من الأفضل لاسرائيل أن تُسرع بنقل الصلاحية الكاملة لادارة الحياة اليومية في اراضي السلطة الي أي جهة تعلن عن استعدادها لتحمل المسؤولية حتي ولو كانت حماس
عدم تغييرها لمواقفها سيخلق حالة من تراكم الغضب الذي سينفجر في النهايةمن الأفضل لاسرائيل أن تُسرع بنقل الصلاحية الكاملة لادارة الحياة اليومية في اراضي السلطة الي أي جهة تعلن عن استعدادها لتحمل المسؤولية حتي ولو كانت حماس الشعب الفلسطيني قرر انتخاب حركة حماس بسبب المباديء التي ترفعها، وكما هي محددة في برنامجها السياسي . هكذا أعلن القيادي في الحركة موسي أبو مرزوق، نائب رئيس الحركة خالد مشعل، وذلك في رده علي سؤال: لماذا لا تريد حماس الاعتراف باسرائيل؟، نحن نعرف أن هذه الاجابة لا يوجد لها أساس من الصحة، بل ان حركة حماس نفسها تعرف أن الفلسطينيين لم ينتخبوها فقط لانها تنادي بتدمير دولة اسرائيل. وأن عشرات استطلاعات الرأي التي نُشرت خلال السنة الأخيرة تشهد علي ذلك، وقد أشارت في غالبيتها العظمي الي أن الشعب الفلسطيني يريد التقدم في عملية السلام في المنطقة. وأن حركة حماس، بصورة أكيدة، قد حصلت علي هذه النسبة من الاصوات التي جعلتها تفوز فقط لأن الناس أرادوها بديلا عن سلطة فاسدة في نظرهم، عملت فقط علي تحسين حياة العاملين فيها علي حساب مصالح وحياة الشعب الفلسطيني.ربما تكون هذه هي المعضلة الأساسية الاولي التي تواجه اسرائيل في هذه اللحظات بعد فوز حماس في الانتخابات. فمن ناحية يمكن التأكيد علي أن قرار مقاطعة حماس هو قرار صائب من جميع الاتجاهات، فهي معروفة علي انها حركة ارهابية، وحسب برنامجها وميثاقها فانها لا تعترف باسرائيل، والأكثر من ذلك انها تتطلع الي القضاء عليها، وهي لا تعترف بالاتفاقات التي تم التوصل اليها والتوقيع عليها بين اسرائيل والسلطة الفلسطينية.ومن الناحية الاخري، فان هذا هو خيار الشعب الفلسطيني، وإن تجاهل النتائج التي ظهرت، وقرار تجميد الاموال الفلسطينية المستحقة لدي اسرائيل للسلطة، الذي يشكل عقوبة جماعية لنحو ثلاثة ملايين ونصف المليون فلسطيني، هو عقوبة لهم لانهم قرروا إحداث تغيير سياسي ـ اجتماعي في نظامهم بطريقة ديمقراطية، وهؤلاء هم الملايين من الفلسطينيين الذين تعبوا وملّوا من الانتفاضة وتقبلوا بسرور بالغ اتفاق الهدنة مع اسرائيل، والآن، عندما تخيلوا امكانية اقامة سلطة نظيفة الأيدي وأكثر تحقيقا للعدالة، فانهم بانتظار عقوبات أكثر وبطرق عديدة اخري.يُقال إن ضفدع الديمقراطية لا يسهل ابتلاعه، وهكذا تبدو الاحوال الآن، فهذا الضفدع يقف في الحلق ويوشك أن يخنق الفلسطينيين والاسرائيليين علي حد سواء، لأن هذه الـ فلسطين التي قررت تغيير قيادتها هي مجرد بطانية مرقعة في نظر اسرائيل والتي لا تزيد في عينيها عن الاسم الذي تصفها به الضفة الغربية ، أو في أحسن الاحوال المناطق المحتلة ، والتي في نهاية الأمر لا يهمها كثيرا من سيحكم هناك بصورة فعلية.سياسة اسرائيل، حتي علي لسان اولئك الذين يعربون عن الاستعداد لمزيد من عمليات الانفصال من جانب واحد، هي مجرد عملية اعادة تنظيم مجددة لهذه البطانية المرقعة . وحسب هذه السياسة، حتي لو تم رسم خط حدود جديدة، فان الاحتلال لن ينتهي ولن يتوقف ولن يتم الاتفاق والتوقيع علي أي تسوية سياسية جديدة أو الاتفاق بصورة نهائية.وبناء علي ذلك، فان احتجاج اسرائيل وصراخها بأنه بعد انتخاب حركة حماس فانه لا يوجد من تتحدث معه أو تتفاوض وتتفق معه علي خطوات تسوية، هي ادعاءات ليست حقيقية ولا يصدقها أحد. علي العكس من ذلك، فان هذه الصرخات لا يُقصد منها إلا التهرب من تحمل المسؤولية عن أمن واقتصاد وحياة هؤلاء السكان الواقعين تحت الاحتلال الاسرائيلي، والتي لا سبب في استمرار حدوثها واستمرار هذه الحالة القاسية هناك إلا جراء وجود ووقوع حدث تاريخي واحد فقط هو الاحتلال .للأسف الشديد، فانه لا يوجد أي ميثاق أو معاهدة دولية تشترط تقديم مساعدات مالية واقتصادية لمواطنين في مناطق محتلة بضرورة اجراء انتخابات ديمقراطية، وانها لا بد من أن تكون نتيجتها انتخاب قيادة علمانية ديمقراطية.اسرائيل، التي طالبت بـ دمقرطة النظام في الاراضي الفلسطينية، وعندما تحققت الديمقراطية وجدت أمامها حماس ، فانها ليست مطالبة بالتعامل مع حماس، ولا أن تقبل بمندوبيها كمفاوضين معها في الاتصالات التي يجب أن تجري وتستمر، ولكنها، أي اسرائيل، لا مفر أمامها إلا التعامل مع الواقع والتصرف علي أنها ما زالت مسؤولة عن هذا الاحتلال ولا يمكنها التنصل من مسؤولياتها.يوجد أمام اسرائيل طريقان أو خياران لا ثالث لهما: إما العودة الي ما كانت تطلق عليه وتصفه بأنه الاحتلال المستنير المتحضر الذي دأب الحكم العسكري (ومن بعده الادارة المدنية) لترتيب عملية دفع رواتب وتطوير الادارات والمؤسسات والخدمات بما في ذلك شبكات المياه والمجاري والكهرباء وشق الطرق، وإما أن تعلن بأنها ستتنازل عن هذه الصلاحيات الي جهة منتخبة من قبل الفلسطينيين (ولتكن حركة حماس علي سبيل المثال)، والتي تكون قد أظهرت قوة اعداد وتنظيم وقدرة علي فرض نظام وأيديها نظيفة.إن العودة الي نظرية الاحتلال المباشر بالقوة العسكرية وتسمية ذلك بـ الاحتلال المدني ، تعتبر عودة سيئة تثير في أذهاننا وذاكرتنا أمورا فعلنا الكثير للابتعاد عنها، كما أن عودة كهذه تشترط علي اسرائيل ضرورة القيام بعدد من الخطوات التي لا بد منها، وعلي سبيل المثال: تجريد حركة فتح من السلاح وحلها كتنظيم ذلك لانها لم تعد هي التي تمثل الفلسطينيين، وفي نفس الوقت تجريد حركة حماس من السلاح ايضا، ولكن لانها حركة ارهابية ولا تعترف باسرائيل. والي جانب هذا وذاك العودة الي العمليات التي ستكون طبيعية بعد الغاء كل هدنة مع الفلسطينيين بسبب ما أشرنا اليه سابقا، وعندها سيعود المطلب المعقول بنظر الاسرائيليين الي الواجهة أعطوا الجيش الاسرائيلي الفرصة ليعمل علي طريقته وينتصر.يمكن القول انه لا زال بامكان اسرائيل الانتظار معتقدة (مقنعة نفسها) أن الفرصة ما زالت سانحة للضغط علي حماس بعد أن تكون جميع البدائل الاخري قد ثبت عدم قدرتها علي شيء ايضا. وذلك عندما تتفاقم الازمة الاقتصادية في المناطق، وتتراكم الديون الكبيرة بمبالغ طائلة لشركة الكهرباء القطرية، ولا يتم دفع رواتب جميع العاملين في السلطة وخصوصا رواتب أفراد الاجهزة الأمنية الفلسطينية، واستنفاد موارد وميزانيات المرافق الصحية (المستشفيات) الفلسطينية وغيرها من المواقع والمرافق الحيوية الكثيرة جدا والتي ستواجه حالة من عدم القدرة علي الشراء أو التزود بالاحتياجات الأساسية اللازمة. جميع هذه الاحتياجات وجميع حالات الضغط التي ستبرز، كلها ستجد اتجاها واحدا ووحيدا فقط لتصريف غضبها وكبتها وفقرها، كل هذه الضغوط ستتحول من توجيهها الي حماس لتُوجه الي القدس (اسرائيل). من الأفضل لاسرائيل أن تُسرع بقدر ما تستطيع الي نقل الصلاحية الكاملة لادارة الحياة اليومية في اراضي السلطة الفلسطينية الي أي جهة فلسطينية تعلن عن استعدادها لتحمل مثل هذه المسؤولية حتي ولو كانوا يطلقون عليها اسم حركة حماس .تسفي برئيلمراسل الصحيفة للشؤون العربية(هآرتس)