يصيب البخلاء ويخنق المنازل ويملؤها بالتعفن
نواكشوط-“القدس العربي”: ليس هذا مرض العصر فقط بل من أمراض الإنسان الملازمة له، بل يعتبره البعض مرضا نفسيا: إنه مرض تراكم الأغراض والحوائج التي اقتناها الإنسان فترة ما أو أهديت له فتقادمت وتكدست وتراكمت داخل منزله وفي دواليبه، بل وفي الحقائب الخاصة التي يضيق عنها المنزل، فتجمع في المرآب أحيانا وحتى في الشرفات.
لكل منا أغراضه المتراكمة في بيته، ولكل منا قشته المتقادمة التي لا تسمح له نفسه برميها في القمامة ولا بالتكرم بها.
ويحتفظ بعض المسنين بالأغراض المرتبطة بذكريات حدثت في الماضي، جميلة أو سيئة، وهم لا يريدون التخلص منها، لأنهم يظنون أنهم يمكن أن يحتاجوا إليها يوماً ما، ونرى هؤلاء يحتفظون بأشياء غريبة من أجهزة كهربائية قديمة، أو متعطلة، وحتى قطع السيارات القديمة والأثاث والملابس، أو الأقلام الفارغة، والولاعات، والأدوات الرياضية التي لم تعد تصلح للاستهلاك.
وعادةً ما يتخلى الإنسان عن مقتنياته بعد استهلاكه لها، فيحيلها إلى التقاعد لتُصبح في عِداد المتحف المنزلي، فيقوم بإبعادها عن نظره، ولكن من دون أن يقطع الصلة بها، خوفاً من فقدانها إلى الأبد، عملا بالمثل القائل “من لا قديم له، لا جديد له”.
وفي الحياة البدوية في الساحل الصحراوي الأفريقي يسمون الأغراض المتهالكة بـ “القشة” وبعضهم يسميها “الرومدة” لكنها في الشقق الحضرية أجزاء من ديكور المنزل ومقتنيات وتجميعات رب المنزل.
ومن العادات الجالبة للبركة حسب اعتقاد المجتمعات الصحراوية قيام ربة البيت أول يوم من السنة القمرية ويسمى “يوم حل الصرة” بتفتيش عام للمقتنيات والأغراض المتراكمة داخل الخيمة، للتخلص من المتعفن منها والتصدق ببعض ما فيها والانتفاع بما كان منسيا منها.
وغالبا ما ترك الصحراويون الرحل في مواقع إقاماتهم اللامتناهية، أمتعتهم الزائدة معلقة على الأشجار بعد أن ضاقت بها الخيم.
وأحصى المختصون في متابعة هذا السلوك أسبابا كثيرة لظاهرة تراكم الأغراض بينها الرغبة في الاستفادة من تخفيضات الأسواق التي تجعل الميسورات يشترين ما لسن محتاجات إليه فتتكدس في البيت، ومنها الأحذية والحقائب القديمة، والملابس ذات المقاسات غير المناسبة والتصاميم القديمة، والجوارب التي فقدت فردة منها، ومنها الصيدلية المنزلية الملأى بالأدوية والمراهم وأدوات النظافة القديمة، والمعاطف والحلي التي تحمل رسوما ودعايات.
تقول عائشة محمد (خمسينية) أنها “مصابة بمتلازمة الأغراض المكدسة منذ صغرها، وكلما أرادت التخلص من هذه الأغراض وقررت ألا تعود لتجميعها، غلبتها نفسها وطبعها فعادت لتملأ منزلها بالأغراض من جديد”.
ويصاب مرضى الكراكيب بنوبات ندم بعد مواجهتهم لمصاعب مالية بسبب إنفاقهم لأموال كبيرة لاقتناء أشياء لا يحتاجونها.
وينصح المتخصصون بعدم اقتناء البطاقات المصرفية لأنها تسهل الصرف، وكذا بعدم أخذ مبالغ مالية كبيرة في المحفظات الشخصية لأنها ستتلاشى عند أول بقالة يدخلها المصاب.
ومن المهم في هذا الباب إعداد قائمة بالمشتريات الضرورية قبل الخروج في البيت والالتزام بها عند التسوق والتبضع.
كما ينصح المختصون المصابين بالتخلص من كراكيبهم عبر غربلة للأغراض التي لا شك في ضرورتها، فإن كانت قابلة للاستعمال فذاك وإلا يعرضها الشخص للبيع عبر طرقه الكثيرة في عالم اليوم.
والحقيقة أن ظاهرة تراكم الأشياء داخل المنزل ناجمة عن وجود الإنسان وحياته المتنازعة بين ذكريات الماضي وخوف المستقبل؛ وبهذا يضيع حاضر الإنسان الذي يعيش في فوضى عارمة بسبب تفوق مدخلات البيت على مخرجاته.