لندن ـ ‘القدس العربي’ تمثل الحرب الأهلية في سوريا شكلا جديدا من الحروب الصغيرة التي تختلف عن الحروب الواسعة التي دخلت فيها دول كما في الحربين العالميتين الأولى والثانية، لكن هذه الحروب الصغيرة تشترك مع هاتين الحربين في كونها شرسة وقاسية.
فمنذ الحربين العالميتين بدأت الحروب تتخذ أشكالا من الإقليمية، الأهلية والطائفية والقبلية وهي على صغرها واختلافها تشترك في وحشيتها، فالنزاعات المسلحة في الشيشان والبلقان والعراق وأفغانستان، سوريا وليبيا تشترك في الكثير من الملامح، ليس لأن سكان هذه الدول في الغالبية مسلمون، لكن الغزو المباشر لم يعد خيارا، فآخر التدخلات العسكرية كان غزو العراق الذي قامت به بريطانيا والولايات المتحدة عام 2003، ولا تزال آثار هذا التدخل الكارثية حاضرة مما يجعل من تكراره مغامرة غير محسوبة العواقب حتى عندما تريد الدول هذا.
وكان هذا واضحا في النقاش والعداء البريطاني لمشروع التدخل في سوريا، وموقف الكونغرس من خطط أوباما لضرب النظام السوري بعد الهجوم الكيميائي على منطقة الغوطة الشرقية قرب دمشق، ففي كلتا الحالتين انقسم الجانب السياسي والعسكري حول ‘حكمة’ شن حرب جديدة في الشرق الأوسط.
تسويق الحروب
وعليه يرى باتريك كوكبيرن في تحليله لأشكال الحرب في سوريا أن الحروب في هذا الزمن أصبحت تشن بالوكالة. وقد تصبح هذه موجة إذا تم الترويج لها في الدول الداعمة للتدخل.
ويرى كوكبيرن أن المثال الأوضح على تسويق حروب الوكالة هو الإطاحة بنظام معمر القذافي في عام 2011، في الحملة الجوية التي قادتها قوات الناتو فيما لعبت الميليشيات والجماعات المسلحة التي تسيدت صورها عدسات التلفزيون في كل أنحاء العالم دور القوات التي تنظف وتمسح المناطق من قوات النظام التي دمرتها طائرات الناتو.
ويضيف الكاتب أن انتهاكات حقوق الإنسان أصبحت المعيار العام للتدخل في الدول، والروايات عن هذه قد تكون صحيحة لكن التغطية الإعلامية لها ليست متوازية وتتسم بالتضليل والفبركة في بعض الأحيان. ففي الحالة الليبية تم الحديث عن قيام قوات القذافي بعملية اغتصاب جماعية أثبتت منظمات حقوق الإنسان عدم صحتها.
ويقول الكاتب إن المبرر الأساسي للتدخل في ليبيا كان منع القذافي من ارتكاب جريمة في بنغازي، ولكن أعضاء الميليشيات من المعارضة قاموا بذبح المتظاهرين مرتين في بنغازي وطرابلس بدون أن تثير ممارساتهم هذه اهتمام الحكومات الأجنبية.
وفي الحالة السورية علينا كما يقول الكاتب أن نكون حذرين في التعامل مع مزاعم المذابح والجرائم. فمن الواضح أن النظام السوري يقوم بارتكاب عمليات مدمرة ويفرغ مناطق المعارضة من السكان عبرالقصف الجوي والمدفعي والجرافات، وحاصر المدن والمخيمات كما في مخيم اليرموك والبلدة القديمة في حمص ومناطق أخرى، كل هذا صحيح، فالنظام يقتل من المدنيين أكثر من جماعات المعارضة.
ويفسر الكاتب إن مستوى القتل الواسع الذي تقوم به الحكومة قد يكون مرتبطا بامتلاكها لأدوات القتل والتدمير الكبيرة أكثر من تلك المتوفرة لدى المعارضة.
مما يعني في فهم الكاتب أنه لو توفرت للمعارضة الأساليب نفسها لقامت باستخدامها، وهو ما ظهر في طريقة تعامل الدولة الإسلامية في العراق والشام ‘داعش’ والتي عبرت عن نواياها هذه عندما وضعت شريط فيديو على اليوتيوب، وظهر فيه مقاتلو الدولة وهم يوقفون الشاحنات والحافلات في الطريقق ويطلبون من الركاب إثبات ‘سنيتهم’، وعندما يفشلون يقتلون.
ويضيف أن الجماعات الجهادية التي تتسيد الجماعات المقاتلة في سوريا تقوم بقتل غير السنة الذين يمثلون نسبة 25 ‘ من سكان سوريا.
وبحسب تفسير الكاتب فخمسة ملايين سوري غير مسلم لديهم الكثير من المبررات للتعبير عن مخاوفهم انتصرت المعارضة، ويقصد هنا الجماعات الجهادية التي لا تتسامح مع السنة الذين لا يؤمنون بأفكارها ولا غير السنة، عربا كانوا أم أكرادا ممن يمثلون نسبة 10′ من سكان سوريا.
وفي هذا السياق يرى الكاتب كوكبيرن أن جرائم المعارضة الجهادية لا تحل النظام من جرائمه أو العكس، لكنه معني هنا بالطريقة التي يتم بها نقل الواقع في سوريا، فعندما يشجب ويليام هيغ، وزير الخارجية البريطاني أو جون كيري، وزير الخارجية الأمريكي أفعال النظام وجرائمه فهما يقدمان صورة غير حقيقية عما يجري في سوريا.
أين ذهبت الثورة؟
والواقع يقول غير ذلك، فالخيار الذي خرج من أجله الشباب في 15 آذار/مارس 2011 وهو معارضة النظام سلميا والتخلص من فساده وقمعه والمطالبة بالإصلاح ونظام ديمقراطي علماني اختفى منذئذ.
ويقول كوكبيرن أنه في حالة انتصرت المعارضة ويعني هنا مرة أخرى الجهادية، فهناك ستة ملايين آخرين سيغادرون البلاد.
ويتساءل عن السبب الذي أدى لتحول الثورات التي بدأت بآمال عظيمة إلى سراب؟ ويجيب إنه غطى الثورات منذ عام 1999 غطى أحداث العراق والشيشان وليبيا وأفغانستان وسوريا، وفي كل حالة تعرضت الجماعات المقاتلة لما يشبه الحالة ‘الطالبانية’، فمع أن الظروف ليست متشابهة إلا أن المظاهر شبه مثيرة للدهشة. ويرى أن العامل الرئيسي هو الدين أو الإسلام الذي يستطيع التحشيد ودفع الشباب للقتال. وهذا أمر مهم لأن الحروب لا يحدد مصيرها عدد من يدعمها ولكن من هو مستعد للقتال والموت.
فقبل انهيار الإتحاد السوفييتي كانت القضايا الوطنية تحددها الجماعات التي يقودها الشيوعيون الذين بدؤوا كجماعات صغيرة، مثل ما حدث في الحرب الأهلية الإسبانية، ثم تطورت نظرا للتنظيم والمال لجماعات كبيرة.
وفي الشرق الأوسط أقتنعت الأنظمة الحاكمة في سوريا ومصر وليبيا وغيرها أنها القادرة على تقرير المصير لشعوبها، وحققت في البداية نجاحاتها، من ناصر وتأميم قناة السويس عام 1956 إلى القذافي وتأميم النفط ورفع أسعاره، وحافظ الأسد وغيرهم، لكن هذه الأنظمة تحولت في مراحلة لاحقة إلى شلل تخدم مصالح أفرادها وليس الشعب، حيث لم يعد هذا يؤمن بشعاراتها الوطنية.
ومن هنا جاء خطأ الناشطين المدنيين والثورات الوطنية عام 2011 التي لم تكن لديها في البداية أجندة طائفية، فتركيز الناشطين على حقوق الإنسان والحقوق المدنية لا يعني شيئا طالما لم يتم تحقيق التماسك الوطني.
وقد تكون القومية خارج الإستخدام ولكن البديل عنها هو الطائفية والقبلية والنفوذ الأجنبي.
وهنا يقول إن ما ساد وأثر على هذه الثورات هو الأجندة ‘الرجعية’ التي سيطرت على الثورات من خلال المال الخليجي. ويتهم الغرب بالنفاق ويعبر عن الدهشة من مواقفه وتظاهره ببناء ديمقراطيات علمانية وهو يتحالف مع ملكيات وثيوقراطيات مثل السعودية.
وعليه فمستقبل الثورات العربية لا يبدو مشرقا فعندما يتم إطلاق حالة الغضب الطائفي يصبح من الصعوبة بمكان السيطرة عليها.
وعلى خلاف ما يجري في العالم العربي فتركيا رغم كل الإضطرابات الحاصلة فيها تظل دولة وطنية كاملة أكثر من غيرها في المنطقة.
والسبب هو ما حدث أثناء الحرب العالمية الأولى عندما تم التخلص من الأقليات. والأمر نفسه حدث في أوروبا الحرب العالمية الثانية خاصة دول أوروبا الشرقية التي تم التخلص فيها من الأقليات، وهذا يفسر غياب العنف في هذه الدول في مرحلة ما بعد انهيار الإتحاد السوفييتي، وبناء على هذا التحليل يقول كوكبيرن إن نفس المصير ينتظر الأقليات في سوريا.
حرب الأغاني
وفي المعنى الطائفي والحرب، إنتقلت هذه للتبادل في الأغنيات فمن أغنية ‘إحسم نصرك في يبرود’ التي غناها علي بركات داعيا مقاتلي حزب الله لحسم المعركة ضد المقاتلين التابعين للمعارضة في يبرود الواقعة في جبال القلمون إلى أغنية إبراهيم أحمد ‘إحفر قبرك في يبرود’ التي رد فيها على أغنية حزب الله.
وتشير صحيفة ‘نيويورك تايمز’ إلى حرب الأغاني هذه، حيث التقت مع بركات الذي قال إنه تعرض للسباب والتهجم على أمه وتهديدات بالقتل، فيما أرسل آخرون له صورا لقتلى وهددوه بأن يكون مثلهم. وهدده آخرون بإرسال سيارات مفخخة وانتحاريين.
وتقول الصحيفة إن القصة بدأت مع بركات (33 عاما) وهو منشد لحزب الله في أغنيته التي تقول ‘يا تكفيري جاي جنود حاتخلي أيامك سود، يا حزب الله الله معك، إحسم نصرك في يبرود’.
وتعلق الصحيفة أنه منذ بث الأغنية أصبحت واحدة من النقاط الساخنة في الحرب الأهلية السورية، فالداعمون لنظام بشار الأسد قاموا بنشرها على الإنترنت، فيما قامت المعارضة بتسجيل أغنيتهم واتهموا حزب الله بالتحريض الطائفي. وتضيف الصحيفة إن الجبهة الموسيقية الجديدة تشير للكيفية التي يغذى فيها النزاع والتوتر الطائفي في الشرق الأوسط وكيف اخترق حتى المجال الثقافي.
وقالت إن المنشدين من السنة والشيعة في الماضي وجهوا أناشيدهم ضد إسرائيل، أما اليوم فإنهم يوجهونها ضد بعضهم البعض. ويقول بركات في الأغنية ‘حطمنا جيش اليهود وهلأ دورك في يبرود’.
أصبح مشهورا
وكان رد المعارضة أكثر نارية حيث دعت الأنشودة مقاتلي حزب الله لأن يحفرو قبورهم، وهددت بإرسال المقاتلين للضاحية الجنوبية في بيروت معقل حزب الله. وتقول الصحيفة إن الإهتمام الأخير بأغنية بركات وسع من شهرته ومن ‘الواضح أنه يتذوق نكهتها مع أنها جاءت على شكل تهديدات وإهانات مما جعل هاتفه يرن طوال الوقت بالمكالمات والرسائل’.
وتنقل عنه قوله ‘تخيل أنك ترفض الرد على المكالمة نفسها طوال 24 ساعة ويظل نفس الشخص يحاول’.
والتقت الصحيفة مع بركات في بلدة النبطية في جنوب لبنان،حيث ظل يستخدم هاتفه وكلما حاول منع مكالمات خرجت له أخرى وليجد نفس الشخص يهاجمه على ‘فيسبوك’.
ويضيف أن المكالمات تصله في الساعة الثانية صباحا، ‘وعندما أصحو من النوم أجد 100 رسالة غير معروفة’. وبدأ بركات مشواره الفني مع أغاني الحزب عندما كان طالبا حيث غنى أناشيد الحزب ثم أصبح من المغنين المطلوبين بسبب قوة صوته.
وتشير الصحيفة إلى أن أغاني حزب الله كانت معروفة ومنتشرة بين السنة بسبب مواقف الحزب وحربه ضد إسرائيل لكن تدخله في سوريا هزت سمعته بين السنة.
وبرر الحزب تدخله في هذا البلد أنه يحارب ‘الإرهاب’ هناك. ومع تدخل الحزب تحول اهتمام بركات حيث أخذ يضيف إلى أغانيه أخرى ذات علاقة بمشاركة حزب الله هناك، وأثنى فيها على دور الحزب في القصير ودعاه لحماية ‘الأماكن الشيعية في سوريا’.
ويقول إنه دفع لكتابة أغنية عن يبرود عندما كان في زيارة لسوريا حيث استمع للمقاتلين وهم يحضرون للعملية العسكرية.
وعندما عاد للبنان كتب صديق له الكلمات والموسيقى وغناها، وأتم العملية في يوم واحد. ووصفت الأغنية قوات المعارضة بالتكفيريين وهذا ما لفت انتباه الناشطين الذين اعتبروا الأغنية دليلا على التحريض الطائفي.
واكتشف بركات أنه ضرب على وتر حساس كما يقول عندما بدأ النقاش حولها ثم بدات المكالمات تصله، وما سهل ذلك هو أنه وضع رقم هاتفه النقال من أجل الإعلان عن عمله فهو مغني حفلات زفاف أيضا.
ويقول بركات إنه لم يتوقع أن تحدث كل هذه الضجة، وكان يتوقع أن تنتشر بين المقاتلين والراغبين بالمشاركة في سوريا.
المعارضة ترد
ومع أن العديد من الفصائل المقاتلة غنت أناشيدها الخاصة ردا على أغنية بركات لكن إبراهيم أحمد، المغني اللبناني مع المعارضة شعر بالغضب واندفع لغناء أخرى ردا على بركات بعد أن ساوى الأخير بين إسرائيل والمعارضة السورية.
وكانت الأغنية واضحة في هجومها على حزب الله، ‘إحنا’اللي بالدم نجود.. والتمكين من الله آت.. حلمك نصرك في يبرود أوهامك يا حزب الله’. وتضيف الأغنية ‘يا ضاحية انتظري أشلاء وبدون رؤوس.. صبّي الدمع ثم اعتبري من يبرود ومن رنكوس’. وفي مقابلة عبر الهاتف ألقى إبراهيم باللوم على حزب الله لهذه الحرب الكلامية ‘لقد قاموا بتوزيع الأغنية على الإعلام والآن يشعرون بالضيق من أغنيتنا’، مضيفا أن المعارضة كانت سترد ‘ماذا يتوقعون منا’.
وكان الأمين العام للحزب حسن نصر الله قد طلب من المغني بركات توضيح معاي الإغنية وأصدر بيانا أنه قصد فيها التكفيريين.