آرام طحان سجل مراقبون تابعون لمنظمات المجتمع المدني خلال الفترة الماضية، تورطاً مباشراً لاتحاد طلبة سورية في قمع الاحتجاجات المندلعة في البلاد، ولعل هذا الاتحاد الذي اقتصر دوره في الماضي ـ إلى جانب بقية مؤسسات حزب البعث ـ على حشد الطلبة في مسيرات التمجيد والتأييد الجماهيري، تغيرت مهمته اليوم حيث بات أداة فاعلة لرفد الذراع الأمني الثالث في نظام الأسد المعروف ‘الشبيحة’ بعناصر إضافية تساهم في قمع الاحتجاجات. المنبع الأصيل للشبيحة كما هو معروف يأتي من جمعية المرتضى والتي تشير المصادر القليلة المتداولة سراً وشفاهاً أنها جمعية طائفية أسسها أوائل الثمانينيات جميل الأسد أخ الدكتاتور السابق حافظ الأسد بهدف تحويل أبناء المناطق الفقيرة من الفلاحين والبدو إلى الطائفة العلوية لزيادة القاعدة الديموغرافية المؤيدة للأسرة الحاكمة التي تنتسب لذات الطائفة، وقد أمدت هذه الجمعية منتسبيها بشتى أنواع الامتيازات من السلاح إلى السيارات الحديثة والشقق إلى التسهيلات في التوظيف والعمل وغيرها، وتحوّل أفرادها بعد حل الجمعية ـ نتيجة تأييد مؤسسها للمحاولة الانقلابية لرفعت الأسد (الأخ الآخر للأسد) أواسط الثمانينات ـ تحولوا إلى العمل التجاري بأسوأ صوره.
اكتسب الشبيحة صيتاً واسعاً في سورية قبل وصول بشار الأسد للحكم، بسبب ميلهم الاستثنائي للعنف والتسلط والابتزاز، واتخاذهم هيئة مميزة عن غيرهم من سكان القرى الجبلية (الذقن السوداء الطويلة والشعر القصير والملابس الداكنة). وقد عوملوا باعتبارهم خدم مزرعة الأسد الأب، لكن ‘كلب الأمير أمير’ كما يقول المثل الشعبي، وكان سيدهم يرمي إليهم بالفتات متغاضياً عن نشاطاتهم في عمليات تهريب المخدرات والدخان وغيرها من الممنوعات، وكان عليهم بالمقابل المساهمة في رسم الهالة الإلهية ‘للقائد الرمز’ بالترهيب والابتزاز والسلاح، ومع الوقت استطاع الأسد الابن إدخال تعديلات شكلية على هذه العصابة، ليصبح كالسيد الذي يغير ‘الملابس الموحدة لخدم منزله مع احتفاظهم بذات المهام’. على الطرف الآخر يمكن للمتابع للشأن السوري أن يلاحظ انضمام أذرع جديدة لعصابات الشبيحة التي يقودها الأسد اليوم، أبرزها الاتحاد الوطني لطلبة سورية، الذي بات يطلق عليه تهكماً ‘الاتحاد الوطني لشبيحة الأسد’. خرج اتحاد الطلبة السوريين إلى النور عام 1950، باعتباره منظمة تابعة لحزب البعث، وترأس حافظ الأسد مؤتمره الأول، واعتُبر لاحقاً مؤسس هذه المنظمة كما غيرها من المنظمات والمؤسسات المدنية، باعتباره المؤسس الكلّي للدولة، وظل الأسد الأب يحمل لهذه المنظمة الكثير من الامتنان، حيث شغل فيها منصبه السياسي الأول قبل أن يتدرج على سلم المناصب وصولاً إلى منصب رئيس الجمهورية. لكن اتحاد طلبة سورية التابع لحزب البعث ليس إلا واحداً ضمن سلسلة من المنظمات التي تكفل ‘تدجين’ المواطن السوري منذ الصغر ليصبح عبداً مطيعاً لسياسة الحزب والرئيس القائد. يبدأ تخريب الطالب ‘عقائدياً وإيديولوجياً’ منذ المدرسة الابتدائية، وتتكفل منظمة ‘طلائع البعث’ بمهمة جعل الرئيس بمثابة الأب الروحي لجميع التلاميذ في الصفوف الأولى، تغنى له الأناشيد، وتنظم فيه قصائد الطفولة. في المرحلة الإعدادية والثانوية، تتولى منظمة ‘شبيبة الثورة’ مهمة الإعداد الحزبي لرجال المستقبل، حيث تهتم بتأهيلهم عقائدياً وفكرياً. عندما يتحول الطالب إلى الجامعة، يصبح تلقائياً ـ كما الحال المنظمات السابقة ـ عضواً في ‘اتحاد طلبة سورية’ هناك حيث تنصبّ نشاطات المنظمة بمجملها على أداء فروض التقديس الأعمى للقائد، الذي تحول من موقع الأب الذي شغله حافظ الأسد لمدة ثلاثين عاماً، إلى موقع الأخ الذي يشغله حالياً بشار الأسد. لكن ما الذي يدفع ‘بعض’ طلاب الجامعة ـ الذين يفترض بهم أن يكونوا نخبة المجتمع ـ إلى التحول إلى هذه المرتبة المنحطة من السلوك، أقصد التشبيح؟
