من أرشيف الحرب والسلام في سيرة التاريخ الغربي الحديثہ (2 من 2)

حجم الخط
0

من أرشيف الحرب والسلام في سيرة التاريخ الغربي الحديثہ (2 من 2)

الروائي فورستر: أخاف علي العالم من أمريكا… عندما تلتقي القوة المادية مع العنجهية فإن الكارثة تحلعنان رجل محب للسلام ولكنه يخاف من الرجوع لقاموس وبستر الأمريكي لمعرفة معني الحرب والسلام!من أرشيف الحرب والسلام في سيرة التاريخ الغربي الحديثہ (2 من 2)د. محمد شاهينہہعندما نشاهد مسلسل الرعب اليومي في العراق ليس فقط في شهر نيسان (ابريل) الذي وصفه إليوت في مطلع قصيدته المشهورة الأرض اليباب علي أنه أقسي الشهور علي الإطلاق بل علي مدي أيام السنة، يتداعي إلي الذاكرة قول محمد حسنين هيكل أن العرب جميعاً لم يحاربوا بمن فيهم عرب أرض الكنانة. ولم يقصد هيكل أن يجرح شعور العرب ولا أن ينتقص من الفروسية العربية، ولكنه فيما أظن كان يومئ علي نحو غير مباشر إلي أن الغرب مقارنة هو خريج حروب دموية أبرزها حربان عالميتان راح ضحيتهما الملايين. كان محمد حسنين هيكل يقصد أن الحروب التي خاضها الغرب كانت حروباً إجرامية لا تزال ذكرياتها المؤلمة محفورة في أذهان الغربيين. وقد كُتبت عنها مئات الكتب وآلاف الأبحاث ولا يزال البحث فيها مستمراً لما ينقطع. وعندما وقفت فرنسا وألمانيا ضد شن الحرب علي العراق كان الدافع الحقيقي وراء ذلك هو الذاكرة التاريخية التي تثير في نفوس الأوروبيين من أمثال هؤلاء شجون الدمار الشامل الذي يحيق بالناس من جراء حوادث الحرب. والمفارقة الكبري هنا أن أمريكا التي سوقت مقولة وجود أسلحة دمار شامل في العراق (والتي لم يثبت وجودها إلي اللحظة) تستخدم نفسها أسلحة دمار شامل من نوع أو آخر ويكشف هذا الموقف عما يشبه الانفصام في الشخصية الذي تحدّث عنه لانغ ، إذ قالت أمريكا بداية للشعب العراقي إنها تريد أن تنقذه من طاغية لكنها تجعله ينسي أنها تستبدل طاغية بطغيان لا يبقي ولا يذر: بالقتل والفتك والدمار الذي ستظل آثاره ماثلة في سماء العراق وأرضه والتي ستمتد معاناة الشعب العراقي من جرائه علي مدي عقود تلي. ماذا حل بالسيد بلير؟ماذا إذن حل بالسيد توني بلير الذي كان حديثه في الفندق وخطابه علي مقربة من الفندق يستدعي التقدير والاحترام؟ هل السياسة تفسد إلي هذا الحد؟ لقد كانت آخر كلمات سمعناها من بوش الأب عبر المذياع وهو يلملم أشلاء هزيمته في الانتخابات هي أن السياسة قــــــذرة، وكرر ذلك أكثر من مرة وكأنه آخر ما توصــــل إليه من تجربته الطويلة في خضم الحياة. فهل التقط بوش الابن هذه العبارة وتوكل علي الله؟ وهل تتحول حقوق الفرد، علي حد قول توم بولين، بقدرة قادر إلي واجب أمة؟ أم أنها الازدواجية المعهودة في السياسة الغربية؟وبعد، ما الذي نقرأه في حرب العراق من خلال هذه السياسة؟ ثمة قراءات عديدة تتعدي الحصر. منها أن هذه الحرب تختلف عن سابقاتها من الحروب العظيمة أمثال الحربين العالميتين، ولست أعني أنها حرب فريدة بالمعني الذي قصد إليه باول مثلاً بل انها حرب فريدة ومتميزة حقا. فعلي سبيل المثال، هذه هي المرة الأولي التي نجد فيها المؤسسة السياسية العليا في أوروبا تنشق عن رومانسية الحروب أو كوابيسها وتنضم إلي المؤسسة الفكرية أو الأدبية المثالية والعقلانية. وفي اعتقادي أنه لا يوجد تفسير لانشقاق شيراك وشريكيه الألماني والروسي إلا الوحدة بين السياسة والفكر التنويري. لقد انضم شيراك وشريكاه في موقفهم التاريخي إلي موقف كينز وإليوت وغيرهم من الشرفاء الذين سآتي علي ذكرهم بعد قليل. ولا أعتقد أن شيراك وشريكيه كانت لهم أية مصلحة شخصية أو حتي قومية في موقفهم من أمريكا كما يحاول الذميون وأصحاب المصالح والتنظير المغرض أن يوهمونا من أن فرنسا مثلاً تحرص علي أن يكون لها نصيب من الكعكة. إن مثل هذا الخطاب ينطوي علي مغالطة سيكشف عنها التاريخ لاحقا. وأبسط ما يقال في هذا المقام أن المصلحة الاقتصادية البحتة للدول الثلاث تقتضي أن تصطف هذه الدول إلي جانب أمريكا. لكن الصدفة التاريخية أو الخروج عن التاريخ أو منـــــه (بالمعني الإيجابي حتما) هي التي كونت رأيا مستقلا مغايراً للتاريخ الاستعماري، وجعلت السيـــــاسي ينظر إلي القضية الكبري بمنظار المفكر الحر المستقل لا بمنظار ميكافيللي اعتاد السياسيون النظر من خلاله. ويعد ما قاله المستشار الألماني شرويدر تحولاً جديداً في ميدان السياسة إذ أن شرويدر السياسي قد أدخل علي السياسة تحسيناً فكرياً كان مرفوضاً في عرف السياسة التقليدية من قبل، وأنه أراد للسياسة العالمية أن تحيا بشرف لا بمصلحة حتي تكون البذرة الصالحة للمصالحة الحقيقية التي تسمو علي السياسة القذرة التي خلص إليها بوش الأب وتنقيتها من الشوائب بالفكر الموضوعي. وعندما زار شيراك الجزائر بعد إعلانه عن موقفه كان يريد أن يوضح للعالم عزمه علي الانشقاق عن الماضي الاستعماري البغيض وسياساته، وأن علينا جميعاً في هذا العالم وفي تاريخنا الراهن أن نغير باتجاه الأفضل. ويذكرني موقف الشركاء والشرفاء الثلاثة بموقف رابين الذي أراد مخلصاً أو مكفراً عن ماضيه وماضي رفاقه أن يخرج مثهلم من التاريخ البغيض أو عنه عندما قال عبر المذياع بمناسبة توقيعه علي معاهدة السلام في وادي عربة: الآن يستطيع امرؤ مثلي أن ينام قرير العين بـــــعدما كان ينام علي أزيز الطلقات التي كان يطلقها علي الأبرياء، تلك التي تؤرق النوم وتجعل صاحبها ينام علي جريمة . لست أدري لماذا شعرت وربما غيري أيضاً بعدها مباشرة أن أجله المحتوم قد تحدد بتلك العبارة، لأن ثمة غيره يريد أن ينام قرير العين علي صدي تلك الطلقات منطلقا من إيمانه بأن وجوده مرتبط بتلك الطلقات لا بحبسها. وكان جزاء رابين لقاء محاولته تغيير مجري التاريخ رصاصة جعلته ينام عن الموضوع نومة أبدية.لقد انقسم العالم حيال غزو العراق إلي قسمين رئيسين: أولهما شيراك وشريكاه، وهم في واقع الحال يمثلون أغلبية العالم إذا كانت الإحصائية تشمل الشعوب لا الأنظمة، وقد بات هذا واضحاً من المظاهرات التي عمت أرجاء المعمورة بما في ذلك أمريكا وبريطانيا وأستراليا وإسبانيا، أي شعوب ذلك الرباعي التي انضمت في هتافها إلي هتاف شعوب العالم. والقسم الآخر هو بقية العالم علي وجه التقريب (وأنا هنا أقصد الأنظمة)، تلك التي آثرت أن تنضم إلي ركب الإعصار الأمريكي البريطاني، أو كما يقولون آثرت أن تنضم إلي الحفلة Join the Party أو كما يقول المثل الأمريكي: إذا كنت غير قادر علي الوقوف في وجههم فمن الأفضل أن تنضم إليهم If you can not beat them join them، من هؤلاء من انضم خوفاً ومنهم من انضم وهناً وآخرون انضموا تبعية إلي آخر ذلك من التصنيفات التي لا يمكن أن نحصرها هنا وها هم يتراجعون هذه الأيام.باختصار، يمكن القول أن الحلال بيّن والحرام بيّن. فقد انضم شيراك وشريكاه إلي ركب الثقافة التي صاغها المئات من صفوة مفكري العالم في أوروبا وأمريكا في عشرات الألوف من المؤلفات والأبحاث التي حاولت جاهدة طي صفحة الإمبريالية في صالح ما بعد الإمبريالية، وهذا ما حاول شيراك أن يفعله في زيارته إلي الجزائر علاوة علي موقفه. ما بعد الكولنياليةأين نقف الآن من آلاف المؤلفات والأبحاث التي ملأت مكتبات العالم والتي هي عصارة أفكار الصفوة من الأوروبيين والأمريكان الذين نادوا بتاريخ جديد أسموه ما بعد الكولنيالية وما بعد الحداثة، وقالوا فيها أن الاستعمار ما هو إلا سجل انطوت صفحته ولا ينبغي الترحم عليه بل أن يتم تجاوزه إلي مرحلة جديدة؟ قال مكميلان، رئيس وزراء بريطاني سابق: لقد تغير اتجاه الرياح التي تهب علينا . وليت بلير قد تعلم شيئا من ذلك الزميل أو علي الأقل من زميله ولسون الذي قال ما قال في الاستعمار وهو الذي هب بلير نفسه لإحياء ذكراه في تلك المدينة مسقط رأسه. لكن، يبدو أن السياسة بالنسبة لرئيس الوزارء البريطاني لا دين لها. ونخلص إلي أنه لا يسع المرء أن يشعر وهو يري جنود الأمريكان والبريطانيين ينتهكون حرمة العراق وكأنما هم يلقون بآلاف الكتب التي كتبها الصفوة من أمثال نعوم تشومسكي وإدوارد سعيد وروبرت يونغ وطارق علي وهومي بابا إضافة إلي إليوت وباوند وكينز والكثيرين غيرهم في مياه دجلة حتي تتحول مياهه إلي لون الحبر الذي كتبت به تماماً كما ألقي التتار بتلك النفائس في ذات النهر. وعلي كل حال، فإن التاريخ لن ينسي شيراك وشريكيه الذين دخلوا التاريخ من أوسع أبوابه والذين سينصفهم التاريخ يوماً ما عندما تخبو جذوة الهيمنة الأمريكية. أما المعسكر الأول فإن معالمه ستندثر لأن دوافعه لم تتجاوز السير في ركاب الهيمنة دون امتلاك الشجاعة التي تقول للأعور أعور في عينه. كما يقول المثل الشائع. والتاريخ سيكون خير محاسب حتي لو كان أمر الحساب يتطلب وقتاً حتي تشهر فاتورة الحساب، إذ ليس من الضروري أن تقدم هذه الفاتورة في حينها، تاريخياً علي الأقل. لقد تناقلت وكالات الأنباء صباح ذات يوم غضب أمريكا من كوفي عنان لأنه أشار إلي وجود الجنود الأمريكيين في العراق بوصفها محتلة ، رغم أنه في حديثه في جنيف في اجتماع لجنة حقوق الإنسان لم يشر إلي العراق إلا في دقيقة وربع الدقيقة وأنه التزم الصمت فيما يخص القضية الفلسطينية. ومن المعروف أن عنان شخصية تميل إلي التصالح وأنه لا يعرف الدموية وأنه يخشي أمريكا وجبروتها. لكن هنالك قاموساً لا يعطي عنان نفسه الجرأة علي تخطيه وهو قاموس وبستر الأمريكي وأكسفورد الإنجليزي اللذان يعرفان الاحتلال والسلام وما إلي آخر ذلك، ولا يمتلك عنان لا جبروت أمريكا ولا غطرستها حتي يسمي الأشياء باسمائها كما ينبغي. والأسئلة التي تبرز هنا: هل نقذف بآلاف القواميس إلي نهر دجلة ونبدأ قاموساً جديداً ربما يحرره جي جاردنر أو رامسفيلد بالتعاون مع بوش وبلير ؟ وهل هناك ما يوازي هذا الارتباك الثقافي والحضاري الذي نعايشه؟ من أين نبدأ وأين ننتهي وسط كل هذه الفوضي؟هذه الفوضي متي تنتهي؟إن هذه الفوضي التي تنسرب بين الحين والآخر إلي أمن الشعوب واستقرارها تفضي إلي أن يدلي الصفوة من أصحاب الفكر النير بدلوهم أملاً في التصدي للحرب وتجارها ومنعا للتمادي في تكرار ما سبق من بشاعات في تاريخ البشرية، فتقدم هذه الصفوة عصارة فكرها وأدبها وتأملاتها للتذكير إن نفعت الذكري. وغالبا ما تكون هذه الصفوة من غير الساسة، وهذا ما جعل موقف شيراك وشريكيه مستهجناً لأنهم وعلي غير عادة الساسة انحازوا إلي ركب الصفوة كبادرة يمكن أن تكون نواة لخير مستقبل البشرية. وعلاوة علي إليوت وكينز، هناك رموز بارزة من أدباء ومفكري العالم الأنجلو-سكسوني لا يسعنا إلا أن نذكرهم في هذا السياق وننحني لهم إجلالاً. فهذا هو كونراد الروائي البريطاني الكبير الذي قدم لنا صورة للاستعمار قبل ما يقرب من قرن من الزمان في روايته نوسترومو ويستشرف فيها المستقبل علي نحو لم يسبق له مثيل، إذ تنبأ كونراد في مطلع القرن العشرين بأن أمريكا ستكون صاحبة ذلك النظام العالمي الجديد الذي يعطيها السيادة كاملة علي المعمورة. ويقول هولرويد في الرواية، وهو شخصية رئيسة في الرواية يمثل رجل الأعمال الأمريكي المستثمر في أمريكا اللاتينية: سيكون لدينا (أمريكا) متسع من الوقت نستولي فيه علي جزر وقارات المعمورة. سندير شؤون العالم قاطبة سواء رضي العالم أو غضب، ولن يكون للعالم خيار في ذلك. وأعتقد أنه لن يكون لنا الخيار أيضا. (ص77)ولعل الجملة الأخيرة تلخص قصة الاستعمار الغربي من أولها إلي آخرها، إذ أن الغرب اعتقد اعتقاداً جازماً أن الاستعمار مهمة أو رسالة أو عبء (علي حد تعبير بوق الاستعمار كبلنج)، وضعه الله علي كاهل الرجل الأبيض. ويذكرنا هذا فيما يذكرنا بما ورد في مقالة عنوانها إعادة استعمار العراق كتبها طارق علي في نيو ليفت ريفيو قبل ما يقرب من عامين إذ يقول إن أحداث الحادي عشر من ايلول (سبتمبر) كانت هبة بعث بها الله من عنده لأمريكا حتي تعلق عليها برامجها الإمبريالية، وكيما تضفي عليها الشرعية المطلوبة (إن كانت فعلاً بحاجة إلي شرعية) حتي تمضي قدماً في مخططها للهيمنة علي العالم.ازرا باوندأما الكاتب الآخر الذي يحضرني لدي الحديث عن هذا الموضوع فإنه شاعر القرن العشرين إزرا باوند الذي تتلمذ إليوت وغيره علي يده. ومن المعروف أن باوند قد قضي زهرة شبابه وهو يدعو أمريكا، مسقط رأسه، إلي عدم الاشتراك في الحرب العالمية الثانية وقد طالب أكثر من مرة مقابلة روزفلت ليقنعه بأن تبقي أمريكا حيادية في الحرب الثانية من خلال أحاديثه في إذاعة روما علي مدي سنوات خلال الحرب والتي استمرت حتي ألقي القبض عليه في بيزا بتهمة الخيانة العظمي، وأمضي ما يقرب من ثلاثة عشر عاما في مصحة سينت إليزابيث وفي واشنطن وهو يحاكم بتلك التهمة. والقصة معروفة وطويلة، لكنه بقي يردد طيلة حياته أن سياسة أمريكا تقع في قبضة أصحاب رؤوس الأموال والبنوك المتنفذين الذين يسيطرون علي سياسة أمريكا، والخارجية منها علي الأقل. وقد تمني باوند علي أمريكا أن تتوقف عن تنصيب نفسها شرطيا علي العالم . وفي عبارة موجزة سجلها عام 1927، قال: ان جذور الرعب في الحياة الأمريكية تنبع من الميل نحو العبث في شؤون الآخرين تاركة الفوضي تعم داخل البيت الأمريكي نفسه. فهي تريد نظاماً وفكراً ينتظم حياة الآخرين في الوقت الذي تفتقر فيه إلي النظام (Order) والفكر (Thought) في حياتها. ويذكر أمريكا بمبدأ كونفوشيوس في الشر قائلاً: يكمن مبدأ الشر في العبث بشؤون الآخرين .