من الأفضل دوماً ضبط المصطلحات والمفاهيم وتفنيدها، مَنْعاً للخلط، وإمعاناً في الدقة. هكذا، إن شئنا ـ باختصار ـ تعريف الثورة السورية التي اندلعت عام 2011؛ يمكننا القول: هي ثورة شعبية مدينية سلميّة، يمثّل التظاهر والرقص والغناء والتصفيق والزغاريد واللافتات والورد والماء وأغصان الزيتون والشموع والطبول، أهم أدواتها الحقيقية. جوهرها الحرية والكرامة، وغايتها القضاء على الاستبداد في أشكاله كافة. ومَن يقرأ التاريخ بذكاء ونزاهة؛ ربما يعرف أكثر، أن كل الثورات الشعبية، في كل زمان ومكان؛ جوهرها التحرر.
أما الحرب في سوريا، فهي تلك التي شنّها نظام الأسد على الثورة المندلعة ضده، منذ البداية، قبل أن تبدأ الثورة بالتقلص شيئاً شيئاً، بعد سِلميَّة دامت نحو عام تقريباً، حيث اضطرت بعد ذلك، في قسم كبير منها، إلى التخلّي عن سلميتها، من أجل الدفاع عن نفسها (الجيش الحر)، بعدما ارتكب نظام الأسد في حقّها المجازر تلو المجازر، واستخدم كل ما يمكن لقمْعها، كالسلاح الكيميائي والبراميل المتفجرة. والحرب بوصفها عنفاً، تتضمن أيضاً التطرف والإرهاب، خاصة التطرف الديني الذي تتغذى منه وتستمر. هكذا، ومن جرّاء تعاطي النظام تعاطياً طائفياً منذ البداية، وادّعائه «حماية الأقليات» و»محاربة الإرهاب»، تكوَّنت في قبالة طائفيته، طائفية، وفي مقابل تطرفه تطرف ديني تسلّق على الثورة، لغرضِ «أَسْلَمَتِها“، محقِقاً بذلك الهدف الأساس للنظام، وهو تشويه الثورة بالتطرف والإرهاب. فصارت الحرب، في جزء كبير منها، حرباً طائفية.
استمرت الحرب سنوات طوال، كانت دائما غير متكافئة، خاصة أن دولاً تدخّلت لصالح النظام، كالسلطتين الإيرانية والروسية، وصارتا محتلتين لسوريا وثرواتها ومقدَّراتها. سنوات طوال استمرت الحرب، وتقريباً لم يعد للثورة صوتٌ يُذكر، إلا فيما ندَر.
وعليه، يخطئ، سواء كان متعمداً أم غير متعمد، مَن يُوصِّف الواقع في سوريا بالحرب فحسب. «قافزاً» بذلك فوق ثورةٍ كانت قبلها. والقفز، في مثل هذه الحالة، هو عنف خطير، كونه يزوِّر، ويتعاطى مع التاريخ كأنه مليء بالحُفَر والثغرات والفجوات، في حين أن التاريخ امتداد، استمرار واتصال. (يمكن في هذا الصدد، مراجعة مقالنا المنشور في «القدس العربي»، تحت عنوان: في عنف القفز وخطورته!).
ـ ينبغي ـ إذن ـ التفريق والتمييز بين الثورة والحرب.
٭ ٭ ٭
لم يكن يوم العشرين من آب/أغسطس 2023. اليوم الذي خرج فيه الناس بالألوف إلى الشوارع، في محافظة السويداء في جنوب سوريا، واستمرارهم حتى لحظة كتابة هذه السطور، متظاهرين ضد النظام؛ لم يكن «قفزة»، بل كان امتدادا للثورة التي اندلعت قبل أكثر من اثني عشر عاماً، وخفتَت و»ناصَت» إلى درجة الظن بانطفائها وترمُّدها إلى غير رجعة. لم تكن تلك التظاهرات قفزة، بل امتدادا، أعاد الثورة إلى النور.. أعاد وهجها الذي ظُّن أن الحرب استطاعت سحقه ومحقه، دونما المعرفة أن الوهج من شأنه الديمومة، وإن كان الاشتعال يموت؛ فالوهج يبقى.
كانت السويداء، حاضرة في الثورة منذ اندلاعها، تظاهراً واعتصاماً يروح ويجيء بين الفينة والأخرى، وموقفاً وإعلاماً وإغاثة.. وهناك ثائرون اعتُقلوا وبعضهم قُتل تحت التعذيب، وهناك ألوف ممَّن رفضوا الالتحاق بجيشٍ يقتل شعبَه. صحيح أن هذا الحضور في الثورة لم يشمل شرائح واسعة من المجتمع وقتئذ، غير أنه كان حضوراً مهماً أهمية الثورة السورية ذاتها. أما الآن، فلم يعد ذلك الحضور المهم، مقتصِراً على الشرائح نفسها.
إنها ثورة من أجل حياةٍ نابضةٍ، ولو أن الشعب السوري انطفأَ، كما أُريدَ له؛ لكانت القضية السورية انتهت، منذ سنين طويلة، لكن هذا الشعب حيّ ومتوهّج، وسيبقى ينتفض لكرامته وحقه في العيش الحر. وقد قالها قبل أشهر، متظاهرون في بلدة جرمانا في ريف دمشق: «ما بدنا حكي وأشعار، بدنا ناكل يا بشار».
فالآن، يتظاهر الناس في السويداء، من الشرائح والفئات المجتمعية كافة.. من الأعمار كافة.. من الأجناس كافة.. من المستويات الفكرية والثقافية والعلمية كافة.. من التوجهات والإيمانات والاعتقادات كافة. لقد صرخت السويداء صرختها المدويّة، فالكل من هؤلاء يريد الحرية والكل ينادي بالكرامة، و»ساحة السير» في قلب مدينة السويداء صارت «ساحة الكرامة». الساحة التي يتوحّد فيها الصوت السوري، ويعود إبراهيم القاشوش حيّاً ليقول: «يلا إرحل يا بشار»، فالقاشوش لم يكن مزحة تاريخية.. ليعود الإصرار على أنه: «واحد واحد واحد، الشعب السوري واحد».. لتعود الإرادة الشعبية إلى تمركُزها: «الشعب يريد إسقاط النظام»… ليعود الفن والموسيقى والرقص والغناء والدبكات والزغاريد إلى سابق العهد في زمن الثورة الأول.. لتعود اللافتات والهتافات.. لتعود السِّلْميّة، ولتعود الثورة بعد الحرب، بعدما كانت قبلها.
٭ ٭ ٭
وفي ما يخص ذلك القول المثير للجدل: «إن أساس اندلاع هذه التظاهرات هو مَعيشيّ اقتصاديّ وليس سياسياً»، يمكن الرد من خلال ما تؤكده علوم الاجتماع والاقتصاد والسياسة والتاريخ مجتمِعةً، بأن الاقتصاد لم يكن يوماً منفصلاً عن السياسة، كما أن السياسة ليست منفصلة عن الحياة المجتمعية في تفاصيلها كافة. وعلى مَرِّ التاريخ، كان الاقتصاد دوماً يخلق سياسات معينة أو يغيِّر فيها، وكانت السياسة بدورها مسؤولة عن الأوضاع الاقتصادية وأنظمتها على هذا النحو أو ذاك. أوَليسَ شائعاً القول: «سياسة اقتصادية» أو «اقتصاد سياسي»؟! وهذا القول لا ينطبق فقط على المحليّ، بل هو عالمي موجود في دول العالم كلها. ثم، إن نحن افترضنا ـ جدَلاً ـ أن أُسَّ تلك التظاهرات اقتصاديٌّ محض، ولا علاقة له بالسياسة لا من قريب ولا من بعيد، فهل هذا يعني نفيها بوصفها «ثورة»؟! الإجابة: حتماً لا. تبقى ثورة، إذ أن الحياة الكريمة حق للإنسان الفرد (ألا يكفيه أنه أتى إليها بغير إرادته؟!). وصحيح أنه «ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان»، لكنه أيضاً « لا يستطيع أن يحيا بلا خبز». إن ثورات الشعوب قديمها وحديثها، لم يكن أسّها ترَفاً فكرياً نُخبوياً ومتعالياً على الواقع وعلى تفاصيل الحياة اليومية المعيشية.
لكل فرد الحق في أن يثور ويتظاهر ويهتف إذا ما انتُقص شيء من كرامته الإنسانية، وليس الأمر مُختزَلاً في ما يُسمى النخبة، كما تصوِّر تلك «الأيديولوجيا» التي عادة ما «تنمِّط» الثورة، وتحصرها في نُخَب يجب أن تقودها وأن تكون بوصلتها. إن هذه الأيديولوجيا شأنها شأن كل سلطة سلطوية ومتسلطة تسعى إلى «التقويم»، كونها تعتقد أن مهمتها الكبرى هي ضمّ كل خارج على «خطّها المستقيم» الخاص بها، لكي يعود و»يستقيم» في الخط نفسه، ذائباً فيه. أي ينبغي «تقويمه»، عبْر ردّه إلى الخط المستقيم القوّيم. وإن الخارج على «الخط المستقيم» بالنسبة إلى سلطة كهذه، هو على خطأ دوماً، وينبغي سحقه، والسحق ـ ههنا ـ يعني «التقويم»، أي إفراغ الخارج على «الخط المستقيم» من معناه وفحواه، من فرادته وتفرّده؛ لـيعودَ و«يستقيم».
٭ ٭ ٭
إنها ثورة من أجل حياةٍ نابضةٍ، ولو أن الشعب السوري انطفأَ، كما أُريدَ له؛ لكانت القضية السورية انتهت، منذ سنين طويلة، لكن هذا الشعب حيّ ومتوهّج، وسيبقى ينتفض لكرامته وحقه في العيش الحر. وقد قالها قبل أشهر، متظاهرون في بلدة جرمانا في ريف دمشق: «ما بدنا حكي وأشعار، بدنا ناكل يا بشار». في إشارة إلى «تجريد» بشار الأسد الدائم، وتمييعه، وتهويماته النظرية المتفذلِكة. إن هتافات كهذه، تعني باختصار، الانتصار للعيش، للملموس، للمُتَعيِّن، للنبض، للحي والمتحرك والسائر والماشي.. للحياة. إنها ثورة من أجل الحياة الملموسة المتعيِّنة، ضد أوهام التجريد اللئيم. ولا نعني – طبعا- ذلك التجريد الفلسفي الرفيع، بل تجريد الناس من كرامتهم وحقهم في الحياة النابضة، لصالح شعاراتٍ أيديولوجيّة مفارِقة و«أبدية». إن الواقع المعقَّد، ربما يمنعنا من التنبؤ إلى ما ستؤول إليه الأمور، أو التوقع في خصوصه، ولسنا ـ أصلاً ـ من المتنبئين والمتوقعين، لكن الواقع نفسه يخبرنا، أن الثورة في إمكانها العودة بعد الحرب، وبعد الاعتقاد «الجازم» بأن جذوتها قد خمدت وماتت إلى غير رجعة.
كاتبة سورية