تقوم سياسة الدولة الأمنية في سورية على قطبين رئيسيين هما: الترهيب والترغيب، لكنهما ليسا بذات المرتبة، فالترهيب دائم وحاضر دوماً بينما الترغيب استثنائي وتحت ضغط الضرورة، ويمكن تلمس ذلك جلياً في سلوك النظام نحو الانتفاضة في سورية، حيث الترهيب هو القاعدة المتمثلة بالحل الأمني، والترغيب هو الاستثناء المتمثل بقرارات الإصلاح السطحي ـ التي تبدو أقرب ما تكون إلى شراء الذمم منها إلى الإصلاحات ـ كرفع الرواتب وتخفيض سعر الوقود. وفق هذين المبدأين يمكن قراءة سلوك النظام على مدى 40 عاماً، ويمكن قراءة سياسته بتحويل الطلبة الجامعيين إلى شبيحة. فخلال السنوات الماضية حوّل حزب البعث اتحاد الطلبة إلى ‘فرع أمن غير معلن’ مسؤول عن شؤون الطلاب الجامعيين، الذي يشكلون شريحة مؤثرة وهامة في مجتمع فتي، واستطاع عمار ساعاتي رئيس الاتحاد ـ بالانتخاب!! ـ منذ عشر سنوات تقريباً، استثمار الاتحاد لصالح المؤسسة الأمنية والحزبية بصورة مؤثرة، ثبتته على عرش هذه المنظمة سنة بعد أخرى، إضافة إلى علاقته الشخصية مع أسرة الأسد الحاكمة. لقد استطاع الساعاتي استمالة شريحة لا بأس بها من الطلاب تحت عناوين مختلفة، تبدأ في المعسكرات الطلابية، مروراً بصحف الاتحاد ونشاطاته الرياضية والثقافية والفنية، وصولاً إلى عروض التوظيف والعمل في الاتحاد التي يمنح بموجبها الطالب في مرتبة متقدمة مكتباً خاصاً وسيارة وراتباً شهرياً. وبالطبع كل ذلك تحت عنوان ‘نحن الوحيدون ونحن الأفضل’، وهو ذات الشعار الذي يطغى على عقلية الأسرة الحاكمة. سيّر اتحاد الطلبة في أوقات ‘السلم’ المسيرات المؤيدة للرئيس، وأقام الخطب الجماهيرية وخيام التأييد، وأنفق الملايين على حفلات الاحتفال بالقائد الشاب، الذي تولى الحكم وهو يبلغ 34 عاماً من العمر!
، أي ليس أكبر بكثير من عمر طلاب الجامعات. لكن مهمة الاتحاد في فترة ‘الحرب’ أو الانتفاضة شابها شيء من التغيير، حيث لم تعد مقتصرة على مظاهر ‘القوة الناعمة’ بل بدأت قياداته الأمنية تمد الطلبة بأدوات القتل، ليس بالمعنى اللغوي وحسب ولكن بالمعنى الفعلي. لقد شهدت الانتفاضة السورية ومنذ آذار مواقف متعددة ساهم فيها ‘شبيحة’ الاتحاد بقمع المظاهرات، حيث تم تزويدهم بعصي كهربائية، وهراوات من أجل المساعدة في تفريق الاحتجاجات، كما زودوا بإسوارات ذات لون خاص يضعونها في معاصمهم من أجل أن يميزهم رجال الأمن عندما يتغلغلون داخل المظاهرات فلا يقومون بالاعتداء عليهم عن طريق الخطأ، واستفاد الأمن من قدرتهم على ‘الاندساس’ بحرية وسرعة وسهولة في صفوف الطلاب الجامعيين. كما تم تزويد بعضهم ـ من النخبة ـ بأسلحة فردية كالمسدسات، وبدأ بعضهم يتلقى تدريباً على أيدي رجال الأمن للمساهمة المؤثرة في قمع الاحتجاجات، خاصة تلك التي تنشأ في صفوف الطلاب أو في الجامعات. إن عملية الأدلجة الممنهجة التي طبقها البعث طوال 40 عام في سورية لمختلف قطاعات المجتمع، هدفت بصورة أو بأخرى إلى إنتاج نسخ طبق الأصل عن النظام الحاكم نفسه، هذه النسخ عكست للعالم يوماً بعد يوم وجه النظام الحقيقي ‘وجه الشبيح’، لكن إلى متى ستصمد قباحة النظام أمام الوجه الحقيقي للسوريين؟ يرجح المراقبون أن الانتفاضة ما زالت تحتاج وقتاً ليس قصيراً لتحقق أهدافها، لكنها بالطبع لن تحتاج ‘الأبد’ وحينها فقط سيرى العالم وجه سورية الحقيقي. ‘ كاتب سوري