كلينث بروكس أما الكاتب المرموق الآخر، وهو أيضاً شاهد من أهل أمريكا فهو الناقد المعروف الذي يعرف بمؤسس النقد الجديد في العالم الأنجلو سكسوني كلينث بروكس . وكانت الصدفة قد جمعتني به صيف عام 1983 عندما كنت في زيارة بحثية إلي جامعة بيل في نيوهيفن. وفي محطة الباصات القريبة من الجامعة جلس رجل عجوز ابيض شعره تماماً علي رصيف المحطة عاكفا علي قراءة كتاب بجد واهتمام منتظرا قدوم الباص. سألته وفي خلدي أنه رحل عن الدنيا: هل أنت فلان؟ فأجاب بصوت فيه رقة الإنسان والإنسانية: نعم. وأردف مستفسرا عن هويتي. وبعد أن علم ماهيتي أجاب علي الفور: رغم أننا (أمريكا) قد وصلنا مشهد المأساة الفلسطينية متأخرين (ويقصد بذلك بعد بريطانيا)، إلا أننا أحدثنا الكثير من العبث. وما زالت كلمات بروكس تتردد في أذني: We made a lot of me . ومن الطريف أنه استخدم نفس تعبير باوند (me). ومن ذلك الموقف نشأت بيننا صداقة امتدت إلي أن رحل عن الدنيا بعد سنوات عدة، كنت خلالها سعيداً بأن أتمكن من دعوته إلي الجامعة الأردنية ليحاضر في طلبة قسم اللغة الإنكليزية وآدابها لمدة أسبوعين، وكان في الثمانين من عمره. وكم كنت أسعد في ذلك الصيف عندما كنت ألقاه يتمشي وئيد الخطي في ذلك الشارع المشهور الواصل بين بيته ومكتبة الجامعة، فألحق به مبتهجاً بمرافقته إلي ذات المكان. وقد ذكر لي مرة ونحن نتمشي علي طول شارع بروسبكت أن المنطقة التي كنا نتمشي فيها تبعث في نفسه ذكريات مؤلمة لأنها كانت في يوم ما المكان الذي يصنع الأسلحة التي استخدمت لمحاربة أهله في الجنوب، جنوب أمريكا. وكان بروكس جنوبيا يعتز بجنوبيته، ويداوم علي القول بلهجة محزونة: كم من الضحايا من أهل الجنوب غدرت بهم أسلحة نيوهيفن. وسألته كيف توقفت الحرب الأهلية في أمريكا، هذا الحدث البارز في تاريخها؟ فأجاب: ربما أن منتج السلام في أمريكا قد فكر مليا في أمره، (وهنا أطلق كلينث ضحكته الظريفة التي يتحدث عنها زملاؤه ومريدوه) قبل أن يتابع الحديث قائلاً: الذي يصنع السلاح لا يتوقف عن التفكير في سوق سلاحه. ربما أدرك ذلك الشرير أن جنوب أمريكا لا يمكن أن يكون سوقاً مثالياً للسلاح لأنه سوق محلي محدود في استهلاكه. لذلك فكر في نقل بضاعته إلي العالم في سوق يبدأ فيه الاستهلاك ولا ينتهي إلا بانتهاء البشرية. ولو سألتني عن أهم صادراتنا إلي العالم لقلت لك علي الفور: هي الشر الذي ينتجه المصنع الأمريكي للسلاح. وكان الأمريكي بعد الحرب الأهلية قد توصل إلي معادلة جديدة: فبدلاً من أن يكون الساحل الشرقي صاحب الامتياز في تصنيع السلاح وتصديره إلي الجنوب فلماذا لا تمتد رقعة هذا الامتياز إلي أمريكا بحيث تصبح كلها مصنعاً واحدا تصدر واشنطن منتجاته إلي العالم؟! ومن الجدير بالذكر أن المصنع المذكور قد أغلق أبوابه قبل أسابيع قليلة!وخلال زيارة بروكس إلي الأردن ومن قبيل المصادفة، علم بروكس أن سفير أمريكا في عمان آنذاك كان أحد طلبته في جامعة ييل. وقال بروكس لطالبه السفير إنه لو كان صاحب القرار في تعيين السفراء في بلدان مثل الأردن لحصر مهمة السفير في استصلاح الأراضي الجرداء التي تمتد من أقصي الجنوب إلي أقصي الشمال واستبدال بركة المصانع الحربية في أمريكا ببركة مصانع الآليات الزراعية. وقال مخاطبا السفير: لن يجدي وجودكم هنا كوسيلة لصد تقدم الشيوعية، فهذه مهمة لا تجدي نفعاً وهي في الأصل لا أساس لها. إن المنطقة هنا بحاجة إلي استخراج المياه الجوفية لإطفاء الظمأ وتخفيف آلام البشر والتربة التي تستجدي عطف السماء طوال شهور السنة .ومن هذه الشهادات شهادة الروائي ي. م. فورستر . فبعد احتفال كلية كنجر في جامعة كامبردج بعيد ميلاد فورستر التسعين، وكنت يومها من بين الحضور، وكان الحفل قد اقتصر حسب طلبه علي حفلة موسيقي كلاسيكية، سألت فورستر بعيد الاحتفال في لقاء به علي مائدة الإفطار في قاعة الطعام التي كان يؤمها صباح أيام الأحد. سألته أيخيفك الموت؟ وقد ضحك الزميلان مالكوم رايلي وريتشارد جريسون اللذان كانا يجلسان إلي نفس المائدة. فأجاب علي الفور بلغته المقتضبة المعهودة: تخيفني أمريكا . وعلقت علي الفور أن أمريكا هي الحليف الأبدي لبريطانيا، ولو حدث اعتداء علي كنجر أو كيمبردج لانبرت علي الفور الطائرات الأمريكية العملاقة المرابطة في منطقة البحيرات إلي الدفاع عنها. تجاهل فورستر تعليقي وأردف قائلا: أخاف علي العالم من أمريكا. عندما تلتقي القوة المادية مع العنجهية (Arrogance) فإن الكارثة تحل. إن عظمة أمريكا المادية وغرورها لا توقفان الشر عند حد. وعرج فورستر علي تورطها في فيتنام آنذاك وتفوقها في غزو الفضاء: لن يفضي هذا إلا إلي مزيد من غرور العظمة المادية التي سيدفع العالم فاتورتها .ومع كل هذا وذاك فما زالت أصوات الأحرار من المفكرين تنطلق بشجاعة وإصرار مخترقة حجب الهيمة (hegemony) آخرها ما نشرته الـ لندن ريفيو أوف بوكس في عددها الصادر بتاريخ 23 اذار (مارس) الماضي تحت عنوان اللوبي الإسرائيلي مقالة مطولة كتبها أستاذان أمريكيان احدهما في جامعة هارفارد والآخر في جامعة شيكاغو وقد أصبحت المقالة معروفة هذه الأيام لكثرة ما أثارت من احتجاج طرف واستحسان طرف آخر. وأنه لمن المؤسف حقا أن يدفع الكاتبان فاتورة موقفهما الشجاع، لما قوبلا به من عقاب من معهديهما. ولا بد أن نتذكر في هذا السياق كتاب فوكوياما الذي ظهر حديثا حاملاً معه رياح التغيير التي طرأت علي موقفه السابق منقلبا علي سياسة بوش في وجوده في العراق بعد أن كان من أكبر أنصاره في بداية الأمر، ولو كان إليوت ما زال علي قيد الحياة لخصص لهذا المؤرخ حيزاً في الأرض اليباب يضاهي حيز كليمنصو وربما أكثر.وبعد: فهل سينصت معسكر السلاح يوما إلي خطاب سفراء السلام؟ وهل سينقلب ذلك المعسكر في يوم من الأيام علي عسكريته التقليدية هاتفا أن قد آن الأوان لهذا الشر كي يترجل؟ هل سيكون شيراك وشرودر وبوتين من المؤسسين لهذا الانقلاب تمهيداً لتضييق الهوة أو ردمها بين العسكري والسياسي من جهة وبين المثقف والمفكر من جهة أخري؟ ومتي ستسود لغة العقل والفكر في مجتمع لا يعوزه وجود المفكرين والعقلاء؟! 7

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية