من الجزيرة انترناشيونال إلي النيل الدولية.. يا قلب احزن!

حجم الخط
0

سليم عزوز

من الممكن ان يفعلها حكام المملكة العربية السعودية، جعل الله كلامنا خفيفا علي قلوبهم كريش النعام؟

ما فعلته الدولة المذكورة عجزت الأنظمة العربية (جمعاء) عن أن تفعله، علي الرغم من ان قادتها اتخذوا قرارا بهذا الشأن في قمة من القمم، التي لا تقدم ولا تؤخر. والمقصود به هو إطلاق قناة تلفزيونية تخاطب العجم، وتقدم لهم وجهة النظر العربية في كثير من القضايا، بعد ان بات واضحا ان هناك فراغا في هذه الساحة تمدد فيه الإعلام المعادي، وصورنا في الوجدان الغربي علي أننا جميعا اسامة بن لادن، وأننا جميعا إرهابيون بالفطرة، ومخربون بالسليقة. ومنذ ردح من الزمن والكلام لا ينقطع عن ضرورة مخاطبة الغرب بلغته، لكن لان عملا كهذا يحتاج الي جهد دول وليس أفرادا، ولان حكامنا لا تشغلهم مثل هذه القضايا ـ هم مشغولون برحلتي الشتاء والصيف ـ فقد تعثر التنفيذ، وصارت القرارات هي للاستهلاك المحلي، الي ان فعلتها قطر، وأطلقت (الجزيرة انترناشيونال) في يوم اسودت فيه وجوه وابيضت فيه وجوه.

لقد سألني الإعلامي عصام عبد الله من قناة (الحوار) في برنامج (تسعون دقيقة) عن رؤيتي لمستقبل القناة الوليدة، فقلت علي الرغم من انه يصعب التقييم ونحن لا نزال علي البر، إلا ان هناك ما يجعل مثلي مطمئنا للتجربة، فأصحاب فكرة هذه القناة هم الذين أطلقوا شقيقتها الكبري، التي تحتفل بمرور عشر سنوات علي بث إرسالها، وهي القناة التي نجحت في ان تصبح حديث العالم في الأسبوع الأول لها، والتي كانت بمثابة حجر ضخم القي في بحيرة الإعلام العربي الراكدة، فأحدث فيها حراكا، وصرنا نؤرخ لإعلامنا قبل وبعد (الجزيرة)، ويكفي أنها حولت (الكوبليه) الشهير للرائد متقاعد صفوت الشريف عن ريادة الإعلام المصري الي (قفشة)، ما ان تسمعها حتي (تفطس علي نفسك) من الضحك.

الفقرة الخاصة بكوبليه الرائد المذكور لم اذكرها لمذيع قناة (الحوار)، وإنما ذكرت له ان تجربة (الجزيرة) العربية تجعل في بطني بطيخة صيفي علي مستقبل (الجزيرة انترناشيونال)، فالشقيقة الكبري لم تهتم بتلميع أهل الحكم في الدوحة، ولا تبدأ نشرتها ببث أخبار حاكم البلاد وأهل بيته، وهو الأمر المعمول به في كل تلفزيونات البلدان العربية (جمعاء)، والي درجة ان قارئ النشرة ما ان يصل الي الأخبار المهمة إلا ويكون المشاهد قد راح في سابع نومة.

منذ أيام ـ هكذا قلت لعصام عبد الله ـ كان هناك خطاب مهم للأمير القطري في مجلس الأمن حمل فيه علي ازدواجية المعايير الدولية ـ الأمريكية بالاحري ـ وكيف ان القوم يطالبون بالديمقراطية، وعندما جاءت بحركة حماس إلي سدة الحكم، رفضوا هذه الديمقراطية، وإذا بترتيبه كخبر يأتي في المرتبة الرابعة بنشرة (الجزيرة)، وعلي الرغم من أهمية ما قيل من وجهة نظري، إلي أنهم لم ينصبوا له (فرح العمدة)، ويستدعوا المحللين، والمنظرين، وأبناء السبيل، ليلتوا ويفتوا ويدلوا بدلوهم فيما قيل، فقد تمت تلاوة الخبر بشكل خاطف ومتعجل، وقد ذهبت الي مواقع علي الانترنت وانتظرت صحف اليوم التالي لاقف علي نص ما قيل لأهميته، مع تسليمي بأن غيري قد يراه غير مهم.

قد يأخذ البعض علي (الجزيرة) أنها لم تتعرض للشأن القطري الداخلي، وقد يضع البعض الآخر العربة أمام الحصان، فلا يقر بمصداقية القناة إلا إذا أعلنت الحرب علي الأمير، وقاد جمال ريان وخديجة بن قنة حشود العاملين فيها الي القصر الأميري وطالبوه بأن يتنحي. وانا مع هؤلاء، علي الرغم من أنني أري انه ليس صحيحا ان القناة لا تمارس النقد مع النظام القطري، فالمتابع لها سيكتشف ان الأمير نفسه ناله هجوم ضار، وبالاسم، وعلي الرغم من ان فيصل القاسم يقاطع ضيوفه (عمال علي بطال)، وأحيانا تكون المقاطعة بدون سبب، الا انه ترك المهاجم يقول ما يريد وعلي الهواء مباشرة، وفي الإعادة، لم يتم حذف كلمة مما قيل، و الجزيرة لم تعرف الحذف إلا مرة واحدة، عندما حدث هجوم من احد الضيوف علي النظام المصري الصديق. وقد ظلت هذه الحلقة التي هوجم فيها الأمير شخصيا علي موقع (الجزيرة نت) فترة طويلة.

هذا فضلا عن أننا استمعنا، في احتفالات القناة بالعشرية الأولي، لهذا الذي يقول ان مذيع (الجزيرة) إذا أطل برأسه من الأستوديو، فسوف يجد القاعدة الأمريكية علي الأراضي القطرية، وكان يتم بث هذا القول عشرات المرات في اليوم. لكن أنا من المؤمنين بأن هذا لا يكفي، ولن اشهد للمحطة التلفزيونية المذكورة بالحياد، إلا إذا رأيت علي شاشتها جميل عازر مبتهجا علي غير عادته ويقرأ (البيان رقم واحد)، شريطة ان يكون هذا من استوديوهات الدوحة، لان جميل في هذه الأيام يظهر في أستوديو المغرب الجديد، الذي لا أجد مبررا لتدشينه، اللهم إلا اذا كان القوم يخشون من ان ينفذ الرئيس بوش مخططه القديم الرامي لقصف القناة، وهو رجل لا يؤمن بواقعه، وبسبب هزائمه المتكررة في العراق وأفغانستان، فربما يلجأ الي تحقيق نصر مؤزر علي جبهة قناة الجزيرة، لكن لا ادري كيف فاتهم ان هذا لو حدث فلن يجدوا مكانا علي ظهر البسيطة العربية يقبل بث إرسالهم منه، ووقتها قد (يتحزم) أهل الحكم في مشارق الوطن العربي ومغاربه ويغنون مع سعد الصغير: العنب.. العنب.. العنب. وقد تتم معاملة فريق المغرب معاملة اسري الحرب، ويعامل جميل عازر معاملة عبد السلام ضعيف.. هل تذكرونه؟

ولن يجدي الكلام عن ان عمنا جميل عازر مذيع وليس محاربا علي خط النار، تماما كما لم يجد القول بأن عبد السلام المذكور هو سفير لحركة طالبان في باكستان، وان ما جري له من اعتقال من قبل الإدارة الأمريكية هو عملية اختطاف مكتملة الأركان، وبمرور الوقت سوف تنسي المنظمات الحقوقية جميل كما نسي المجتمع الدولي عبد السلام.

القواعد الأمريكية نعود الي موضوعنا، فقد يري البعض ان مثل هذا التهجم علي الأمير في قناة تتبعه، او الهجوم علي قطر لوجود القواعد الأمريكية علي أراضيها لا يكفي لإثبات حيادها واستقلالها المهني ومصداقيتها (معذرة فان كلمة صدقيتها ثقيلة علي قلبي)، وقد يكون مطلوبا ان يجدوا نشرة الأخبار المصورة ترصد جمانة نمور وهي تلف حول خصرها حزاما ناسفا، وتقول من يبايعني علي الموت، او تلتقط كاميرا الجزيرة احمد منصور وهو يقول لقادة الحرس ثكلتك أمك، اغرب عن وجهي والا ضربت عنقك بالدرة، وقبل هذا فان الحديث عن استقلالية (الجزيرة) هو تماما مثل الحديث عن الغولة، والعنقاء، والخل الوفي. لكن من وجهة نظري، وهي وجهة نظر متواضعة لرجل متواضع وهو سموي، انه ما دام من المتعذر ان تفتح (الجزيرة) النار علي أهل الحكم في قطر، فيكفي أنها لا تحمل (الصاجات) وتطبل لهم، ويكفي انها لا تكترث بنشاط القوم، ولا تفرد لهم المساحات لتغطية حركاتهم وسكناتهم، و لقاءاتهم واتصالاتهم، حتي وان كان لا يوجد ما يقال تعليقا علي ذلك سوي عبارات من نوعية: مناقشة العلاقات الثنائية بين البلدين، وتطورات الوضع في المنطقة. الي غير هذه (الكوبليهات) التي مللناها.

قلت لعصام عبد الله ان أداء الشقيقة الكبري الناطقة بالعربية، يجعلني متفائلا بمستقبل الجزيرة الدولية، وقلت أنني لا انتظر منها ان تكون محايدة، ولا أريدها ان تكون كذلك، فالحياد في الإعلام، بل وفي العلوم الإنسانية بشكل عام، لا وجود له، وما نطلبه ونريده ان تكون قناة موضوعية، لان ذلك هو ما سيجذب إليها المشاهد الغربي، وما سيجعله يقر بمرور الوقت بمصداقيتها، ولا نريد من الخواجات إلا ان يقفوا علي الحقائق لا علي الأكاذيب التي يبثها الإعلام الغربي المغرض. وعندما قال وزير الإعلام الأردني السابق في برنامج قناة (الحوار) ان قمة عربية وافقت علي مشروع قناة عربية تخاطب الغرب وقد تعثر التنفيذ، قلت انني احمد الله فلو حدث هذا فان القوم كانوا سيختلفون في كل نشرة إخبار عن أي قائد منهم تبدأ نشرة الأخبار بنشاطه، ولن تكون هناك فائدة تجني من ورائها إلا إمتاع الحكام العرب وهم يسمعون أسماءهم تنطق بالإنكليزية، تخرج من مذيعات يحللن من علي حبل المشنقة. النايل تي في زميلنا محمد خير بجريدة (الدستور) القاهرية اثبت ان ذاكرته حديد، فلا يزال يذكر قناة النيل الدولية، وقد ذكرنا بأن مصر كانت سباقة في هذا النوع من القنوات، فقد أسسنا علي عهد الخالد صفوت الشريف هذه القناة الناطقة باللغة الانكليزية، وهي سبقت القناة القطرية بثلاث عشرة سنة، الأمر الذي يؤكد ان وزير إعلامنا الأسبق كان رائدا بالفعل، ان لم يكن لأنه الأفضل، فلأنه الأول.

لكن المفارقة الغريبة التي رصدها الزميل خير ان الجزيرة الدولية قلبت الدنيا في أول أسبوع لها، اما النيل الدولية فبعد كل هذه السنوات لم يعد هناك احد يتذكرها. ومعه حق فأنا شخصيا كنت سأقع في خطأ منهجي فظيع خالص، ان لم اقرأ ما كتب عن تجربتنا الخالدة، فلولا ذلك لقلت ان قطر رائدة، في حين أننا نحن الرواد في مجال الإعلام والحمد لله.

من المفارقات التي رصدها صاحبنا ان الجزيرة الدولية لها أربعة مكاتب رئيسية في عواصم العالم، اما النايل تي او النيل الدولية فليس لها اي مراسلين أصلا. ومثلي لا يعرف ما هي قيمة المكاتب والمراسلين، فالمهم النية، ونحن نيتنا صافية والحمد لله، فضلا عن ان المكاتب والعاملين فيها تحتاج الي نفقات ونحن نرشد الاستهلاك، ويقولون ان الشاطرة تغزل برجل ـ ولا مؤاخذة ـ حمار، وعلي الرغم من انه لا يوجد لدينا اي مراسلين او مكاتب الا انه لم يحدث ان استمعنا الي ان بث القناة قد توقف لحظة لهذا السبب.. فلماذا البذخ وبعثرة الأموال علي المكاتب والمراسلين؟

لقد قال محمد خير ان استطلاعا للرأي أجراه التلفزيون المصري في العام الماضي أكد ان 35 في المئة من العينة قالوا أنهم يتابعون النيل الدولية (مع أنها بدون مكاتب او مراسلين). لكن المفارقة ان الاستطلاع لم يسجل أجنبيا واحدا، أما السبب الذي يدفع هؤلاء الي مشاهدة القناة فهي عرضها لمسلسلات جديدة.

فقناة النيل الدولية موجهة لنا نحن بالأساس، فشكرا علي هذه الخدمة الجليلة.

كاتب وصحافي من مصر[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية