من اخطر التحديات

حجم الخط
0

لازالت هناك كومة كبيرة من التحديات أمام مصر بعد أكثر من سنتين من الثورة، لكي تضع قدميها على الطريق المستقيم. هناك معركة القضاء وهي من المعارك الشرسة لم تنته بعد، حتى بعد لقاء الرئيس، وأخشى أن يكون قد دخلها شيء من الدخن والنفس، وهو ضار جداً بالأوطان. ولقد حددت المحكمة الدستورية العليا جلسة يوم 12 ايار/مايو الحالي للنظر في مدى دستورية قانون انتخابات مجلس الشورى (الثلث الفردي)، وهي التي تعرف بقضية حل مجلس الشورى. وهذه القضية هي التي أحيلت للدستورية من المحكمة الادارية العليا.
ومجرى الأمور يسير حتى الآن على نسق القضية التي أدت إلى صدور الحكم الشهير بحل مجلس الشعب السابق في 14 حزيران/يونيو 2012، أي قبل تولي مرسي السلطة. من الأمور الملتبسة في هذه القضية أن مواد الدستور الجديد، خصوصاً المادة (230) تنص على أن ‘يتولى مجلس الشورى القائم بتشكيله الحالي سلطة التشريع كاملة من تاريخ العمل بالدستور حتى انتخاب مجلس النواب الجديد. وتنتقل إلى مجلس النواب فور انتخاب السلطة التشريعية كاملة لحين انتخاب مجلس الشورى الجديد على أن يتم ذلك خلال سنة من تاريخ انعقاد مجلس النواب’.
لماذا نخاف من التصحيح ومواجهة الخطأ؟ هناك خطأ وقع يحتاج إلى تصحيح. عولج هذا الخطأ بتحصين مما يدل على الخوف من حل المجلس، ووقوف الرئاسة وحدها بدون مؤسسات دستورية منتخبة على أساس سليم.
تحصين الخطأ سلوك معوج، وعجز عن السير في الطريق المستقيم، وهروب من المسؤولية الحقيقية، وتمسك بالسلطة بأي ثمن شأنه شأن التزوير في العهد البائد. المقاصد واحدة، وللأسف يجد ذلك أيضاً من يدعمه، وقد ينافق من أجله خوفاً على الشرعية والاسلامية ومبررات أخرى كثيرة. ولا ترضى عن ذلك لا الشرعية ولا الاسلامية.
يخاف بعض أعضاء مجلس الشورى الحالي والإخوان من حل المجلس، وقد يرجعون ذلك إلى المشاكل القائمة، بين السياسيين ورجال القضاء، وتعديل قانون السلطة القضائية، وفي حالة الإلغاء تعود السلطة التشريعية مرة أخرى إلى رئيس الجمهورية حتى يتم انتخاب مجلس نواب جديد. والله أعلم متى يكون ذلك. وتستمر الدوامة نتيجة العجلة والاستحواذ، وتستفيد جهات المعارضة لأنها تجد مادة كافية لاستمرار المظاهرات، ومن ثم تقع بعض الفوضى في الشارع، والخاسر الأكبر هو الوطن، حيث يتعطل الانتاج في ضوء الفوضى القائمة والصراع البغيض.
وبمناسبة الحديث عن الدستور الجديد فان المسودة النهائية لدستور مصر العظيمة التي تم الاستفتاء عليها في 15/12/2012 كتب على غلافها ‘أعظم دستور لأعظم شعب’ رغم إقرار الرئاسة ومجلس الشورى نفسه بأن هناك مواد تحتاج إلى تعديل.
لفت نظري كلمات: أعظم دستور لأعظم شعب، لأن الدستور المعيب رغم إقراره لا هو أعظم دستور ولا نحن كمصريين أعظم شعب، لعلنا من بين الشعوب العظيمة. ولو قبلنا بهذه المقولة الظالمة لكنا مثل أولئك الفاشيين والعنصريين الذين قالوا: ألمانيا فوق الجميع. وإيطاليا فوق الجميع، ولعلنا نعرف ونمارس المقولة الجميلة: من تواضع لله رفعه. نحن لا نحتقر أحداً ولا نظن أننا فوق أحد، لأننا جميعاً نؤمن بما جاء في القرآن: ولقد كرمنا بني آدم، ونؤمن أيضاً بما جاء فيه ‘بل أنتم بشر ممن خلق’ ونؤمن بما جاء فيه: إن أكرمكم عندالله أتقاكم’. ليتنا كنا النموذج بين الثورات العربية واستمراريتها، وليتنا كنا النموذج الحضاري أمام العالم، ويا ليت العالم هو الذي قال عن دستورنا وعنّا: ‘أعظم دستور لأعظم شعب’.
نحن لا نزال نمد أيدينا بل نستميت لكي نحصل على قرض من صندوق النقد الدولي، رغم أنني قرأت في مقال الأستاذ الدكتور صلاح الدين سلطان في جريدة ‘الحرية والعدالة’ يوم الأربعاء أول مايو 2013، عندما تعرض لإنجازات الرئيس العديدة، التي أوجزها في 18 بنداً، بعضها لا يزال أمنيات، قرأت ما نصه ‘ولأول مرة يزور الرئيس في 9 أشهر 15 دولة، لم يرجع في واحدة منها بخفي حنين! فألغيت ديون مصر لدى إيطاليا، وهي تزيد عن 20 مليار دولار، وتستثمر قطر 18 ملياراً في مصر، والسعودية 2 مليار، وتركيا بما يزيد عن 5 مليارات. وبدأت الصين والهند باستثمارات تزيد عن 10 مليارات. وحصلت (مصر) على 2 مليون فدان من السودان للاكتفاء الغذائي و2 مليون متر مربع منطقة صناعية مصرية لدى شقيقتها السودان، واستعادت مصر 11 ملياراً من الأموال المنهوبة، بما يعني أن فوائد هذه الزيارات قد زادت عن 50 ملياراً من الدولارات من المكاسب لمصر، في الوقت الذي تراجعت فيه مصاريف وبدلات السفر، حتى تكاد تصل إلى الصفر’.
ثم يواصل الدكتور سلطان تعداد الانجازات فيقول: ‘ولأول مرة استطاع الرئيس مرسي انتزاع اتفاق مع شركة سامسونج العالمية بإنشاء أول مصنع في الشرق الأوسط لصناعة الإلكترونيات بإجمالي استثمارات 9 مليارات جنيه بمحافظة بني سويف’ طبعاً الانتزاع يحتاج إلى قوة!
نسي د. صلاح سلطان أن يضيف إلى تلك المبالغ والإنجازات القرض الليبي طبعاً إذا كانت القروض إنجازاً. والسؤال الذي يطرح نفسه، إذا استطاع الرئيس (ولأول مرة) أن يؤمن كل هذه الاستثمارات واسترداد هذه المبالغ، وألغى ديون إيطاليا على مصر التي كانت تزيد على 20 مليار دولار، فلماذا لا نزال بحاجة إلى قرض الصندوق؟ وهي قروض مدعاة للمذلة، فضلاً عن إغضاب الله تعالى وإغضاب رسوله صلى الله عليه وسلم الذي علمنا: أن اليد العليا خير من اليد السفلى؟ وأخشى أن نرى الوهم إنجازاً نفرح به، ونرى الفشل باديا للعيان ولا نعالجه، لأننا نغمض أعيننا وأسماعنا بل وعقولنا عن المصلحة العامة للوطن. ونحسب بعض الإنجازات بطريقة خاطئة أو نعتبر الآمال والطموحات إنجازاً، ونغض الطرف عن السلبيات العديدة. والمنهج الصحيح هو’ فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره’.
طبعاً هناك مشكلة أخرى تنخر في المجتمع تماماً من دون اهتمام من أحد من المسؤولين، بل إن بعضهم مشارك بفعالية في تلك المشكلة ليكون قريباً من المؤسسات والشخصيات الغربية المؤثرة في مصر وفي مقدمتها السفارة الأمريكية، والسفيرة آن باترسون: تلك المشكلة التي تسري كالنار في الهشيم وكالماء تحت التبن-كما يقول المصريون- هي مشكلة نوادي الروتاري على اختلاف أنواعها – ويلحق بهذه المشكلة ما قالته سيدة مصرية إلى السفيرة آن باترسون في حفل من تلك الحفلات في نادي الجزيرة مؤخراً ‘أنتم اتفقتم مع نظام فاشي ضد المرأة والأقباط والأقليات وضد الأطفال’. تقصد النظام الحالي والحكومة القائمة في مصر. أنا متأكد أن السفيرة الأمريكية، رغم سرعة مغادرتها الحفل كانت سعيدة بأن يسري هذا الكلام في المجتمع، لأنه من عوامل التدخل الأمريكي في البلاد وتدميرها، فضلاً عن الاتهام بالعجز في مواجهة الإرهاب. وهو السيناريو الرابع الذي تحدثت عنه من قبل، وهو الأسوأ لمصر لو استمرت الأمور تسير في هذا الطريق.
الأمريكان أيها القارئ العزيز لهم مصالح واضحة ومحددة ويمكن تلخيصها في مصالح للأمريكان مباشرة، مثل المواد الخام والمواقع الاستراتيجية ومواجهة كل ما يحتمل أن يهدد الأمن القومي الأمريكي، حسبما تراه أمريكا لتضمن أمريكا مجتمع الرفاهية والقوة والهيمنة. وهناك من تلك المصالح ما يتعلق بالحفاظ على أمن إسرائيل ونمائها وتــــقدمها، بحيث تظل الكيان الأقوى في المنطقة. كما أن أمريكا تربــــط بين عـــدة قضايا اليوم، قرض صندوق النقد الدولي لمصر رغم المناقشات الساخنة حوله في الكونغرس، والقضية السورية وموعد الانتهاء منها على الطريقة الأمريكية، مما قد يستلزم ترويض الروس وهو مضمون مهما طال الوقت، فقد تعلم الروس الدرس في أفغانستان، وأيضاً هناك مستقبل فلسطين في ضوء يهودية الدولة (دولة الاحتلال).
ترى الباحثة الأمريكية ميشيل ديوان- مديرة مركز الحريري للشرق الأوسط في أمريكا، وهي من أصحاب الخبرة الطويلة في العمل الدبلوماسي والاستخبارات: أن مصر في وضع اقتصادي خطير، وان الإخوان مع وجود مرسي في السلطة يرتكبون أخطاء فادحة، تجسد أبرزها في عملية وضع الدستور، وإقصاء جميع القوى السياسية وفصائل المجتمع المختلفة’.
أما الأزمة الثانية التي تؤثر سلباً على الاقتصاد فهي الأمن كما تقول ميشيل ديوان، التي تعتبرها أزمة مزدوجة، فمن جهة عامة الشعب لا يشعر بالثقة تجاه الشرطة، وفي الوقت نفسه الشرطة لا تشعر بالدعم لتمارس عملها، أما مشكلة الإخوان، كما تقول ميشيل، فهي أن الإخوان يمارسون السياسة حتى الآن كأنها معارضة ومصابون ببارانويا الاضطهاد، ويقولون نحن مضطهدون والجميع ضدنا، وهم جميعاً خائفون من العودة للسجن’.
قرأت في بعض الصحف المصرية، خصوصاً ‘الحرية والعدالة’، يوم الخميس 2 مايو 2013، خبرين مثيرين أحدهما في صفحة 10 نقلاً عن ‘النيويورك تايمز’ يتعلق بدفع أمريكا ملايين الدولارات إلى كرزاي وغيره عن طريق جهاز المخابرات المركزية الأمريكية لشراء الولاءات في أفغانستان. ماذا ستفعل أمريكا في مصر، وكم ستدفع لشراء الولاءات وأين ستجدهم، ومصر أهم بكثير دولياً عن أفغانستان. درس يجب أن نتعلمه، استطاعت أمريكا أن تفرغ الجهاد الأفغاني من بعض محتواه وأتت بكرزاي ليحكم أفغانستان. كم كرزاي الآن قد أعدتهم وتعدهم أمريكا لتفرغ بهم قضايانا وثوراتنا من مضمونها. أرجو أن أكون واهماً، وأن تكون أمريكا مظلومة.
والخبر الثاني في صفحة (4) عن حبس المتهم الرئيس- عودة طلب إبراهيم- في شبكة التجسس الاسرائيلية. ومن أخطر ما نقل من أقوال المتهم ان الموساد الاسرائيلي طلب منه شراء صواريخ من النوعية التي تستخدمها حماس في ضرب المواقع الاسرائيلية. ألا يكون هذا الذي اكتشف غير ما لم يكتشف- سبباً قويا لإلغاء معاهدة كامب ديفيد؟ كيف تقدم إسرائيل على تجنيد مصريين من ضعاف النفوس، وأمام إغراءات المادة يضعف هؤلاء ثم يجدون أنفسهم عملاء للموساد الاسرائيلي ويشتركون في عمل خسيس لاتهام حماس؟
هذا فضلاً عن الانفلات الأمني المستمر، وضعف سلطتي التشريع والرقابة، وفعالية بعض أجهزة الإعلام المباركية، وحاجة الوطن إلى تطهير كل ما يحتاج إلى تطهير، وتنفيذ الوعود التي وعد مرسي بها الشعب.

‘ كاتب مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية