أحمد عثمانفي مساء 28 كانون الثاني/ يناير قام بعض المتظاهرين بإحراق مقر الحزب الوطني المطل على نهر النيل، ثم قام بعض المخربين باقتحام المتحف المصري الواقع بميدان التحرير، خلف مبنى الحزب الوطني، عن طريق شباك زجاجي في الطابق العلوي، ثم حضر الدكتور زاهي حواس ـ وزير الدولة لشؤون الآثار في حكومة الفريق أحمد شفيق ـ في صباح اليوم التالي لمعاينة المتحف، وأكد عدم وقوع أية سرقات للآثار، وقال إن المقتحمين تسببوا في إتلاف 70 قطعة أثرية وقام بعض المتظاهرين بالقبض على تسعة أشخاص وتسليمهم إلى رجال الجيش.
وعندما اتصلت السيدة إيرينا بوكوفا رئيسة هيئة اليونسكو بالدكتور حواس في 4 / شباط/ فبراير، للإطمئنان على آثار مصر وعرضت عليه إنشاء فريق دولي خاص لحماية المتحف، رفض حواس المساعدة وأكد لها أن المتحف المصري آمن، وهو لا يحتاج لمساعدة أجنبية. وخاطب حواس مندوبي الصحافة والتلفزيون ليؤكد أن المتحف المصري بخير، وقال إن كل ما أشيع عن سرقات للآثار لا أساس له من الصحة. وقال حواس لمحطة ‘سي ان ان’ إن المخربين اقتلعوا مومياءتين وألقوا الآثار على أرض المتحف، لكن الجماعة التي تكونت من تسعة أشخاص لم تتمكن من سرقة أي شيء من محتويات المتحف. وفي الرابع من فبراير نشر حواس في موقعه على الانترنت، أنه تأكد بنفسه من عدم فقدان أية قطعة من آثار توت عنخ آمون، وشاهد تمثال اخناتون الصغير وهو يقدم القرابين موجودا في مكانه. كما أكد أن كاميرات المراقبة تعمل في جميع صالات المتحف. ومع هذا وبعد مرور 16 يوما ـ عاد الدكتور حواس في 13 فبراير ليفاجئ العالم كله بإعلانه عن سرقة 18 قطعة أثرية مهمة من متحف القاهرة، كلها تتعلق بالملك توت عنخ آمون وعائلته: تمثالان لتوت عنخ آمون وتمثال لأمه’نفرتيتي وآخر لوالده إخناتون وتمثال لرأس أميرة من العمارنة، إلى جانب جعران وعدة تماثيل الشبه لجده الأكبر الوزير يويا. وتقدر هذه القطع في حالة بيعها في سوق الأنتيكات العالمية بما لا يقل عن مائة مليون دولار. والغريب هنا أن الدكتور حواس كان قد خص علي طه مندوب جريدة ‘الشرق الأوسط’ في 29 يناير بتصريح قال فيه إن ‘المتحف تعرض للسرقة بالفعل’، إلا أن القطع المسروقة ‘ليست بأهمية قطع توت عنخ آمون’. وهذا يدل على أن الدكتور حواس كان مدركا لأهمية آثار توت عنخ آمون بالذات، وأنه تأكد بنفسه من عدم فقدانها، فما الذي حدث بعد ذلك؟
الاحتمال الغالب أن هذه الآثار لم تتم سرقتها في مساء 28 يناير، بل في وقت لاحق، حيث لم يتم العثور على أية قطع أثرية مع الأشخاص التسعة المقبوض عليهم.
وقد شهدت السنوات العشرون الماضية زيادة كبيرة في كمية الآثار المصرية المعروضة’للبيع في مراكز المقتنيات والأنتيكات في معظم المدن الرئيسة بأوروبا وأمريكا، كما تكاد غالبية المزادات التي تقيمها شركات عالمية، مثل كريستيز وساذبيز، لا تخلو من قطع للآثار الفرعونية. وهناك يحمل وزير الثقافة السابق المصري السابق فاروق حسني المسؤولية عن هذه السرقات، فقد نشرت الصحف المصرية والعربية تقارير بأن عددا من المختصين والمسؤولين بهيئة الآثار قدموا بلاغا إلى النائب العام في مصر يتهمون فيه فاروق حسني وزير الثقافة السابق، بوقائع يدخل ضمنها ‘سرقات الآثار مما أدى إلى فقدان مصر لعشرات الآلاف من القطع الأثرية’، وطالب مقدمو البلاغ بالتحفظ على أموال فاروق حسني لحين الانتهاء من التحقيقات في الوقائع المنسوبة اليه.
ومنذ عودته من أمريكا في سنة 1987، نشأت علاقة صداقة حميمة بين الوزير حسني والدكتور حواس، الذي صار مسؤولا عن آثار منطقة الجيزة. وفي أحد الأيام في 1993 ظهرت صورة للفنان عمر الشريف في إحدى المجلات وهو يحمل تمثالا نادرا يرجع لعصر بناة الأهرامات من الأسرة الرابعة، كان قد تم العثور عليه حديثا. وانزعج الدكتور محمد إبراهيم بكر – الذي كان عندئذ رئيسا لهيئة الآثار – عندما شاهد هذه الصورة، وأصدر تعليماته للدكتور حواس بعدم إخراج هذا التمثال من المخزن بدون إذن كتابي منه هو شخصيا. ومع هذا فعندما قام الرئيس معمر القذافي بزيارة للأهرامات بعد عدة أيام من ذلك أخرج حواس التمثال مرة أخرى بدون إذن من رئيس الهيئة مرة اخرى.
قرر الدكتور بكر إيقاف حواس عن العمل في 21 اذار/ مارس 1993 وتحويله إلى التحقيق الإداري، ولكن فاروق حسني طالبه باغلاق التحقيق. وعندما صمم الدكتور بكر على الاستمرار في التحقيق، قام وزير الثقافة بالغاء انتداب بكر وطلب من الرئيس الجديد إعادة حواس إلى عمله فورا. (صحيفة ‘الوفد’ المصرية بتاريخ 5 آب/اغسطس 1993). والسؤال الآن هو: هل سجلت كاميرات الحراسة صورا لمن قام بسرقة تماثيل توت عنخ آمون، أم أن الكاميرات كانت معطلة هذه المرة كذلك، كما حدث في متحف محمد محمود خليل عندما سرقت لوحة الخشخاش لفان جوخ!
كاتب وباحث في المصريات مقيم في لندن