من اصل مجري ومشغول بالتصدي للاجانب: ساركـوزي والهـوية الفرنسـية؟
عبد الله كرمونمن اصل مجري ومشغول بالتصدي للاجانب: ساركـوزي والهـوية الفرنسـية؟ النزق والعصبية سمتان تغلّفان كل ديماغوجية وزير الداخلية الفرنسي (المنصـــــب الذي سيشغله حتي السادس والعشرين من آذار (مارس) الجاري كي يخلفه فرنسوا بروان) والمرشح للانتخابات الرئاســـــية لهذا العام، في سبيل وصولية جلية مقصديتها: الوصــــــول إلي السلطة واستفاء حقوق مغص نفساني قلق في عمقه، طالما نحت حروفه البارزة كل الذين قالوا شيئا عن شخصيته.وهو من أصل مجري تغني مرارا بشعارات من قبيل تحيا فرنسا ، من أجل الديمقراطية و في سبيل الشفافية ، شعارات ليس قط جديدا أن تلوكها أفواه غيره من الساسة قبله، سواء في فرنسا أو في غيرها من دول العالم.قبل أيام عثر لسانه، وللمليون مرة، ما ليس يمكن اعتباره زلة يسيرة، وتحدث في إطار برنامجه المفترض تطبيقه إذا ما انتخب لرئاسة جمهورية فرنسا عن نيته في إحداث وزارة تتكفل بالهجرة والهوية الوطنية. المثير في الأمر أمران: قوله أولا بضرورة إنشاء وزارة للهوية الوطنية! ثانيهما، وهو الأدهي، دون أن نهيّن شأن الأول، هو لما عمد في صياغته إلي ربط الهجرة بالهوية الوطنية.ساركوزي هذا لا يمتلك أية ميزة تليق برجل سياسي (بالمعني الإيجابي)، بل شاءت صدف كثيرة ومختلفة أن ينهي دراسته ويخالط منذ مراهقته الأولي الوسط السياسي ويضطلع أكثر من ذلك بمهام في لجنة مساندة جاك شيراك آنذاك. ثمة معارف له يعضدونه كي يصل إضافة إلي جرأة فادحة ليضع الرجل العصبي بيقين هش وبدهاء مزمن قدمه في ميدان النياشين.منذ أن غادر وزارة المالية كي يعود إلي الكنف الذي يوائم أكثر شخصيته المتعطشة إلي القمع ويظل علي وفاق مع مطالب الفئة الاجتماعية وبالتالي السياسية التي ينتمي إليها ويعبر مشروعه السياسي عن تطلعاتها: كنفُ الداخلية، بما تعنيه من انطواء مكثف علي كل ترسانة الاستخبارات واستراق السمع إلي حيوات الناس جميعا وخاصة القمع، وإدارة جهاز القمع هذا أي الأمن ، يا لها من مفارقة أن تسمي الرأسمالية في العالم أجمع جهازا لا يمت بصلة إلي الأمن والأمان بجهاز الأمن! لا تكمن السذاجة في سؤالي الاستنكاري هذا، لأن ذلك الأمن كما يدرك الجميع مرهون لأمن الذين يتواجدون فوق ويتحكمون في أمن وأمان وأعناق الناس كلهم!لما تَحدثَ عن أمر الهوية الوطنية، لامه الجميع وبكثافة عن منزلقه، غير أن الملفت للنظر، وهو مرة أخري أمر عادي لدي أشخاص عصبيين مثله، عاد كي يؤكد فداحاته مرة أخري. يحاول أن يبرر ويتشنج وتَحدثُ كل فصول السنة علي صفيحة وجهه، وهو يعلن: إذا كانت الهوية الوطنية كلمة بذيئة… ، إنها كلمة بذيئة في فِِيهِ! ومن في فيه ماء لا يتكلم !أو كأن يقول إذا لم يتحدث المرشح لرئاسة الجمهورية عن فرنسا وهويتها فليدع أمر الجمهورية جنبا. خطابه كله ديماغوجية ملتفة في حبات بصل تشملها بصلة واحدة. فما الذي قدّم للهوية وللجمهورية اللتين ليستا سوي كلمتين مسمرتان علي طرف لسانه؟ لا شيء سوي الكوارث!. وإذا وصل إلي الحكم فعلي النزر المتبقي السلام!كل همه إذن هو التصدي للأجانب، خاصة منهم الأفارقة (الذين يجيئون من تلك القارة بكل أبعادها الجغرافية)، وتاريخه المحدود في مجال السياسة الفرنســـــية يؤكد ذلك. وحقيق أنه يحز في النفس ونــــحن نتابع يوما عن يوم منعطفات السياسة الفرنسية دون أن يكون بوسعنا فعل أي شيء، دون حتي أن نقــــدر أن نرفع أصوات استنكار أو حتي أن نلوح كل مرة ببيانات توضيــــح ودون أن يكون لنا حق تألم علي واقعة فظيـــــعة: انتصار الهمجية!سأحاول بنوع من الإيجاز أن أثير بعض مواقع الخلل في تفشي أسلوب الديماغوجية في تعامل رجال السياسة الفرنسيين، خاصة منهم ساركوزي الذي أركز عليه هنا، مع الظواهر السياسية واستغلال سياسي خسيس لأبسط وقائع اليومي في بلد شديد التعقيد علي المستويات الاجتماعية والثقافية والسياسية، مركزا علي بعضها قدر الإمكان.لن أبدأ من نقطة البدء لأنني لست بصدد بحث تاريخي أو تأريخي، ولكنني سوف أحاول أن أشير أولا أن الإعلام قد تبوأ مكانة السلطة الثانية بالفعل بعد مكانة الدولة بأجهزتها سواء في الداخلية أو في الوزارة الأولي. يحدث ذلك إبان الحملة الانتخابية الرئاسية السالفة لما راج كثيرا خطاب مسألة انعدام الأمن في البلاد وقامت كل وسائل الإعلام علي النفخ في الموضوع، وجال الكل وصال حسب صبغة خطابه في ذلك الشأن، ولم تخل حينها أية جريدة يومية في كل أعدادها من إثارة الأمن ، كما أن التلفزة، بأن تخفي ما تري وتري ما تخفي كما قال بورديو، عكفت حينها علي برمجة كثير من الريبورتاجات حول الضواحي وحول الشباب ذوي الأصول الأفريقية بما فيها بلاد شمالها، مثيرة جوانب الطيش وبعض التصرفات المخلة بالنظام الطبيعي، ما جعل حينها فرنسا تكون بأجمعها علي علم لأول مرة بتلك الحدة بأن ثمة علي أرضها أناس غير مرغوب فيهم وبأنهم هم أصل كل الفساد وكل الخلل الذي يعاني منه المجتمع، وذلك عوض الإنكباب علي المعضلات الحقيقية التي تنخر الجسد المتبقي من عجينة الثورة .ولما كانت تلك البرامج التلفزية عازمة علي إيصال خطابها في تلك الظرفية بعينها وذلك الخطاب بعينه فإنها ساهمت هي أيضا بالإضافة لما كان من نتائج الخلخلة التي مست نظرة الناس في الغرب إلي الأشياء منذ تفجيرات ايلول (سبتمبر) بأمريكا، في تأليب الرأي العام، وصنعت فوز اليمين والفوز الجزئي لليمين المتطرف، وفُتح الباب الذي سبق أن فتح قبل ذلك بكثير لاضمحلال الإرث الإنساني للثورة الفرنسية.نادرا ما لا نصادف تظاهرات تشق الشوارع الباريسية الكبري، وقد لا يدل هذا الأمر إلا في السطح علي إمكان وجود حرية التعبير بقدر ما يدل دون نفي الأول بالمرة، وإن كانت أهمية الثاني أعلي كل ريب، هو أن كثرة التظاهرات دليل أول علي استياء عام وشامل من سياسة الحكومة الفرنسية وانشغال عناصرها بتشبث حاد بمناصبهم وبسلطة كراسيهم وبهرولة كثير منهم نحو قصر الإليزي قبل الأوان، أكثر من اهتمامهم الجدي بخطورة المشاكل التي انزلق فيها البلد ولم يعد يتبقي من القيم التي لا يفتأ رجال السياسة يلوكونها سوي ما يقارب العلك!ماذا يعني إذن أن تنوجد في بلد يراد له أنه ديموقراطي وموطن حقوق الإنسان وحامل شعار العدالة والأخوة، تلك الجحور المظلمة الرطبة والتي يسمونها مراكز الاعتقال المؤقتة والتي تنعدم فيها أدني الشروط الكفيلة بإنسان خاصة وأنها ليست سجونا وجُرم المحتجزين فيها، دون أحكام صادرة من العدالة، أظن أن من الظلم الأقسي أن نعاقب أصحابه كذلك، أنهم لا يمتلكون أوراقا تؤكد شرعية إقامتهم علي أرض فرنسا، وفي انتظار ترحيلهم إلي أوطانهم الأصلية، التي جاؤوا منها رغبة في إيجاد فرصة أخري لعيش أفضل، غير أنهم للأســـــف يسقطون في أعتي الأيدي، وتؤكد تجربتهم أن إرث الثورة قد وقع في أيد غير أمينة. إن الكذب الذي نُصفع به يوميا سواء عن طريق الإعلام أو من خلال تصريحات المسؤولين الرسمية يحاول أن يزيحنا عن الإطلاع علي كل المجريات البئيسة لمسلسل القهقري الذي ما يزال يشق طريقه، لست أدري هل إلي همجية بلا نظير أم قبل ذلك إلي حرب أهلية دموية، لكن علي المدي البعيد.هذه الجحور التي يترك فيها المحجوزون بدون طعام وبدون غسل ولا غطاء لأيام لهي شاهدة علي عظمة فرنسا وبهجة أنوارها في الليل! كما أن الذين قالوا قبل سنوات بضرورة التعجيل بغلقها، بماذا سوف يمكن أن نصف أقوالهم ما دامت لطخات العار هذه ما تزال موجودة؟ خاصة أفظعها بمدينة نانتير غير بعيد عن باريس، ثمة حيث انطلق الغضب الطلابي ولكن في 1968! هل سنصدق اليوم أيضا أهل العدالة الذين أكدوا مرة أخري ضرورة غلقها؟ ألن تفتح أخري؟ أليس المشكل كامنا في النظام؟قد لا ينسي التاريخ أيضا الفندق الذي التهمته ألسنة اللهب في إحدي ليالي رَبيعٍ، تفصلنا عنه سنتان، في قلب باريس غير بعيد عن دار الأوبرا وعن متاجر لافاييت الشهيرة. الفندق الذي يؤوي أفارقة ذوي لجوء سياسي وغيرهم. يحترق فندق آخر في مكان آخر، وتحترق مساكن مهاجرين وتحترق مساكن ليست آيلة إلي السقوط ولكنها غير متوفرة علي الشروط اللازمة في مسكن كريم سواء علي مستوي التجهيزات الكهربائية العشوائية والمشكّلة فعلا لخطر دائم أو سواء علي مستوي النظافة أو حتي علي كونها في الغالب ليست مساكن كراء وإنما في البعض منها هي مجرد غرف مداهمة لا يوجد من سيضطلع بمهام ترميمها وتجهيزها بما يلزم كما أنها تشكل أحيانا نشازا وسط بنايات جميلة!علي كل فبيت القصيد في هذا الأمر يكمن كذلك في عدم تحمل الدولة مسؤوليتها كاملة في مجال السكن ولا تتحمل كل البلديات نصيبها من مهمات الترميم وتوفير الظروف اللازمة لسكن لائق، وإنما تتهاون في ذلك منــــتظرة أن تسقط العمارة لوحدها لتــرحّل ساكنتها وتنشئ أخري علي أنقاضها.إن لعبة النار لتذكر الشاهد بحرق الأسواق الشعبية بالمغرب مثلا، لم يمض سوي وقت قصير حتي تم حرق عدد منها. ولكي يحصد الساسة غلتهم ينبري ساركوزي هذا ليؤكد ضرورة إحصاء وإخلاء كل المحلات السكنية التي لا تتوفر فيها الشروط اللازمة ما يعنـــي أكثر مما يعني في العمق هو تشريد عائلات كثيرة والقبض علي الذين لا يتوفرون علي تأشيرات إقامة، ما كان بالفعل هدف الوزير أولا قبل كل شيء. ولقد شاهدنا حينها كثيرا من عمليات مداهمة السكان في عز الليل من قبل قوات التدخل الشرسة؛ إحدي الفصول الأكثر همجية أيضا في مسرحية الجمهورية الفرنسية !في نفس الظرفية أيضا لم ينثن ساركوزي دون أن يتبجح أمام الملأ بخطته في ترحيل رقم قياسي من المهاجرين غير الشرعيين. وأكد ضرورة تحقيق رقم قياسي كل سنة وشكل بعد ذلك فريقين جديدين من الشرطة: واحد يختص بمراقبة الحدود ويتعاون مع الجمارك والثاني يأخذ علي عاتقه كل الخروقات القانونية المتعلقة بمجال الشغل غير المرخص به. وهكذا شدد الوزير قبضته علي تلك الفئة من الأشخاص المهمشين والذين يعانون من كل الضغوطات والإهانات إضافة إلي عملية استغلالهم في مجال العمل مرغمين علي الرضوخ إليها مجردين من كل حقوقهم كأناس لهم حقهم في العيش الكريم.لقد مُنح المسؤولون كل الحق كي يقولوا ما يشاءون، دون أن ندري من منحهم إياه، حتي أن ساركوزي هذا سولت له نفسه أن يخاطب أهل ضاحية سين سان دوني بالأوباش، إضافة إلي تسلط قوات الأمن علي سكان تلك الناحية وغيرها خاصة من أبناء المهاجرين، بأن يتعرضوا يوميا لتعقب الشرطة لهم ولطقوس التفتيش الدائمة سواء كانوا راجلين أو وراء مقود سياراتهم. غير أن موت الطفلين اللذين تعقبتهما الشرطة، (وقد تمت محاكمة بعضهم مؤخرا بتهمة عدم إنقاذ شخص في خطر) وتسللا إلي محطة ضخ كهربائية خطيرة خوفا منهم، قد فجر ثمة غضبا هائلا كانت سمة تعبيره الهامة هي الحرق والمواجهة مع قوات التدخل. لقد أسفر الأمر عن اعتقالات تعسفية في الغالب وتمت إقامة محاكمات صورية ومعاقبة عائلات من نسبت إليهم عمليات التخريب، ما كان بالنسبة لقوات الأمن تحديا تم رفعه في نظرهم بكل الشراسة اللازمة. غير أن الأمر يخبئ في العمق إشكالا جوهريا وبنيويا إذ أن هؤلاء الشباب الغاضبين ليسوا سوي فرنسيين وإن كان فرنسيو الدم يضيفون بأنهم بالولادة فقط وليس بالدم. ما يشير بأن فرنسا في هذا الشأن وبشهادة المعنيين لا ترغب في جزء من أبنائها، والدليل علي ذلك كل المشاكل التي تعترض أي محمد أو علي أو مظلوم يرغب في الشغل ولو حتي بعد حصوله علي شواهد كفاءة في مجال أو في آخر. هنا أيضا وُضعت قيمتا الأخوة والعدالة موضع شك في مصداقية انطباق الشعار علي الواقعي.كل هذا الجرد كي نؤطر حديث ساركوزي عن الهوية الوطنية التي يري أنها ستضمحل متي لم يكن الساسة وهو أولهم صارما بل مخلا بكل إنسانية في تتبع أنفاس كل الأجانب بما فيهم الفرنسيون الذين لهم أجداد آخرون من غير الغال. فرامبو قد ورث عن أجداده الغال العين الزرقاء والدم الفاسد كما كتب بنفسه لكـــــن في سياق آخر يمكن أن نستعير دلالاته كي تنصــب في السياق الذي يشغلنا اللحظة! يريد ساركوزي أن يصل إلي الحكم، غير أنه كلما حاول أن يصير ذكيا إلا وتسدر في دركات الغباء. ثمة أمر غير بعيد وقوعه، ذلك أن دراجة نارية في ملك ابنه قد سُرقت. السرقة ليست حديثة العهد أبدا، ولست أقدم خبرا جديدا أن أقول هذا. غير أن ساركوزي هذا قد لف كل حشمه (البوليس الفرنسي) كي يقبضوا علي الجاني. ثمة وسائل تستعمل في أمور جنائية عظمي مثل القتل، مثل تحليل الذاكرة الجينية، تستعمل بعدما تم العثور علي الدراجة في ظرف زمني يسير، كي يتم العثور علي المعتدي علي ابن الأب الروحي لسلطات القمع الفرنسية ساركوزي. ماذا يعني هذا الأمر؟ كم من المواطنين الفقراء سُرقوا وسجلت السرقة ضد مجهول وإلي الأبد. أي حق هذا وأية ديمقراطية؟ رحماك يا ثورة ويا جمهورية! دَنسٌ حاليٌّ لدماء الذين أسسوها وأريقت دماؤهم في سبيلها! يا لهذه الفظاعة!مؤخرا اشتكي قضاة كثيرون أن تكون إجراءات البوليس في أمر إعداد الملفات الجنحية والجنائية قد تخللتها خروقات قانونية عظمي. همّ البوليس وقائدهم السامي الذي يعبدونه مثل إله هو القبض، بسبب أو بآخر، علي أجنبي، سواء سمح القانون بذلك أم لا. إضافة إلي كل الممارسات الوحشية التي يتم التعامل بها مع المعتقلين، لسبب أو لآخر، من قبيل البصق في صحنه أو المس بحرمة جسده أو الضرب والسب والإهانة الجسدية والأخلاقية. دون أن أتحدث عن أحوال السجن الفرنسي الذي يشكل استعادة قروسطوية لطبيعة السجن. علي النُّوم أن يستيقظوا ما دامت قولة الشاعر ليست سوي تهكم لما قال: ما فاز إلا النُّوَّمُ!علي كل حال، يبدو أن ساركوزي قد تأصل في مضمار الشرطة حتي أنه لم يفتأ يزين صدور رجاله بالميداليات والنياشين، تشجيعا لهم علي تقدمهم في مهمتهم القمعية الأساس، إضافة إلي كل دعمه المادي والمعنوي لحشوده كل مرة. رغم أن الإحصائيات قد أكدت بشكل لا داعي لأن يصل إليها أي شك أن شكاوي ومظالم الناس ضد أجهزة البوليس تزداد بشكل مثير. لم تتراجع الجريمة بل استفحلت علاقة الشرطة بالناس. صحيح أن رجال البوليس الذين يقف ساركوزي هذا علي رأسهم قد تسلطوا علي الناس بشكل سافر وكأن كل الحقوق قد اجتمعت في أيديهم بنفحة ريح ساحرة من زعيمهم الأكبر!خطر أفدح يحيق إذن بفرنسا، ليس البتة سوي تراجعها البات عن كل إرث القرون السالفة. ليست الجمهورية إذن هي هي، وإن استعمرت في السابق شعوبا كثيرة وأتت جرائم فظيعة ولاإنسانية في حق الجزائر والمغرب وساهمت بالتالي في جرائم إبادة مثل رواندا وأشعلت فتيل النار في الكود إيفوار (ساحل العاج) مثلما تزال في مستعمرات أخري في عدة جزر وفي كاليدونيا الجديدة، فهل يليق بجمهورية تحمل قيم الإنسانية أن تبقي علي همجية مثل ذلك؟ رأينا إذن ما حدث في خارج أسوار فرنسا هذه القلعة التي انطلق كل ذلك الغزو فكيف نعجب أن تأتي أفظع من ذلك داخل أسوارها ضد أبنائها؟ الهوية الوطنية إذن في خطر بسبب الهجرة في الوقت الذي ساهمت نفس الهجرة في زمن سابق في بناء فرنسا بعد خرائب الحرب وهرم ساكنة فرنسا بموت شبانها في حرب امبريالية كان الشعب وقودها والخاسر الأكبر فيها. نعم، إذا كان هم ساركوزي هذا هو بناء مجده الشخصي فإن بلدا مثل فرنسا قد يثقل المركب بفداحاته السابقة والحالية متي انضاف إلي ثقلها كل التهور الذي ينضح به إناء هذا الرجل القصير النظر!إذا كان ساركوزي بخطته تلك يرغب أن يؤسس لمشروعية خطابه في المجال السياسي ويذر الرماد في العيون كما يقال فإن التاريخ طويل. وفرز صناديق الاقتراع للانتخابات الآتية سوف تجيء ربما بمفاجآت أو كوارث. فإذا كان اليسار عاجزا عن تقديم مرشح قوي ذي برنامج مقنع وكان بايرو يتراوح بين يمين ويسار ما ليس البتـــة ممكنا حتي بمنطق هندسي محض فإن لوبين شيخ وطنـــــية رثة ليس يربح أقل ما يفقد مع العلم أن غالبيــــة من الفرنسيـــين ليس يمثلهم غيره في رؤيتهم للأشياء. هل يصدق عـــراف أبي تمام ما بين نضج التين والعنب، أم السيف أصدق أنباء من الكتب؟ من يدري؟ہ كاتب من المغرب[email protected]