ظلّت المدرسة التأويلية المغربية في عصرنا الحاضر تُسْهم، بفضل أعمال جيل الرواد ومن جاء بعدهم؛ من أمثال، عبد الكبير الخطيبي وعبد الله العروي ومحمد عابد الجابري وطه عبد الرحمن ومحمد مفتاح وعبد الفتاح كيليطو وعبد السلام بنعبد العالي ومحمد الحيرش وغيرهم، في ترسيخ قراءات أبستيمولوجية منفتحة ومتأنية لتراثنا التأويلي، ولمشكلات فكرنا الحديث والمعاصر. ولعلّ ما يميز مشاريع هذه المدرسة هو تنوّعها من حيث المشارب والاتجاهات تبعا للمرجعيات النظرية والمعرفية والأيديولوجية، التي تصدر عنها وتتفاوت في مديونيّتها لها، وهو ما يعكس ثراء الاجتهادات الفكرية التي اضطلعت بها، وتعارضها الذي يصل إلى حدّ السجال الحاد، دون أن يمس ذلك أخلاقيات الحوار العقلاني الذي قام على قدر من التسامح والاحترام بين أصحابها.
وضمن مشاريع الإبدال التأويلي الذي يختبر قدرته على تحليل الخطاب في علاقته بالبلاغة والتداوليات والدراسات القرآنية، يمكن أن نذكر مشروع محمد بازي الذي كان يتطور عبر ثلاثة نماذج أساسية: أنموذج التساند والتطالب منذ باكورة أعماله النقدية «التأويلية العربية: نحو نموذج تساندي في فهم النصوص والخطابات»، والأنموذج التأويلي التقابلي، وأنموذج تأويلية الأنوال الاستعارية، وأنموذج تناغم الخطاب وحقائق الوجود الدال.. وتسعى أعماله المتأخرة بلورة أنموذج تأويلي أكثر انفتاحا يمزج بين توسيع مجال عمل البلاغة وإغناء نظرية صناعة الخطاب والأسس الفلسفية التي تتحقق ها وتتناغم مع حقيقة الوجود الدال، على نحو يقوده إلى بناء هوية التأويلية المعاصرة من منظورِ علوم فهم الخطاب وتأويله. وفي هذا المسعى، يأتي كتاباه اللذان صدرا في مطلع العام: «تأويليات الخطاب: نحو نمذجة للنقد التأويلي» و»النظرية الأدبية الممكنة: أثول فلسفة ما بعد الخطاب».
نحو نمذجة للنقد التأويلي
يدافع الباحث محمد بازي عن التأويل باعتباره علما له قوانين وضوابط معلومة يحددها المشتغلون به، وتقوم على التخصص، والنظام، والنسقية، والتميز والفرادة والأسبقية، وإلا أصبح التأويل عبثا وفوضى. من هنا، تحتاج التأويليات العربية المعاصرة ـ في نظره- «نمذجة معيارية لمجالات التأويل في أفق بناء علم للنقد التأويلي، إذ ليست التأويلية علما بكيفيات إعادة بناء معاني الخطاب فحسب، أو منهجا في الاشتغال بالفهم، وإنما تعلقا بالحقائق العملية المجربة، والقواعد المطردة في الغالب، وبِنتاج الجهد العلمي اللغوي والبلاغي والنحوي والدلالي، وضبط تواريخ النصوص وسياقات ما يتعلق بها، ومن يتعلق بها». بيد أن أيّ تأويلية عالمة، مهما تكن متانة قواعدها النظرية وآثارها التطبيقية المقنعة، لن تنجح وتحصل المنفعة منها إلا إذا تخففت من تصلبها الأكاديمي وصعوبة مفاهيمها المجردة، وكانت لها امتداداتها الفكرية في النقد التطبيقي وفهم النصوص في المدرسة والجامعة وفي المجال العام. وهو ما يفرض على الدراسات التأويلية أن تجدد خطابها، وتراهن على الموضوعات القابلة للتأمل والفهم والتحليل والاستنتاج والإقناع، على نحو يعزز إسهامها في التجربة الإنسانية المعاصرة.
تقترح فصول الكتاب: «تأويليات الخطاب: نحو نمذجة للنقد التأويلي» معايير عامة للنمذجة، ما تزال قيد التجريب والاختبار، يمكن تدقيقها أكثر، أو تعميق خصائصها الفرعية، مثل: معيار تملُّك فلسفة تأويلية مرجعية متماسكة، ومعيار الأصالة والجِدة في البناء المعرفي، ومعيار صحة البناء النظري المجرد المستخلص من الأمثلة والظواهر، ومعيار تحقيق المنهج «العلمي» العملي الذي يعضد نظرية تأويلية معينة، ومعيار تحصيل صلاحية الفهم وتحصين المقترحات والادعاءات بالحجج والبراهين، ومعيار أصالة الأنموذج التأويلي الدَّال على الصنعة والإبداع والقابلية للتنزيل، ومعيار العمق التصوري والوفرة النوعية الدالة. ومعيار النسقية في إجراءات التطبيق، وغيرها. ويمكن التمييز في هذه المعْيَرة بين اتجاهات عامة أو «نمذجة عليا»، و»نمذجة دنيا» خاصة بكل فرع من التأويليات-بغض النظر عن قيمتها أو قوتها – فالحكم عليها مَوْرِد آخر شائك، وقد نصير إلى وَرْده بعد وِرده.
وتحتاج هذه المعايير العامة ـ في نظره- معايير نوعية خاصة بموضوعات التأويل المختلفة، معايير خاصة بتقويم ما يقبل الانتساب إلى التأويلية الدينية، وما يقبل الانتساب إلى الـتأويلية الأدبية، وما يقبل الانتساب إلى التأويلية العلمية، وما يقبل التعلق بالتأويلية الأنثروبولوجية، وما له تعلق بالتأويلية القانونية وغيرها. يقول: «يقدّم الكتاب نماذج تمثيلية من المنجزات التأويلية المغربية على سبيل التجريب، ناظرا في أُثولها، ومسارات تحولاتها، ومنجزاتها، وتنوعها، واختلافها. ومن الصعب الادعاء أنني أحطت فيها بكل ما له تعلق بالتأويل وبناء المعنى. إن ذلك سيكون ادعاء مكشوفا يسهل الطعن فيه، إنني أقر بمحدودية النتائج التي حصلت عليها، وقلة حيلتي في السيطرة على هذا الضابط المنهجي والكَّمي قياسا إلى ما أطمح إليه؛ غير أن الموضوعية العلمية تستند في مثل هذا الوضع الإبستيمولوجي الحرِج على مبدأِ التمثيلية بالعينات والنماذج لتجاوز هذا العائق. ولذلك، فإن قراءاتي اتخذت هذا المسلك الضيق، وقدّمتْ خلاصات عامة عن منجز التأويلية المغربية واختلالاتها ومآزقها، راجيا أن ينجز مثل ذلك حول تأويلية كل الأقطار الأخرى عربية وغربية، مما سيمكن في النهاية من تكوين صورة شبه كاملة عن التأويليات المعاصرة».
نظرية أدبية ممكنة
ينطلق الباحث من مطلب أساسي في اقترح هذه النظرية، وهو أنّ التراث البلاغي قَدَّم أصول نظرية شاملة لصناعة الخطاب وتأويله، لكنهم لم يستطيعوا صياغتها في نسق فلسفي يصلُح أن يؤسس نظرية عامة للخطاب البليغ، ومن ثمة جاءت إشاراتهم ـ في نظره- متفرقة غير متماسكة، وبقيت الشقة واسعة بين المعارف الأدبية، وعلوم الدين، وعلوم البلاغة، وعلم التأويل. وهذا ما تسعى «التأويليات الجديدة» إلى سدِّه رغم جسامة المهَمة التي زادت بظهور نماذج مستجدة من الرقميات، وألوان البلاغة المتجددة فيها؛ فإلى جانب الاهتمام بالوجود الدال والبليغ قولا وعملا وأملا، يمكن أن تعنى بعلاقة الخطاب بالمآل ضمن ما يسميه بـ»تأويليات المآلات».
تظهر القوة الاقتراحية في الكتاب: «النظرية الأدبية الممكنة: أثول فلسفة ما بعد الخطاب»، من خلال تفريق مبدئي بين نظرية الأدب والنظرية الأدبية؛ أما نظرية الأدب فهي الخطاب الواصف لماهية الأدب وحقيقته، وطبيعته، ووظيفته، ومقاصده، وأساليب تشكُّله، ومعالم أجناسه، وخصائص أنواعه. وأما «النظرية الأدبية» فالقصد بها الفكر الفلسفي الذي يحمل منظورا مخالفا للحس الأدبي المشترك، بالإفادة من مجموع التقاطعات والعلائق التي يجدها المنظر الأدبي بين المجالات المتصلة بالظاهرة الأدبية، انطلاقا من رؤية محددَّة للعالَم والفن والإنسان والوجود. ولهذا يقترح الباحث أن يُقرأ الكتاب من منظور «النظرية الأدبية» بوصفها رؤية فلسفية موضوعها الأدب، تعمل على مجاوزة «الحس الأدبي المشترك»، والتصورات القائمة والمتداولة عن رهانات الخطاب ووظائفه الوجودية.
يقول: «يدخل الإبدال التأويلي المآلي ضمن النظرية الأدبية، لا نظرية الأدب. وهو يقدم تصورا من تصورات تاريخ الأفكار الأدبية، والنظريات الأدبية، محاولا بيان جوانب قوتها، وجوانب ضعفها وانحباسها، وانغلاق أنساقها، ومحدودية رؤيتها ومنهجها الفلسفي والعملي، دون ادعاء الكمال. تلك بعض مداخل فلسفة ما بعد الخطاب، أو ميتافيزيقا الخطاب التي لا يمكن لأي نظرية غير إيمانية أن تفتحها. وهذه نقطة قوة هذه النظرية، فهي موصولة بعلوم الغيب، وتحديدا بما أٌعلمنا به من الغيب، وما نملك دليله النصي من خطاب الوحي، ومما صح في كتب الحديث. ليس خطاب الدين وحده هو المسؤول عن تذكير الإنسان بحاله ومآله، كل العلوم يجب أن يكون لها باب على روح الإيمان، وزيادته في قلوب الناس، بما في ذلك العلوم الكونية؛ ففي كل منها ما يزيد من تعلق الخلق بعظمة الخالق. ذلك لمن خشي ربه».
فالكتاب يستمدّ موضوعه من فلسفة الخطاب النظرية والعملية؛ إذ يقدم معرفة عن الخطاب القاصد إلى إكمال نفوس المعنيين بالكلمة والإشارة وكل سِيمياء التواصل، كما أنه معني بما يتصل بذلك من العمل، بل معني بما إليه مآل الفرد بعد الموت، وتأويل معاني وجوده وحضوره في الكون.
والمؤمل من كتابيِ الباحث المغربي محمد بازي ضمن مشروعه التأويلي وخواصّه النظرية والمعرفية، أن يثيرا نقاشا بين دارسي التأويل والتأويلية وعموم الباحثين، لأنّ مثل هذا النقاش المفترض لن يهمّ فقط علما أو حقلا معرفيا بعينه، بل بالأحرى عليه أن يرج خرائط من فكرنا المعاصر في كل وقت، وما يستتبعه الأمر الملحّ من تواصل وأصالة وإثمار نوعي، وذلك ديدن كل اجتهاد وعرفان ناضج.
كاتب مغربي