي وضعت اسس الحوار بين القوى السياسية المختلفة للخروج من الأزمة السياسية الحالية. كان جميلا رؤية القوى السياسية المختلفة ومشاركة شيخ الأزهر جنبا الى جنب مع ممثلي الكنائس بالاضافة الى القوى الشبابية المصرية التي أعدت الوثيقة وكانت المبادرة لطرح الحل للأزمة الحالية. هذه هي مصر الحقيقية التي يتعانق فيها الهلال مع الصليب وتحترم بها كافة الأديان وخصوصا السماوية منها، ويقف الجميع صفا واحدا لدرء الأخطار عنها كما كان الحال ايضا أيام ثورة 25 يناير المجيدة حيث وقف الشباب المسلمون والمسيحيون معا من أجل حماية المساجد والكنائس وجمـــيع المنشآت العامة. يشكل هذا الوجه الحضاري لمصر مصدر فخر للشعب المصري وللأمة العربية.لكن كيف نفسر استمرار مهاجمة المنشآت العامة بعد توقيع القوى السياسية وثيقة الأزهر إذا لم تكن هناك قوى تجمع جهلة وضعاف النفوس يرتبطون بأجندات خارجية؟.مقاومة هذه القوى وبحزم تقع على عاتق السلطة والمعارضة معا. ان من يتربعون على السلطة الآن ربما سيقفون في صف المعارضة في الفترة القادمة ومن يتبع لقوى المعارضة اليوم قد يستلم السلطة في فترة لاحقة إذا اتخذ اليوم المواقف المشرفة التي ترفع من شعبيته وتجعله أهلا للسلطة. لكن الشعب لن يرحمه إذا اتخذ الموقف الخاطئ.لقد شاركت في عام 2007 في مؤتمر حول عملية السلام في الشرق الأوسط عقد في مبنى البرلمان الألماني (البوندستاج) في برلين. وقد كان من بين المتحدثين في المؤتمر وزير الخارجية الالماني السابق والمخضرم هانز ديتريش جينشر. لقد تحدث جينشر عن المباحثات التي اجريت بين دول اوروبا الشرقية والغربية من أجل السلام والأمن في اوروبا، حيث ذكر بأنه من أجل ان ينجح الحوار كان لا بد ان يخسر جميع المتحاورين على الصعيد الشخصي. لأنه يجب على كل منهم ان يتنازل عن بعض مطالبه. وتساءل إذا خسر جميع المتحاورين فمن سيربح إذن؟ وأجاب بنفسه وقال ستربح جميع الشعوب التي يمثلها المؤتمرون.أليس الأجدر ان يتنازل المتحاورون من ابناء الشعب المصري الواحد عن بعض مطالبهم من أجل مصر وشعبها؟.’ أكاديمي فلسطيني مقيم في ألمانيا qmdqpt