من الاعلام المنحاز والمعتقدات إلى الفهم ومواجهة الحدث
7 - August - 2013
حجم الخط
0
يقول الصحافي الفرنسي إدي بلنل، في تقديمه لكتاب ‘الخسائر الجانبية: الوجه المظلم للحرب على الإرهاب’ للصحافي الامريكي سيمور هرش: ‘نحن في خطر، أمام خطر الجهل والعمى. نحن مهددون بعدم معرفة ما يحصل لنا، ما يُفعَل بنا ، بالعالم والإنسانية. نحن مهدَّدون بعدم معرفة ما حصل للعالم بعد سقوط حائط برلين في 1989 والبرجين الأمريكيين في 2001. نحن مشاهدون للأحداث ومتفرّجون على ما يقع من كوارث ودمار، ومتنقلون من حرب إلى مجزرة، ومن رعب إلى آخر. نحن قلِقون ومحرومون من الأمل ونوشك أن نرى الخيط يفلت من أيدينا، وألا نفهم شيئا’. لو لم أكن ذكرتُ اسم صاحب هذا الكلام لَحسبه القارئ شكوى أو صرخة تخرج من عمق أحشاء الانسان العربي المعذب (السوري أو العراقي أو المصري أو الفلسطيني أو الليبي أو التونسي أو اليمني ..) المسكون بهاجس الذعر والخوف والشك والقلق أمام كثرة المآسي في بلده، وتعدد مظاهر الفوضى والخراب، واستفحال الأزمات وتعقدها وانسداد آفاق المستقبل. اللافت أن هذه الصرخة المنذرة بأخطار الجهل والعمى أمام الدمار والمجازر البشرية وتهديدات الحرب الأخرى، جاءت في ورقة تحمل عنوان ‘عزلة المتقصي للحقيقة’، والمقصود بهذا الباحث الذي يستنطق الحجر والبشر والحيوان والنبات، وما يحويه الزمان والمكان في محاولة منه لمعرفة ما يحدث بالفعل في أرض الواقع، هو الصحافي الذي يمارس عملَه بوعي مهني عال جدا. إنه ذاك الصحافي الذي من أجل إخبار الناس وإعلامهم بـ’الحدث’ بكل موضوعية، لا يخاطر فقط بحياته، بل يتعامل مع مكوّناته وعناصره بعِلمية تبعده عن التعاليق الذاتية أو الحزبية التي تشوّهه، فلا يتهاون في استخدام كلّ الوقت والوسائل والجهود والقدرات للوقوف على أسباب وقوعه والأهداف منه، وفاعليه وتطوراته والآثار الناتجة عنه هنا وهناك، بصورة مباشرة وغير مباشرة. ما يهم الصحافي صاحبُ الوعي المهني الموضوعي ليس هو اليمين أو اليسار، أهل السنة أو الشيعة، الإسلاميين أو المحافظين أو الليبراليين أو الاشتراكيين أو الديمقراطيين.. بل الوقوف على حقيقة الخبر وصحة محتواه وطبيعة الحوافز أو الأهداف التي كانت وراءه. إنه واحد من المؤمنين بنبل وضخامة المسؤولية الملقاة على عاتقه في كشف الحقيقة، وقول الحقيقة، ونشر الحقيقة، لا شيء غير الحقيقة، من دون انحياز طائفي أو إيديولوجي أو مذهبي أو حزبي. أين هو الإعلام العربي اليوم من هذه الرؤية البناءة والهادفة في التعامل مع المعلومة والخبر، ومواجهة ‘الحدث’ من منطلق البحث في صحته أو كذبه، وفحص تفاصيله وجزئياته المساعدة على فهمه فهماً يمكّن القارئ من معرفة ما يحدث فعلا، ولا شيء آخر؟ أصبح الصحافي (الباحث المتقصي للحقيقة) في دنيا العرب كائنا إعلاميا في طريق الانقراض، تعترضه عقبات جمّة وعملاقة، ويجد نفسَه في غالب الأحيان وحيداً في قلب المعمعة يتخبّط بوسائله المحدودة باحثا عمن يساعده ويفيده معنويا وماديا في الإلمام بكل ما له علاقة بـ’الحدث’. وبما أن المعنيين بـ’الأحداث’، احتجاجات أو ثورات أو مواجهات أو انقلابات ناعمة أو عسكرية أو هجومات مسلحة أو نزاعات أو حروبا أو عمليات خطف أو حجز رهائن أو انفجارات في قلب المدن أو قصفا مدفعيا وصاروخيا أو ارتكاب مجازر ومذابح أو ما يُسمّى بالخسائر الجانبية أو التجسس على المواطنين.. والمشاركين فيها من قريب أو بعيد كثيرون، إذ منهم الفاعلون ومساعدوهم، والمفعولون بهم والمفعولون معهم والمفعولون من أجلهم، فمن الطبيعي أن تقف أمامه جهات لا تريد أن يكتشف الجمهور الحقيقةَ فتناصبه العداء وتهدده أو تختطفه أو تقتله . يعرف هذا الصحافي الحرّ، النادر وجوده في المنطقة العربية، أنّ الخاسر الأكبر في التظاهرات والاحتجاجات والانتفاضات وحشد المتظاهرين في حركات ‘التمرّد’ وتشجيع ‘المعتصمين’ على الصمود، وفي الحروب الأهلية والتدخلات الخارجية – كما يحدث اليوم في العالمين العربي والإسلامي بالخصوص – هو الحقيقة. وهذا هو الخطر الذي يقاوم، إن صح التعبير، ضده كلُّ إنسان يريد أن يعرف ما يُصنَعُ به وبأهله، وما يحدث عنده في أرضه وداره وحيّه وبلده، وعند جيرانه وأصدقائه. وهنا يتساءل العربي: ما الذي يحدث، ماذا يراد بي وبوطني، من يقف وراء كل هذا، ولماذا بالضبط؟ يطرح هذه الاسئلة وأخرى في محاولة منه لفهم مجرى الأحداث وأسبابها وأهدافها حتى يستعد لمواجهة أخطار الحاضر وتهديدات الغد، لكن لا جواب يُشفي الغليل ويرفع الضبابية عن الواقع، بل بالعكس يتيقن من أن كل شيء مخطط في غاية من الدقة لخلط الأوراق وإتلاف الدلائل وتلفيق التبريرات وتضخيم التهديدات. كل ذلك من أجل زرع الشكوك في صفوف المواطنين والمجتمع المدني، ونشر الفوضى والبلبلة بين الناس، أفرادا وجماعات. كل ذلك من أجل إخفاء ما يجري في الكواليس ومنع الحقيقة من الانكشاف والظهور. هل يعرف القارئ ما هي أكبر الحقائق التي تنطق بها كل الأحداث ولم تستطع لحد الساعة كل المناورات الديماغوجية والدبلوماسية حجبَها عن الأعين والعقول؟ كل ممارسٍ للسلطة أو متطلعٍ ساعٍ إليها، أينما يوجد، في الغرب أو الشرق، تهيمن عليه عقيدة مكيافيلية تطبع نفسيته وعقليته، سلوكياته ومشاريعه تقول: لا مكان للمبادئ، كل ما في الأمر أن هناك شيئا أساسيا وحيدا اسمه المصالح والبراغماتية. فهل نستغرب بعد هذا حين نرى ونشاهد ونسمع ونقرأ يوميا الهول الجحيمي والإرهاب الجماعي والدمار المستمر وحصد الأرواح في بعض البلدان العربية وهي تحتضر أمامنا وتستنجد؟ كثيرة ومتعددة هي تلك الأيادي، المباشرة وغير المباشرة، النظامية وغيرها، العربية والغربية وغيرها، الملطخة بدماء الآلاف من أبناء الوطن العربي الأبرياء، وكل واحدة منها تلقي باللائمة على الأخريات وتحاول تبرئة نفسها من الجريمة، لكن هيهات هيهات، لا مفر من الحق والحقيقة، وإقامة العدل وإرجاع الحقوق إلى أصحابها، فدماء الأبرياء تصرخ وتذوي في كل أرجاء الدنيا وفضاء الكون، وهي تتابع المجرمين في عمق ضمائرهم وقاع أرواحهم، وتطوقهم أينما حلوا وذهبوا، في كل لحظة وثانية. نحيط الجميع علما ـ أسمح لنفسي استعمال هذه العبارة لأنها تحمل إنذارا، وهذه مسؤوليتي ككاتب- بأن من حق العرب والمسلمين أن يعبروا عن رغبتهم في فهم ما يحدث في أراضيهم وأوطانهم، واستيعاب ما يُخطط لأبنائهم في الحاضر والمستقبل، وأن يتخذوا موقفا ممّا يُرادُ فعله بهم وبجغرافيتهم وبمقدساتهم وبثرواتهم. فالفهم معناه تعلم الحياة ورفض أن نكون غرباء عن كتابة تاريخنا بأنفسنا، وصناعة غدنا بعقولنا وأيادينا، ومعناه أيضاً عدم الشعور بأننا مهمَّشون من العالم كما يتحرك ويتقدم ويُصنع وبالطريقة التي يقودنا بها. ففي الفهم تكمن إمكانيات التخلص من القسرية والتغلب على السكونية، ومنه ينشأ الاستعداد للتحرك ومواجهة المستجدات، وبفضله ترتفع حظوظُنا في استرجاع حقنا في الحرية وتقرير مصيرنا بأنفسنا. بالفهم يمكن لنا أن نتفادى المعرفة السطحية أو التظاهر بالوقوف على حقيقة الأشياء. بالفهم أيضا نضع حداًّ لكل المحاولات التي تسعى لتزوير الحقائق والنيل من عقولنا وثقافتنا وهويتنا. لكن الفهم يمكن أن يقود إلى أكثر مما ذكرناه وأبعد: تفضيل المعرفة على الاعتقادات والخرافات والأساطير، الشيء الذي من شأنه تسهيل مواجهة الحدث في شراسته وعنفه، وتعقيدات أسئلته. وما أحوج العرب اليوم إلى الفهم المؤدي إلى تفضيل المعرفة على ترك الاعتقادات المخجِلة لأن فيه يوجد قسط كبير من الحل لأغلب مشاكلهم على اختلافها وتعددها. وفيه على وجه الخصوص تستقر بداية التحرر من المذهبية والطائفية، والتعصب والتزمت. وهنا تكمن أولى اللبنات الضرورية لبناء الإنسان العربي الجديد القادر على تخطي أزمات اليوم وتحديات المستقبل .