من أين جاء هذا الحب لفلسطين في ملاعب كرة القدم؟

حجم الخط
2

لندن ـ «القدس العربي»: لاحظ القاصي والداني، تضامن ملاعب كرة القدم العالمية والعربية مع الشعب الفلسطيني وقضية الأمة برمتها، كما شاهدنا جماهير سيلتك الاسكتلندي وهي ترفع آلاف الأعلام الفلسطينية في ملعب «سيلتك بارك»، مع لافتات مكتوب عليها عبارات داعمة للشعب والمقاومة في غزة، وذلك رغم تحذير الاتحاد الأوروبي لكرة القدم، وتهديده بفرض عقوبات رادعة على كل من سيحاول إظهار أي نوع من أنواع الدعم لكل ما هو فلسطيني، وبالمثل شاهدنا جمهور ريال سوسييداد الباسكي يتحدى تهديد الاتحاد الإسباني، عندما قام عشرات الآلاف برفع العلم الفلسطيني في مباراة الفريق أمام ريال مايوركا، وسبقتها جماهير أوساسونا التي كانت سباقة بالتنديد والاعتراض على جرائم جيش الاحتلال في حق الأطفال والنساء والشيوخ في القطاع المحاصر منذ أكثر من عقد ونصف العقد من الزمن، الى درجة أن ثورة غضب جمهور أوساسونا، تسببت في بقاء اللاعب الصهيوني في غرناطة، وعدم مشاركته في المباراة، بناء على توصيات من السلطات الإسبانية، بعد منشوراته الاستفزازية في فترة الهذيان في أعقاب عملية «طوفان الأقصى»، التي قامت بها فصائل المقاومة يوم 7 أكتوبر / تشرين الأول الماضي.

جينات الأجداد

ربما سنحتاج لفرد صفحات أخرى، لحصر قائمة الملاعب الأوروبية التي تزينت بالعلم الفلسطيني طوال أسابيع الإبادة الجماعية التي يتعرض لها أبرياء غزة والضفة على يد العدو المتغطرس، وهذا كما نعرف جميعا، لتبقي جزءا بسيطا من الضمير العالمي، بعد تشييع جنازة القيم والمبادئ ومزاعم حقوق الإنسان التي ظلت القوى الغربية ترددها وتستخدمها كذريعة لتشويه صورتنا ووضعنا في إطار الإرهابيين وأعداء السامية، إلى أن سقط القناع إلى الأبد، بوقوف ماما أمريكا وأتباعها عند ما حدث يوم 7 الشهر الماضي، لإعطاء المحتل الحق في ارتكاب مجازره المروعة في حق أكثر من 10 آلاف شهيد حتى الآن، وأضعاف هذا الرقم ما بين مفقودين ومصابين لا يجدون حتى أبسط حقوقهم في تلقي العلاج، بعد استهداف جُل مستشفيات القطاع في الأيام القليلة الماضية. لكن السؤال الذي يفرض نفسه بعيدا عن ظلم العالم الغربي ودعمه المريب للصهاينة في عدوانهم علينا، هو من أين جاء هذا الحب المتفجر لفلسطين في الملاعب العربية؟ نعم عزيزي القارئ ليست مزحة أو سؤال نحاول من خلاله إهدار وقتك الثمين، صحيح أجدادنا قبل نصف قرن أو أكثر، ربما لو بُعثوا من قبورهم قد يضربون أخماسا بأسداس على هذا الطرح والفكرة برمتها، لكن بدون مبالغة أو تهويل في الأمر، كانت الأغلبية من المحيط إلى الخليج في طريقها لنسيان القضية، ما بين مجموعة استقرت على خيار التطبيع، وأخرى كانت وما زالت تدرس الأمر، وقبل هذا وذاك، كنا نعتقد أن جيل الألفية الجديدة، بالكاد يعرف أي شيء عن أصول القضية والنزاع، لكن ما حدث، برغم مرارته وقسوته على أحبابنا في غزة، فكان أيضا فرصة عظيمة لاستكشاف شغف الأجيال القادمة والتأكد من ولائهم وعدم التفريط في القضية وحقوق أجدادنا المسروقة منذ عقود في الأراضي المقدسة، وهذا في حد ذاته فتح المجال أمام ملايين الشباب للعودة إلى المجلدات والأفلام الوثائقية القديمة، لمعرفة خيوط المؤامرة بداية من وعد بلفور، مرورا بالنكبتين الأولى والثانية، نهاية بالعجرفة والتمادي في الاستيطان والاستيلاء على الأراضي في آخر عقدين، والدليل على ذلك عودة دفاتر شيوخ المشجعين وهتافاتهم القديمة في مدرجات أحفادهم الآن في خضم العدوان الغاشم على أهالينا في غزة.
رجاوي فلسطيني

