نزل خبر وفاة الشاعر العراقي الشهير احمد مطر على محبيه كالصاعقة، فقد انتشر النبأ سريعا مساء الأربعاء(16يوليوز) على صفحات التواصل الالكتروني، قبل أن يُكذب الخبر لاحقا من قبل أسرة الشاعر المقيم منذ ثلاثة عقود بالعاصمة البريطانية لندن.اللافت في كل التعليقات التي واكبت إشاعة الوفاة هو الإجماع الذي أبداه كل القراء على حب هذا الشاعر، والتحسر، إلى حد الشعور باليتم، على «فقدان» صوته الجريء المفعم بالسخرية السوداء من مظاهر الاستبداد السياسي في أوطاننا العربية، فأحمد مطر هو الوحيد الذي كان بإمكانه أن يأخذ للمواطن العربي حقه من الحاكم ويشبعه نيابة عنه «رفسا» و»ضربا» و»إهانة» ..والإجماع الحاصل على حب هذا الشاعر حدث نادر في تاريخ ديوان الشعر العربي إذ قلما ينجو مبدع من سياط الخصام نقدا وتلقيا…
أحمد مطر الفارس النبيل
من الأسئلة التي شغلتني في بداية احتكاكي بالتجربة الإبداعية الثورية لأحمد مطر في منتصف الثمانينيات من القرن الماضي والقمع السياسي للأنظمة العربية على أشده:ما الذي يجعل شاعرا عربيا شابا وسيما يعيش في الغرب حيث الحرية وحظوظ الرقي المادي والاجتماعي…ما الذي يجعل شابا بمثل هذه المواصفات داخل هذا الفضاء من الإغراء الشديد يُقبِلُ على هذا الاختيار الفني القاتل ؟! في أكثر من لافتة داخل دواوينه يكشف أحمد مطر عن معدنه النبيل حينما يعلن بأنه لا يقوى على كتابة سطر شعري واحد وفي أمته، ممن لا يملك لسانا مفصحا، من تتسلى سياط الجبابرة على أجسادهم النحيفة التي ما عرفت الشبع يوما.وهو في أكثر من قصيدة يُخبرنا بأن «تابعيه» من الإنس لا يفترون عن محاولتهم اليائسة إغواءَه بترك القصيدة السياسية بدعوى الإشفاق على عوده الطري من مخالب الاستبداد؛ يحضرني في هذا السياق عتاب الشاعر الكبير نزار قباني، الذي استكثر على شاعرنا الشاب(آنذاك) التزامه السياسي ناصحا إياه بتجربة قصيدة الحب التي تتناغم مع سنه اليافع، وتناسب لغته الشعرية الرقيقة..فكان رد أحمد مطر على هذه النصيحة قصيدة رائعة بعنوان «أعرف الحب ولكن»نشرها في مجلة الناقد اللندنية (عدد2) قبل أن يضمنها ديوانه «لافتات 4»، أكد فيها – ما قاله أكثر من مرة- أن الحاكم العربي هو جوهر مأساته التي لا تدعه يعيش منعما بشبابه، مُفتَتَنا بذاته، منشغلا بعواطفه الخاصة كباقي البشر..
الحاكم العربي داخل «لافتات»:
شَكَّل»الحاكم» الموضوع القطب داخل دواوين أحمد مطر؛ فالحاكم العربي داخل»لافتات» سبب التبعية والفقر والقهر وسوء التدبير…مثال للوحشية، والغباء، والكذب، والنَّهم الغرائزي الفاضح… شرّيرٌ إلى أبعد حدود:صورة بشرية مطوَّرة عن»إبليس الرجيم»! قد يجادل البعض، من ذوي «النيات الحسنة»، في»المبالغة»التي رُسمت بها هذه الصورة المستبشعة للحاكم العربي داخل دواوين الشاعر، غير أن قراءة التاريخ المعاصر للأنظمة السياسية العربية توقفنا على نهج سيرة متميز لهذا الحاكم في عالم الإجرام، يبدأ من هدر الأموال، والتواطؤ مع الأعداء في بيع الأوطان، ولا يتوقف عند خطف ثم ذبح وسلخ وقطع وفرم وطبخ الإنسان…(حقيقة لا مجازا) في حوادث مهولة تنفلت عن العدّ، يغدو معها كل ما كتبه أحمد مطر عن بشاعة الحاكم العربي، في الحقيقة، لقطات»رومانسية لطيفة» في شريط «هدتشكوكي» طويلٍ مِن هَبَلِ الاستبداد العربي.ولعل صورة هذا الحاكم «الأعجوبة» تختزلها، بمفارقة سوداء، قصيدة «حالات». يقول أحمد مطر:
بالتمادي
يصبحُ اللص بأوربّا
مديراً للنوادي.
وبأمريكا
زعيما للعصاباتِ وأوكارِ الفسادِ.
وبأوطاننا التي
من شَرعها قطعُ الأيادي
يصبحُ اللِّصُّ
..رئيساً للبِلادِ!
لنا أن نتساءل عن القيمة الجمالية التي يمكن أن يضيفها تناول مثل هذا الموضوع (الحاكم العربي) شعريا، وفي طريق الجواب نلفت الانتباه إلى السياق الثقافي والإعلامي الذي يحف اللحظة الراهنة من الزمن السياسي العربي، فَدَجَلُ المثقفين والإعلاميين والسياسيين المأجورين، وفقهاء السلطة «الملحدين»…لا يتوقف ليل نهار عن تزييف وعي الناس وقصف عقولهم بصورة حاكم عربي آخر غير ذاك الذي يعرفونه في معاشهم، حاكم عادل متفانٍ معطاء… داخل أوطان عربية متقدمة سعيدة متخمة بالرخاء والنعيم والأمن!غير شبيهة بالمرة بتلك الأوطان العربية التي تصنفها التقارير الأممية في ذيل المجتمعات البشرية!الأوطان التي تكسر كل الأرقام القياسية في التخلف والجهل والاستبداد والفساد… بالشكل الذي أصبح فيه الواحد منا يخجل من أن يفصح عن هويته أو يشير إلى نفسه بأنه عربي! وهو الأمر الذي لا يتعذر على الآخر (الأجنبي) اكتشافه على أي حال كما تصوره بسخرية سوداء قصيدة «هوية»!:
في مطارٍ أجنبي
حَدَّقَ الشرطيُّ بي
– قبل أن يطلبَ أوراقي-
ولمّا لم يجد عندي لِسَاناً أو شَفَهْ
زَمَّ عينيهِ وأبدى أسفَهْ
قائلا:أهلا وسهلاً
…يا صديقي العَرَبي!
فالقيمة الجمالية- من غير السمات الأسلوبية والتخييلية التي تخص البناء الجمالي للغة- تكمن إذن في الحمولة الأخلاقية التي تستبطنها اللافتات حينما تتطوع– داخل محيط رهيب من الصمت- بمضمونها «الاستشهادي» على تهشيم تماثيل الضلال في معبدٍ للمرايا المحدبة التي صُمِّمت لتعكس، وَهْمًا، الحاكمَ العربي المستبد في عين المواطن أكبر كثيرا من حجمه الواقعي الوضيع، في أكبر عملية تدليس عبر التاريخ تشارك فيها جوقة متناغمة من التمثيل الحزبي، والمسخ الإعلامي، والفن الهابط، والثقافة المأجورة، و»الدين» الأفيون…لهدهدة جماهير الأمة والإبقاء على استرخائها أطول مدة ممكنة لكسب أوسع مسافة من عمرها المستَنفد ظُلْماً على هامش التاريخ، في عملية تواطؤ مصلحي بين «الرعاة» ومراكز النفوذ الاستعماري للحفاظ على أوطاننا متخلفة، جاهلة، سوقا لأبسط مُنتَجٍ غربي إلى أعقده في سلم التكنولوجيا الحديثة.فاللافتات في ظل هذه الوضعية تصبح ضرورة شعرية لازمة لشحذ الوعي وإبطال مفعول التخدير عن جماهير الأمة. كما أن في الجرأة على السخرية من رأس الهرم، قيمة وجدانية باعتبارها مدخلا لتغيير سيكولوجية للإنسان العربي المقهور، الذي يحس مع اللافتات بأن بمستطاعه، بعد عصور طويلة من القمع والتخريب الداخلي لإنسانيته، أن يحاسب ويغير؛عملية بناء جديد لنفسية مواطن عربي من المفترض مع اللافتات أن يرى الحياة بمنظور فلسفي آخر: هبة ربانية جميلة تستحق العيش وليست قَدَراً سوداويا محتوما كما يصوّر له وهما .حياةٌ يكون فيها الحاكم خادما أجيرا وليس «إلها» أو قديسا.
أحمد مطر شاعر الجماهير
كتب الناقد شاكر النابلسي واصفا أشعار أحمد مطر في كتابه (رغيف النار والحنطة ص 240): «عندما نقرأ «أحمد مطر» ننسى أن هناك شاعرا يرتل الشعر، وينشده..وننسى أن الذي قام بهذا الخلق الشعري هو إنسان من لحم، ودم، وعواطف.. فشخصية «أحمد مطر» في شعره مختفية تماما، على عكس كل الشعراء السياسيين العرب، الذين يبرزون شخصياتهم بوضوح وتأكيد، من خلال أشعارهم! عندما نقرأ «أحمد مطر» نشعر أن الوطن والناس كذلك، هم الذين يتلون الشعر، وهم بالتالي ناظمو الشعر» لذلك كان طبيعيا أن يكون «الناس»اللي تحت» هم قراء «أحمد مطر» وهم الذين يشترون دواوينه..هؤلاء الفقراء، المسحقون، المضطهدون، الملاحقون، المطاردون، المسروقون، المشردون، المنبذون…ولغة هؤلاء الناس، هي لغة «اللافتات» اللغة البسيطة التي يستطيع قراءتها طلاب الصفوف الابتدائية، والعمال، والعاملون بالمزارع، وصغار الموظفين، والرابضون في الخنادق على جبهات القتال. إنها لغة كل الناس»..
هكذا هي قصائد أحمد مطر: متخيل «أيها الناس» لكنه متخيل معبأ بكثير من الكرامة والكبرياء، ومشحون بقدر هائل من بارود التحريض على الثورة والتمرد. ومن كان شعره بهذه المواصفات حق له أن ينال كل هذا الحب داخل العالم العربي وأن يلهج لسان كل من قرأ إبداعه بدعاء الصحة وطول العمر.
*كاتب مغربي
مصطفى أمزير