سالم قواطينرحلة طويلة غارقة بالدماء والفتن والحروب، قطعتها البشرية على إمتداد قرون وعقود، كان كتاب الأمير لميكافيلي قد أصبح منهجاً ترسخ في السياسة، وخاصة في اوروبا، (الغاية تبرر الوسيلة)، قاعدة عامة إستقرت، لم تجد فيها الدول او الساسة او الدبلوماسيون، او حتى المفكرون، غضاضة في العمل أو الأتباع، لتحقيق المصالح بجميع الوسائل الممكنة والمتاحة، دون إلتفات لأي وازع من الأخلاق أو الدين او القيم الأنسانية.
لقد قامت المدرسة الميكافيلية على تغذية وتوجيه الفكر السياسي الغربي، نحوالقهر والظلم والأستبداد لتعزيز سلطة (الأمير) الحاكم في الداخل، من خلال وسائل تبرر العنف والخداع والغش والكذب كلما تطلب الأمر ذلك، وفي الخارج من خلال التسليح والاستعداد الدائم للحرب من أجل الهيمنة والأستغلال والأحتلال، تحت تسمية وضع لها الغرب تعريفاً مبررأً وهو الأستعمار.
جاءت الثورة الفرنسية بمبادئ الديمقراطية والحرية والعدالة والمساواة، لتعيد للقطيع في حكم الأقطاع كرامته الأنسانية، والتي بها ومن خلالها تطور الغرب وأقام حضارة على قيم مشتركة، تعززت من بعد معاناة طويلة وحروب دامية، كان أخرها الحرب العالمية الثانية، التي طرحت بقوة، رغبة أُممية عامة، في تجنب هذه الويلات والحروب، فكانت منظمة الأمم ألمتحدة ومجلس الأمن الدولي، ومواثيق حقوق الأنسان، وتعريف العدوان، وتحرير الشعوب من نير الأستعمار، ووضع إجراءات وقائية، كالتسوية السلمية للمنازعات، ومحكمة العدل الدولية، للحيلولة دون قيام حروب جديدة تقوم على العدوان بين الأمم والشعوب، وتعزيز حرية وحقوق الأنسان طبقاً للمواثيق الدولية.
وقامت الأمم المتحدة بدعم حرية وإستقلال الشعوب التي كانت ترزح تحت الأستعمار، ومن بينها شعوب عربية، احتفلت في منتصف القرن الماضي بنيلها الأستقلال، فقامت الدولة العربية الحديثة، او هكذا كان يبدو، ولكن الشعوب العربية تكتشف، أن الغرب لم يترك المنطقة بخطوط سايكس بيكو فقط بل، ترك فيها أُمراء ميكافيلي الذين جاءت الثورة الفرنسية للأطاحة بهم في أوروبا.
لقد نجح الغرب من خلال الديمقراطية في تعزبز وحماية مبادئ الحرية والعدالة والمساواة، التي جاءت بها الثورة الفرنسية، وأستطاع من خلال مبدأ الشفافية والمساءلة الذي ترعرع وسط مجتمعات مدنية وتحت رقابتها، في القضاء على منهج وفكر وسياسة تلاميذ المدرسة الميكافيلية في الديمقراطيات الغربية.
أما في العالم العربي، وفى بيئة خلت من كل هذه المبادئ، ومع ظهور أنظمة تدعى التقدمية ومناهضة الأستعمار والصهيونية، وجاءت على ظهور الدبابات، وفي غياب دولة المؤسسات والمجتمع المدني، فقد نما وترعرع وإشتد عود إمراء ميكافيلي العرب، مستظلين بالحرب الباردة، متمترسين خلف شعارات براقة، من شيوعية وإشتراكية وبعثية، خدعوا بها المواطن العربي حيناً، وخدروه حيناً أخر، وكمموا الأفواه، وملأوا السجون، من أجل معارك وهمية، كدسوا لها الأسلحة، بمئات المليارات من الدولارات، لتوجه في النهاية إلى صدور مواطنين خرجوا مسالمين مطالبين بالحرية وإسقاط النظام، والتي إعتبرتها هذه الأنظمة كلمات كفر ضد اُلوهيتها؟.
لم تكن الحرب الباردة مجرد توازن رعب نووي، بين معسكرين، بل كانت صراع أفكار ومبادئ وأيدولوجيات بين الشيوعية والرأسمالية في شتى الميادين وخاصة السياسية والأقتصادية والأجتماعية.
وبإنهيار الأتحاد السوفيتي، إنتصرت الديمقراطية على الدكتاتورية، وأنتصرت الحرية وحقوق الانسان على الدولة البوليسية والستار الحديدي، وإنفرطت حلقات المعسكر الشرقي، وقام الغرب بدعم ومساعدة الديمقراطيات الجديدة التي قامت على أنقاض الأتحاد السوفيتي والمعسكر الشرقي، لا بل فتح لها ذراعيه لتصبح أعضاء في الأتحاد الأوروبي.
وعندما توجه الغرب نحو العالم العربي، منتشيأً بإنتصار الديمقراطية وحقوق الأنسان، منادياً بتطبيقها ومحاولاً تسويقها، ودعمها كما حصل في أوروبا الشرقية، ووجه بأنظمة عربية ترفض التوجه الديمقراطي، وتقاوم بشدة مبادئ الحرية والعدالة والمساواة، بإعتبارها تشكل تهديداً مباشراً لوجود هذه الأنظمة المزمنة. وقد أستعملت الأنظمة العربية وسائل ضغط مختلفة مع الغرب لدفعه للتراجع عن هذه التوجهات منها أمن إسرائيل، والنفط والغاز، وموضوع الأرهاب، والقاعده، والتطرف الأسلامي، والهجرة غير الشرعية، والتي أُستعملت جميعها في إبتزاز الغرب والضغط عليه، من أجل غض النظر عن ممارسات هذه الأنظمه، والقبول بها بإعتبارها البديل ألأفضل، مقارنةً بالمجهول، والذي سيأتي من خلال الديمقراطيات المقترحة، في الغالب، بالأسلاميين المتشددين، مما سيشكل خطراً على مصالح الغرب، وعلى رأسها النفط وأمن إسرائيل.
إقتنع الغرب أم لم يقتنع، ألمهم أن النظام الرسمي العربي نجح فى الوصول إلى مقايضة تقوم على تحقيق جميع المطالب والمصالح الغربية، مقابل غض النظر عن إنتهاكاته لحقوق الأنسان، والتوقف عن مطالبتة بإلأصلاح والديمقراطية.
أربك وفضح هذا الأتفاق، بائع خضار تونسي متجول، أسمه محمد البوعزيزي، عندما أحرق نفسه، محتجاً على فقدان أخر ما تبقى لديه من كرامة، بسبب صفعة تلقاها من شرطية تونسية. فثارت تونس وأسقطت دكتاتورها، ونالت حريتها الحمراء بدماء أبنائها، وبدون آيادٍ بيضاء من الغرب، والذي وقف بداية منحازاً للنظام، ثم مبهوراً بما يجري.
وعندما قامت الثورة المصرية، كان الغرب يعتقد، أن فرعون مصر، كالأهرامات عصىً على ألأقتلاع، فوقف بجانبه، حفاظاً على دور مصر المركزي في قضية مركزية هي أمن إسرائيل.
وبسقوط مبارك، وإنتصار الثورة المصرية، شعر الغرب أنه بدأ يفقد دوره وإحترامه، وخاصة عندما رفض شباب الثورة في ميدان التحرير إستقبال السيدة هيلاري كلنتون وزيرة خارجية الولايات المتحدة الأمريكية، ونفس الموقف كان لشباب الثورة في تونس.
حاول الغرب بعد ذلك اللحاق بقطارربيع الثورات العربية، وقد فاتتهُ إثنتان من قاطراته، او ربما ثلاثة إذا ما رصدنا موقفه من الثورة اليمنية. وتداركاً لسوء تقديره او تقيمه اوفهمه لمجريات الأمور في الوطن العربي، سعى الغرب وإستطاع، اللحاق بقاطرات الثورة العربية التي ما زالت تمر من أمامه، فقفز إلى قاطره الثورة، الليبية في الوقت المناسب، وصعد قاطرة الثورة السورية لحظة إنطلاقها.
فهل ألأسباب هي الحفاظ على المصالح الغربية بالرهان على الحصان الفائز وهو الثورة العربية؟
أم هي إكتشاف خداع وإبتزاز الأنظمة العربية في إستعمال فزاعات الأرهاب والقاعدة والتطرف الأسلامي؟
أم هى الرغبة الحقيقية في دعم الديمقراطية وحقوق الأنسان في العالم العربى، بإعتبارها أفضل السبل لتحقيق ألأمن وألأستقرار والمصالح المشتركة؟
أم هو الشعور بالذنب، وإستيقاظ الضمير الغربي، أمام بشاعة الجرائم والممارسات التي ترتكبها أنظمة عربية ضد شعبها، بدعم ومساندة غربية، اقلها السكوت وغض النظر؟
إن جميع هذه ألأسباب مجتمعة أو منفردة تشكل أساساً منطقياً وموضوعياً، لتغيير المواقف الغربية وفك إرتباطها بأنظمة عربية إنتهت صلاحيتها وأهليتها أمام ثورات شعوبها التي تطالب بالديمقراطية والحرية والعدالة والمساواة، والأنعتاق من قيود عقود طويلة من المهانة والمذلة والخنوع.
السبب الوحيد الغريب والجديد من بين هذه الأسباب لدعم الثورات العربية، هو صحوة الضمير، والذي عبر عنه رئيس وزراء بريطانيا في تعريضه بموقف روسيا من مشروع قرار إدانة النظام السوري، بسبب عمليات القمع الوحشي التي يمارسها ضد الشعب السوري المطالب بالحرية واليمقراطية، عندما قال السيد ديفيد كيميرون إن أي عضو دائم بمجلس الأمن يسعى لنقض القرار(عليه أن يتحمل ضميرياً تبعة ذلك ). إنها المرة ألأولى في إعتقادى التي يستعمل فيها تعبير الضمير كمصطلح في العلاقات الدولية، مما يشير إلى بداية مرحلة جديدة تقوم على مبادئ المساءلة والشفافية، وتعزز الديمقراطية والحرية وحقوق الأنسان، في المجتمع الدولي، بتأثير فاعل ومباشر من المجتمع المدني الدولي، وتقنية المعلومات والأتصالات والفضائيات والأنترنت والفيس بوك والتويتر،… والتى جعلت من العالم قرية كونية لا يملك سكانها إلا التفاعل والفعل مع كل ما يجرى حولهم…. فهل نحن قادمون حقاًعلى مرحلة جديدة في العلاقات الدولية تنقلنا من أمير ميكافلي الى ضمير كيميرون. ‘ سفير الجامعة العربية في المانيا سابقاً