في مدرجات ملعب «مركب محمد الخامس»، عاد جمهور نادي الرجاء المغربي ليردد أنشودته الخالدة «رجاوي فلسطيني، يالي عليك القلب حزين، وهادي سنين تدمع العين، لحبيبة يا فلسطين.. آه وين العرب نايمين، آه يا زينة البلدان، قاومي ربي يحميك، من ظلم الإخوة العديان واليهود لي طامعين فيك، ما نسمح فيك يا غزة»، وفي تعليقه على سبب التقارب الكبير بين مشجعي عملاق الكرة المغربية وبين القضية الفلسطينية، قال محمد جمالي، وهو واحد من مؤسسي «ألتراس إيغلز» التابعة لنادي الرجاء، في مقابلة مع قناة «الجزيرة» الإخبارية، إن «الأمر ليس بغريب»، كون الأطفال في المغرب تربوا منذ نعومة أظافرهم على حب فلسطين سواء في المدرسة أو الشارع أو العائلة، لشعور الشعب المغربي بمعاناة الأشقاء في فلسطين من المحتل، كما عانى من قبل من أجل الحصول على الاسقلال، وهي الفكرة التي تأسس عليها نادي الرجاء، كصرح وطني تأسس على يد مجموعة من الفدائيين والمناضلين في وجه الاحتلال، ما يعكس التقارب الكبير وصدق مشاعر جمهور الرجاء بوجه خاص و الشعب المغربي بوجه عام في دعمه وتعاطفه مع الشعب الفلسطيني، وهذا تجسد في موقف المغربي الأصل أنور الغازي، الذي دفع فاتورة باهظة الثمن، وصلت لحد طرده من ناديه ماينز بقرار أحادي، بسبب تضامنه مع أشقائه الفلسطينيين. ونفس الأمر ينطبق على جمهور كرة القدم والمشاهير في الجارة الجزائر، كيف لا والحديث عن وطن المليون ونصف مليون شهيد، وواحد من أكثر شعوب الأرض، معاناة مع فظائع وجرائم الاحتلال الفرنسي، وهذا الشعور الجزائري الصادق، يلمسه الصغير قبل أجدادنا الأوائل المهجرين، ويظهر كذلك في شجاعة نجومهم ومحترفيهم، بجرأة ملموسة في إظهار دعمهم للقضية، كما فعلها من قبل رياض محرز في الملاعب الإنكليزية، بتوثيق صوره وهو ملتف بالعلم الفلسطيني في أكثر من مناسبة على منصات التتويج، وفي الأزمة الحالية، لم يأخذ موقف الحياد ككثير من فئة الميغا ستارز، الذين فضلوا مسك العصا من المنتصف، شأن شأن مواطنه وزميله في المنتخب يوسف عطال، الذي عوقب بالإيقاف من قبل ناديه نيس الفرنسي، بسبب تضامنه مع الأبرياء في غزة مرتين، الأولى بالكشف عن رأيه عبر حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي، والثانية لتوشحه بالكوفية الفلسطينية، كما فعل باقي رفاقه في معسكر محاربي الصحراء الشهر الماضي.

شرف ليوم الدين

الشيء المؤكد، أننا سنحتاج أيضا لفرد عشرات الصفحات الأخرى لسرد قصص الحب المتبادلة بين جماهير كرة القدم العربية وفلسطين، وبالأخص شعوب شمال أفريقيا التي عانت الأمرين مع الاستعمار طيلة القرون والعقود الماضية، لكن تبقى أقوى وأقدم قصة ارتباط رياضية كروية بالقضية الفلسطينية، تلك التي يعود تاريخها إلى العام 1943، عندما غامر أساطير النادي الأهلي المصري الأوائل، بقيادة الكابتن مختار التتش، بالسفر إلى الأراضي المحتلة، في ما تُعرف بالمهمة الوطنية، لدعم الثورة الفلسطينية أمام الانتداب البريطاني لمنع هجرة اليهود ووقف مهزلة استحواذهم على الأراضي، وحدث ذلك، رغما عن رئيس اتحاد الكرة والمنافس التقليدي نادي المختلط، الزمالك حاليا، حيدر باشا، الذي وفقا للرواية الأهلاوية، كان من أشد المعارضين لفكرة ترويج النادي الأهلي للانتفاضة الفلسطينية، لدرجة أنه هدد اللاعبين بمسح أسمائهم في قوائم اللاعبين من اتحاد الكرة، لكن في الأخير، نفذ مختار التتش ورفاقه مخططهم، بتنسيق مع وزير الداخلية وقتها فؤاد سراج الدين باشا، الذي سهل بدوره رحلة الفريق من محطة قطار القنطرة في الإسماعيلية وحتى دخول غزة والقدس وعكا وحيفا، وبالمثل نفذ حيدر باشا، تهديداته في حق المخالفين من وجهة نظره، ويُقال إنه لم يكتف بمنعهم من خوض المباراة النهائية لكأس مصر، التي أقيمت في الثاني من يونيو / حزيران من نفس العام، بل أوقفهم عن ممارسة اللعبة لمدة عام أو اثنين، وهذا ما أجبر نادي القرن الماضي والحالي على خوض نهائي الكأس بفريقه الشاب أمام المختلط المدجج بالنجوم والأسماء اللامعة وقتها، وبالتبعية هذا تسبب في هزيمة الفريق بنتيجة تاريخية يُقال إنها انتهت بسداسية مقابل هدف، ورغم أنها تبدو من النظرة الأولى للنتيجة وكأنها وصمة عار في تاريخ النادي، لكن في حقيقة الأمر، يُنظر لها من قبل مشجعي النادي الأهلي على أنها «شرف ليوم الدين»، كما يرددون في أغنية ألتراس التي تهز مدرجات ملعب «القاهرة الدولي»: «مختار التتش في 43.. حارب الملك سفرنا لفلسطين، والستة صفر دي شرف ليوم الدين، موقف مختار وحيدر تاج على رأس الأهلاوي»، وغني عن التعريف أن النادي صاحب الشعبية الجارفة في كل متر في مصر والقارة السمراء والوطن العربي، لا يفوت نصف فرصة في هكذا أحداث لترديد هتافه المهين لإسرائيل، وهذا مجرد جزء بسيط لأسباب حب وتعلق الملاعب العربية والعالمية بقضيتنا. وبالمناسبة، هل تعرف عزيزي القارئ ماذا يقول جمهور الأهلي في هتافه المهين للصهاينة؟

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية