من أولي الشعر الي اولي الزّجر!
خيري منصورمن أولي الشعر الي اولي الزّجر!ما أثير مؤخرا او عبر اكثر من منبر ثقافي حول ملتقي الشعر في صنعاء، يضيف عدة نقاط علي حروف اراد لها البعض ان تبقي صمّاء ومبهمة، فمن الواضح ان تضاريس الخريطة الشعرية العربية الان اختلطت بها خطوط الطول بخطوط العرض، ووجد خط الاستواء من يدفع به الي الحافة، وما كان مسكوتا عنه اصبح الان علي الحلبة، وتحت إضاءة توشك ان تكون حارقة ! والسؤال ببساطة ودونما مواربة طالما لاذ بها خالطو الاوراق هو من يدعو مَنْ للملتقيات الشعرية العربية في مختلف العواصم ؟ وأية معايير يحتكم اليها القضاة الذين صعدوا الي المنصات بلا تأهيل من أي نوع ! اللهم الا اذا كانت الوظيفة مؤهلا ابداعيا نجهل قيمته ! ان أول ما نلاحظه في هذا السيرك المشرع الأبواب هو آخر ارتباط بين الشاعر والشعر، بحيث لم تعد النصوص هي المتداولة مهرجانيا ونقديا … بل أسماء الشعراء بمعزل عن اي انجاز يعتدّ به! لهذا ما لإقصاء قدر هؤلاء الذين لا يجيدون مهنة التدليك وعقد المضايقات، والمستفيدون من إدامة الصّمت والتواطؤ علي هذه الظاهرة هم الأقل اكتراثا بالشّعر، والاكثر استخفافا بالثقافة كلّها !لأنهم يدركون أن الاحتكام الي معيار حتي لو كان تقريبيا يحذفهم بجرّة أصبع وليس بجرّة قلم فقط ! والوصفة النموذجية المقترحة الآن علي سلالة شعراء بلا نصوص هي الاهتداء عبر مختلف الطرق الي أصحاب التواقيع باللون الأخضر، حتي لو كان لون النحاس المتآكل والفطر وليس لون العشب !وكنا قد أثرنا سؤالا مشابها قبل بضعة شهور في القدس العربي حول ظاهرة المقايضات المهرجانية والتزلّف النقدي وتغييب الضمير الثقافي، لكن من هزّوا رؤوسهم موافقين لم يكلفوا أنفسهم بإضافة سطر واحد الي تلك الشهادة التي جازفت بأن تكون استشهادية قدر تعلّقها بالدعوات الكرنفالية لحضور حفلات تنكرية شعرية في هذه العاصمة الفقيرة او تلك !ان ما يدفعني مجددا الي اعادة الطرق علي هذه البوابة التي تتدلي عليها أقفال مغطاة بالصدأ هو تجارب شخصية، عشتها في عواصم أضافت الشعر الي اكسسوارات الاعلام وواجهاته، ففي اثنتين منها علي الأقل شاركت سيارات الشرطة في مواكب الشعراء وهي تخترق الأزقّة الفقيرة، المليئة بأكاسيد الفقر والتخلف، وكأن الشرطة تحمي الشعراء من قرائهم او من كانوا مرشحين لهذه المهمة !وقبل أن يأخذنا الاستطراد بعيدا بغواياته المعروفة، لنعد الي السؤال الأول.. وهو من يدعو من ؟ هل هناك لجان نقدية معنية برصد المشهد الشعري ام أن الامر منوط بمواعظ المحترفين ؟الأرجح ان مثل تلك اللجان لا توجد الا في خيال شاعر بريء مبتديء، أسلم أمره لأولي الزّجر الذين اوهمهم سادتهم بأنهم من اولي الأمر وأولي الشّعر معا !فهناك شعراء كرّستهم المهرجانات، ومهرهم النقد الصحافي السطحي والمُداحي بعلامات فارقة، ينتدبون أنفسهم او يجدون من ينتدبهم أوصياء علي الشعر القاصر، فيضيفون ويحذفون، وكأنهم يملكون القلم والممحاة معا، ولا ندري من أين استلهموا هذه العصمة والحصافة ؟هؤلاء حريصون علي استبعاد كل ما يجرح صدقيتهم الثقافية والابداعية، ويستبدلون قاعدة المفاضلة بقاعدة مضادة هي المراذلة بحيث يقل الأقل سوءا مكان الأفضل ومنهم من يحلم بأن يكون جلفر الشعر في بلاد الاقزام !لقد علّق بعض الشعراء الاجراس لكن الطرشان لم يسمعوا، ولعلّ ما قرأته مؤخرا للصديق الشاعر محمود القرني في أخبار الأدب القاهرية مثال لمثل هذه المجازفة، فقد دخل من الباب هذه المرة ولم يتلصص من النافذة علي ما يجري في القاعات المظلمة غير عابيء بمن يدعوه او لا يدعوه في أية حفلة تنكرية قادمة. لقد آن لهذا التحالف غير المقدّس بل المدنّس بشهوات الثأرية والتبادلية السّرخسية ان ينفضّ، لأنه علي حساب جملة حقائق، وعلي حساب مواهب مهملة، لأنها لا تجيد التزلّف ولا تعرف من أين تقضم الاكتاف حتي لو كانت أكتاف أطفال حفاة وقد نتأت عظامهم من فرط الهُزال !ہہہقال لي شاعر شاب، وموهوب يعيش في أقسي العزلة، ان من يطرحون هذا السؤال المحرّم حول كوميديا المهرجانات يجب أن يكونوا ممن يعانون من فائض الدّعوات، كي لا يقال بأن من يشكو انما يبحث عن عظمة من بقايا الذبيحة، وقد يكون ما قاله قد حفّزني مجددا لطرح السّؤال .. .. من يدعو من ؟ ولأنني لا اشكو من شحّة في الدعوات التي اصبحت أعفّ عن معظمها خصوصا المتعلق بالشعر وحفلاته التنكرية، فقد وجدت نفسي مدفوعا بقوة، وبوازع أخلاقي للصراخ بأعلي صوتي بأن هذه الامبراطور ليس عاريا من الثياب فقط، بل هو هيكل عظميّ ….فمن يثرثرون صباح مساء وعبر الفضائيات والارضيات عن الفساد السياسي وربيبه الفساد الاقتصادي، لا يلامسون قارة تعجّ بالعطن اسمها الفساد الثقافي، وذلك لسببين علي الاقل.. أولهما ان هذا الفساد غير مرئي بالعين المجرّدة وغير مرصود بالارقام، وثانيهما أن الفساد الثقافي ترعرع في حاضنة الاعلام الفاسد، واندغم في مؤسساته واسطبلاته، فلم يعد مفروزا بوضوح !هذا اضافة الي جهل المشتغلين في السياسة وشجونها بالحياة الثقافية العربية، لأنهم استخفّوا منذ البدء بالثقافة وقيمها والمهمشين الذين يؤذنون في الجرار.أعرف أننا ننفخ احيانا في قربة مثقبة كالغربال، وأن معظم الصّرخات تذهب سدي، وسط هذا الضجيج المبهم الذي لا يتعرف فيه المرء علي الصهيل من المواء او النّباح !فالفوضي تدبّ في فلول من المهزومين الذين رفعوا شعار: أُنجُ سعد فقد هَلَك سعيد، وكما يحدث لقطيع هاجمه فهد أو أسد، تصبح النجاة بالجلد او بما تبقي منه هي رهان الفرد الذي لا حول له ولا قوة !وتلك سايكولوجيا لم يخترعها راصدو التحولات الكبري والنزوحات الجماعية لدي الشعوب لأنها استقراء ميداني لما يجري !ہہہان من حق اطفال الحارة أن يلفّقوا كرة قدم من جوارب آبائهم وخرق امهاتهم البالية ويلعبوا تحت النافذة، وقد يكون من حقهم استعارة اسماء اللاعبين المحترفين التي يلتقطونها من التلفزيون لمجرّد اللهو، لكن من حق آبائهم أن يهزوهم ويوقظوهم من الوهم اذا استبدّ بهم اللهو وصدقوا ان كرتهم هي الكرة… وأنهم بالفعل اللاعبون، وقد لا نحتاج الي كثير من التأويل لتهجير هذه الكرة والملهاة الجوربية الي الثقافة فثمة مشتغلون في هذا الحقل، يريدون للمعيار المعرفي ان يتدنّي حتي ملامسة القدم، وللسقف ان يكون أوطأ من رؤوسهم. لأنهم يزدهرون في غياب اللاعبين، وساهم الاعلام النرجسي المصاب بالعمي الايديولوجي او السلطوي في ترسيخ هذه الملهاة، بحيث أصبحت حتي السلاحف والبرمائيات تصنّف ضمن هويات اقليمية، كما قال جورج طرابيشي في كتابه عن الدولة القُطرية !قبل أكثر من عشرين عاما بلغ السيّل الزُّبي لكنه الآن تجاوزه وفاض وأنذر بالطوفان، اذ لم يعد من الممكن الصّمت، فهو تواطؤ بل تحالف استراتيجي مع كل المبيدات التي تتهدد حياتنا، وتقضم وجودنا تحت مختلف العناوين المضلّلة !وما كان همساً علي استحياء وتسولاً للشرعية تحوّل الي استحقاقات لا يشوبها نُقصان، وعلي الحُرّ وفق هذه الكيمياء السحرية ان يعتذر لمن رهن نفسه حتي للشيطان بحثاً عن نفايات الغنيمة !لقد علقت حتي الآن أجراس كثيرة، ولا ينقصنا الشهود بل ما ينقصنا هو الاصغاء والمبالاة، فأحيانا يكون فقدان القدرة علي الاندهاش عيباً في الذات المقهورة التي انحسر خيالها حتي بات أقصر من ظلّها، وليس عيبا في مصدر الادهاش، سواء كان نصا او شهادة تقارب الاستشهاد في زمن صارت فيه العولمة مرادفا للْمِومَأة !!!!!0