جدعون ليفيان الجيش الأكثر اخلاقية في العالم يقف مسلحا في مواجهة عشرين مهاجرا افريقيا بائسا محبوسين منذ اسبوع بين الأسلاك الشائكة على حدود اسرائيل الجنوبية، وقد صدر الى جنوده الأمر العسكري الشيطاني ان يُعطوا الماء لكن ‘بأقل قدر ممكن’. ولا يعطيهم الجيش الأكثر اخلاقية في العالم، جيش الديمقراطية الوحيدة في الشرق الاوسط، لا يعطيهم طعاما.منع جنود هذا الجيش ايضا في اليوم الاخير عددا من مجموعات النشطاء الاسرائيليين ومن الشباب ذوي التصميم عن تقديم طعام للمحبوسين. وقد حاولت مجموعة من اربعة اعضاء أول أمس ان تصل الى المكان تحت جنح الظلام مع طعام اشتروه بمالهم علب محفوظات لا تحتاج الى مفتاح وخبز طازج وخضراوات لا تفسد سريعا في الشمس. وحاولت ثلاث مجموعات مختلفة اخرى أمس ان تصل الى هناك ومعها حاجات مشابهة. وقد منعها الجنود كلها من الاقتراب. واعترف أحد الضباط بأن الجيش الاسرائيلي لا يعطي المحبوسين طعاما، لكنه لم يوافق على نقل الطعام الذي أحضره الشباب الى غايته.لا توجد مساعدة ولا إبلاغ ايضا بأمر من الجيش: فقد أغلق الجيش الأكثر اخلاقية في العالم قطعة الشارع 10 التي تفضي الى مكان الجريمة هذا وأعلن أنها منطقة عسكرية مغلقة لمنع هؤلاء الشباب الذين حاولوا انقاذ كرامة اسرائيل شيئا ما، من الوصول الى هذا المكان ولمنع الصحفيين من الابلاغ عما يحدث هناك. وقد كشفت صحيفة ‘هآرتس’ ومراسلتها غيلي كوهين عن هذا العار الذي يحدث منذ اسبوع باسمنا، باسمنا جميعا، على حدودنا الجنوبية.لا حاجة الى الدخول في النقاش القانوني برغم أنه يقضي بأن اسرائيل تنقض بذلك القانون الدولي والمواثيق التي وقعت عليها، كي نتفهم أبعاد الشر وقوة الاثم. ينبغي فقط أن نفكر في مصير هؤلاء المهاجرين المسجونين بلا رعاية وبلا طعام وبلا ظروف انسانية في الحد الأدنى مع أقل قدر من الماء، منذ اسبوع في الشمس الحارقة، بعد رحلة فظيعة في الفيافي وخطر على حياتهم يترصدهم في بلادهم وفي الارض التي انتقلوا منها، أعني مصر. كان يجب ان تثير هذه الصور زعزعة مميزة في دولة قامت على مهاجرين ولاجئين.ينبغي بعد ذلك ان نفكر ايضا في هؤلاء الجنود الشباب الذين أمرهم قادتهم ان يسلكوا هذا السلوك مع البشر. ان ألف جولة تراث في الخليل ومئة مسيرة حياة في اوشفيتس لا تساوي في ضررها الفساد الاخلاقي لهذه الخدمة العسكرية، فهم يقفون مسلحين في مواجهة لاجئين من السيف وإن لم يشأ بعضهم ذلك، لكنهم لم يرفضوا الامر العسكري وإن كانوا في أحاديثهم الخاصة قد أيدوا الفعل الايجابي. في المرة التالية التي سيرسل فيها الجيش الاسرائيلي مع تغطية اعلامية وتمدح بالنفس كبيرين، وفد تخليص الى مكان كارثة وراء البحر أو فيضانات أو زلزال يجدر ان نتذكر كيف يسلك ذلك الجيش في مكان هذه الكارثة الانسانية تحت أنفه وهي من فعل يديه.بعد ان اعتدنا على تصيد الناس في الشوارع؛ ووزير الداخلية ايلي يشاي الذي يهدد بأن يوقف بعد الأعياد عشرات الآلاف من المهاجرين سنين بلا محاكمة وبلا صلاحية قانونية كي يعجب المصوتين له فقط؛ وبعد ان اعتدنا تسمية هؤلاء المهاجرين ‘متسللين’ كما تُسميهم بصورة مسمومة كل وسائل الاعلام ما عدا ‘هآرتس’، جاءت صور العشرين اريتيريا المسجونين بين الأسلاك الشائكة مثل حيوانات صيدت، وكان يجب ان تقض مضجع كل اسرائيلي نزيه. لكن اسرائيل مشغولة بأمور اخرى فلا تضايقوها من فضلكم.هل ينبغي ان نُعاود التذكير بأساس القضية، هل هناك داع لذلك؟ لا يجوز لاسرائيل ان تطرد هؤلاء اللاجئين من غير ان تتبين مكانتهم، فهي نفسها موقعة على مواثيق تحظر فعل ذلك. ولا يجوز ايضا منع دخولهم حينما يهددهم خطر على حياتهم. ولا يجوز في الأساس أن يتبلد القلب بصورة قاسية أمام ضائقتهم يوجد بينهم امرأة واحدة أجهضت في الأسر بحسب التقارير الصحفية.اذا كانت لم تخرج أمس الى الجنوب قافلة احتجاج فيها آلاف الاسرائيليين ولم يرتفع صوت احتجاج عال على ما يحدث فليس الحديث عن مجتمع نموذجي وشعب مختار منتقى بل الحديث عن مجتمع متبلد سافل بصورة مخيفة.هآرتس 6/9/2012