من اجل انجاح التجربة التونسية في الحكم

حجم الخط
0

مثَل إغتيال شهيد تونس شكري بلعيد صفعة قوية للإنتقال الديموقراطي في تونس، وأسقط الغطاء عن المتعيشين الحقيقيين من النظام السياسي الحالي، كما كشف للعموم رؤوس الفتنة والباحثين عن إسقاط التجربة عبر دفع البلد نحو المجهول.إذا ما عدنا إلى إغتيال شكري بلعيد نجده في حقيقته نقطة تقاطع لعدة مصالح، فالمستفيدون من قتله كثر ومختلفون، منهم وبدرجة اولى الأصوليون الذين يعادون أي تيار وفكر قومي عروبي والذين هم مع إسقاط ما تبقى من الدولة التونسية والمرور الفعلي لدولة العصابات والميليشيات بدل دولة المؤسسات،وهناك ما يتجلى في سعي البعض لتدويل القضية على الطريقة اللبنانية والتي ستفسح المجال أمام الأيادي والمخابرات الغربية للتأثير على القرار الوطني التونسي، ولكن لا يجب أن ننسى الدول العربية (الخليجية) التي تناصب بلعيد وكل القوميين العداء والذين يملكون اليوم حلفاء سياسيين في تونس نفسها يدعمونهم ماديا ومعنويا ويسخَرون كل الإمكانيات والطاقات الإعلامية للتسويق لفكرهم ولتشويه كل صوت معارض لهم.ومن الفرضيات كذلك، هي ضلوع بعض المسؤولين الأمنيين والحكوميين في هذه الجريمة، وطبعا كلما طالت مدة التحقيقات وعدم كشف ملابسات الجريمة، كلما إزدادت هذه الفرضية، خاصة وأن الحديث عن إختراق وزارة الداخلية من طرف أحزاب السلطة ليس وليد اليوم، ولقد شاهد العالم بأم العين في أحداث 9 أفريل الفارطة كيفية إستعانة الداخلية بميليشيات قامت بتعنيف المتظاهرين يومها، وطبعا حفظ التحقيق الذي قيل انه سيشكل من طرف الداخلية بعد مسائلة وزير الداخلية بالمجلس التأسيسي وقتها.لقد كشفت تداعيات إغتيال الشهيد بلعيد منطق الغنيمة الذي يعتمده اليوم العديد من الذين هم في السلطة، وتجلى ذلك في ردة فعل وتصريحات المسؤولين عقب الإعلان عن محاولة تكوين حكومة إنقاذ وطني أو تكنوقراط، فقد بان بالكاشف أن أحزاب السلطة بقياداتها غير مستعدة للتفريط في مراكز السيادة التي تملكها اليوم مهما كان الثمن، فبعض الوزراء أعلنوها صراحة أنهم ليسوا مستعدين لترك مناصبهم، تجلى ذلك ايضا في العودة إلى السياسة الشعبوية عبر التعبئة الشعبية تحت مسمى الدفاع عن الشرعية المتآكلة، متناسين طبعا مفهوم الشرعية في حد ذاته، أن الشرعية الإنتخابية التي يتكلمون على أساسها إنتهت منذ 23 أكتوبر الماضي، فهذه الأحزاب (عدى المؤتمر) وللتذكير كانت من الممضين على القانون الأساسي الإنتخابي لإنتخابات المجلس التأسيسي والتي حددت فترة عمله بسنة، ومثل نقلها لصراعاتها السياسية والفشل الحكومي في الوفاء بالوعود الإنتخابية إلى صلب المجلس، عنصرا أساسيا في تعطيل عمل هذا الأخير الذي نسي مهمته الرئيسية والأساسية والمتمثلة في وضع دستور للبلاد، وتحولت الحكومة الإنتقالية إلى حكومة أشبه بالمؤبدة، وصار لها تأثير مباشر على عمل المجلس التأسيسي عوض ان تكون مسؤولة أمامه، وطبعا ساهم هذا في مزيد من التعقيد والتفرقة بين التيارات السياسية المختلفة.وأمام هذه الصورة القاتمة للواقع السياسي في تونس ومع الحملات المتكررة والممنهجة للتحريض والتخوين والتي ترجــــمت إلى عنـــــف وعنف مـــقابل، ظهرت بوادر الأمل مع مبادرة الجبالي التي حتى وإن إعتــــبرها البعض مناورة سياسية أو محاولة لإنقاذ النهظة وإبعاد الشبهات حول علاقتها بحالة الإحتقان التي تسود الواقع السياسي في البلاد، إلا أنها تمثل فعلا مبادرة مهمة تستحق الدراسة، فالمبادرة بتكوين حكومة كفاءات وطنية تكنوقراط لا تكون على أساس المحاصصة الحزبية، قد يكون مخرجا لحالة اللاثقة التي تعصف بتونس وهو ما يتجلى أساسا في عدم تكوين لجنة خاصة بالإنتخابات إلى اليوم وهو ما يجعل الإستحقاق الإنتخابي غير ثابت التاريخ فعمل مثل هذه الهيئات يتطلب فترة لا تقل عن 6 أشهر للتحضيروالإعداد للإنتخابات، كذلك فإن المرور لحكومة تكنوقراط يقطع الطريق أمام الدعوات لإسقاط المجلس التأسيسي ودفع البلد نحو المجهول، فمثل هذه المبادرات تدفع المجلس التأسيسي للإسراع في كتابة الدستور ووضع القوانين الأساسية للأحزاب وللإنتخابات.ولقد نجحت هذه المبادرة في سابقة تحسب لها في جمع كل الطوائف السياسية في البلد على طاولة حوار موحدة بعد فشل مبادرة إتحاد الشغل وهو ما قد يمثل تحطيما للحاجز النفسي الذي كان يحد من إمكانية التواصل والحوار بين هذه التيارات وهذا من شانه أن يسهل إمكانية وضع خارطة طريق يجمع عليها كل الفرقاء السياسيين قصد إنهاء الفترة الإنتقالية والمرور إلى الإنتخابات.من المبادرات المثيرة ايضا كانت الإعلان عن تكوين مجلس الحكماء والذي يضم شخصيات وطنية عليها إجماع وطني وعلى رأسها طبعا الأستاذ عياض بن عاشور، ولكن ايضا أثار تكوين هذا المجلس أسئلة كثيرة حول مهمة هذا المجلس وطبيعته، هل سيكون مجرد هيأة إستشارية أم أن دوره سيتسع ليشمل مسؤوليات أخرى.في الحقيقة إن هذه اللحظة الحاسمة من تاريخ الإنتقال الديموقراطي ستكشف عن حقيقة الفكر الذي يقود مختلف سياسيي تونس فإما أن نرى سياسيين يغلبون مصلحة الوطن على مصالح أحزابهم أو العكس والتاريخ والشعب لن يرحمهم.عبد القادر معيوفqmn

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية