من الذي يدعم الجماعات المسلحة في شمال مالي؟

حجم الخط
0

حجم الآلة الاقتصادية والمالية للجماعات والحركات الانفصالية في مالي كبيرجدا، بحيث نندهش عندما نتابع هذا الملفّ بعمق ونجد ان هؤلاء يملكون ربما ما لا تملكه بعض دول العالم الثالث، وهذا الذي اثبتته التجربة بالنسبة للقوة المادية والعسكرية لهذه الحركات، لكن هناك شيئا ربما يجول في الخواطر والافكار: من أين لهذه الحركات ان تحصل على كل هذه الاموال.. من الذي يدرّ عليها تلك الكنوز؟
هذا هو السؤال الذي يجب ان يطرح ويجاب عنه لدى الجهات المختصة من اجل المعرفة، بحيث يمكننا جميعا تقديم رؤية واستراتيجية لمنع حدوث او تكرار مثل هذه الاحداث عندما تنتهي في مالي، وقبل ان تطلّ برأسها في مكان آخر من دول المنطقة، وقد رأينا بوادرها تطفو على السطح في كل من تونس والجزائر بعد احداث مالي .

مصادر التمويل من اين؟
توجد في شمال مالي حركات علمانية واسلامية، وحّدتها الاهداف فهي في النهاية متفقة على ضرورة مواجهة الجيش الوطني المالي لأنه عدوّ للجميع، ومن ثمّ فالحركات العلمانية التي تقودها حركة تحرير ازواد تريد انفصال الشمال عن الجنوب بدافع عــرقي اثــني بحت، بينما الحركات الاسلامية لا تشاطرها هذا الرأي لأنّ هدفها تطبيق الشريعة في شمال مالي، بعد فشل تجربتها في افغانستان والتضييق عليها في كثير من ارجاء المعمورة.
الحركة العلمانية تدعمها بعض الدول العربية.. كما تدعمها بعض الدول الغربية نظرا للمصالح الاقتصادية المرتقبة التي تقبع في تلك الصحراء من مواد ومعادن نفيسة من اليورانيوم والنفط وغيرها، فهذه الدول الغربية من صالحها ان يتم تقديم مساحة حكم تنفيذي لهؤلاء المتمرّدين لكي تهيّأ لهم الظروف لكي يستفيدوا من هذا المعدن او ذاك، وان ادى الامر الى تقديم حكم ذاتي او فيدرالي للطوارق او عرب تلك’المنطقة، كما يلوح في الافق، عبر منع دخول الجيش المالي الوطني مدينة كيدال تحت حماية الفرنسيين وحركة ازواد لحدّ الآن.
وان كان وزير خارجية فرنسا لوران فابيوس في مقابلة يقول بأنه لا يمكن لأي دولة ديمقراطية ان يكون لها ‘جيشان’ في نفس الدولة، وان حركة ازواد ستلقي السلاح. لا نعرف تفاصيل التصريح لكن يبدو ان لفرنسا ‘اهدافا’ غير طرد الجماعات الاسلامية كما تقول، والا فلماذا تتحالف مع حركة ازواد العلمانية اليوم؟ ربما هي تستخدمها ورقة ضغط على الحكومة المالية في الصفقات التي قد تبدأ بعد نهاية الازمة وهذا هو الذي يمكن استنتاجه مما يجري وما يقال هنا وهناك.

اعتماد فرنسا على عملائها في الحكومة المالية
نرى ان الرسميين المتفرنسين منهم تتخذهم فرنسا مرتكزها وسندها الاساسي تغريهم بفتح ابواب المنطقة لها وتحاول ارضاخهم لشروطها ومصالحها المرجوّة، ولذلك نجد المسؤولين الفرنسيين، خاصة عبر وزير الخارجية يؤكد انه عندما تضع الحرب اوزارها يجب ان تحلّ مشكلة المتمردين العلمانيين ويصرّ على ذلك في اكثر من مرة، ومعظم المحللين السياسيين الغربيين ينحون هذا المنحى ويتبنونه، ولذلك تدعمها بل وربما تنسّق معها عبر مؤسساتها الخيرية والانسانية في تلك المنطقة وربما كانت تموّلها عسكريّا وماديّا .
موقف شخصي….
احدهم قال لي انه رأى وزير خارجية فرنسا الاسبق برنارد كوشنير في’شمال مالي منذ التسعينات وهو يعمل مع قافلة انسانية خيرية لمعالجة الاطفال والنساء. فقلت ماذا يفعل هذا الرجل هناك وهو معروف بتوجهاته السياسية في تلك المنطقة، وان كان طبيبا وهو يعرف المنطقة اكثر ممن هم يسكنون او يقطنون في تلك المنطقة؟
المهم لا يخفى على اي احد هذا الدعم السياسي والاعلامي لفرنسا لحركة ازواد العلمانية، وان كنّا حقيقة لم نقف على حجم المساعدات المادية التي تحصل عليها من قبل فرنسا او غيرها من الدول الغربية.

دعم الدول العربية ومبرراته
الواقع ان العباءة الاسلامية تجدها مصبوغة في الجنوب اكثر من الشمال وان كان الشمال في كليته من المسلمين، واستطاع العرب ان يقتنعوا بذلك. وللأسف اصبح هؤلاء يستضافون في كبريات المنابر الاعلامية العربية، مثل الجزيرة بعد ان تمّ ربط هؤلاء ـ الازواديين الحاليين- بكتائب القذافي والوافدين من ليبيا، واصبح الذين حوربوا بالامس في ليبيا لأنهم كانوا من كتائب القذافي وكانوا معه قلبا وقالبا اصبحوا محببين ومقربين وتفرش لهم السجادات الحمر في بعض العواصم العربية من ممثلي حركة ازواد ….هؤلاء ايضا يمولون هذه الحركة بهذا الدافع القومي والاثني..
ولم تحاول هذه الدول القيام بدراسة او متابعة ومحاولة فهم ما عند الطرف الاخر وفتح قنوات حوار معه لكي تعرف الوضع ومن ثم تسعى الى حلّ ان كانت هناك مظالم، وهي موجود بالفعل سواء في الشمال او حتى في الجنوب نفسه فبعض العرقيات غير الطوارق لم تأخذ حقها من كعكة الدولة، وان كانت لم تقم بأي مبادرة لحمل السلاح للحصول على حقوقها، واكتفت بالمطالبة السلمية لحقوقها المادية والادبية.
أضف الى ذلك ان الازواديين نجحوا في ايهام العرب ان هذه الاحداث لها ارتباط بدول الثورات العربية وانها ثورة ازوادية، مع ان الثورات العربية وحتى التي آلت الى حرب مفتوحة انما بدأت سلمية ومظاهرات في الشوارع، ثم يشرع النظام في البطش والتنكيل كالحالة السورية الآن ومن قبل الحالة الليبية لولا التدخل الفرنسي والغربي هناك، مع ان الامر يختلف فهؤلاء جاءوا مسلحين من ليبيا وطردوا التوارغا من الليبيين اذ كانوا يشكلون غالبية من كانوا يعيشون في باب العزيزية ايام القذافي ولا علاقة لهم بالربيع او الشتاء العربي ابدا، بالاضافة الى ان مسؤول حركة ازواد كان مستشارا عسكريا للقذافي،’وهو بلال اغ الشريف، فمن اين له ان يقود ثورة في شمالي مالي؟… المهم ان الدول العربية اصطفّت معهم وتموّلهم بدافع اثني وعرقي فقط لا غير وان كان يربط كل ذلك بعداء الزنوج للعرب وان كان يوجد في الجنوب ما يقرب من عشرة آلاف مسجد واكثر من مئة وخمسين جمعية اسلامية محلية وبعضها وافدة من الدول العربية هذا في الجنوب فقط فأين عداء الاسلام في كلّ ما يقال؟

الجماعات الاسلامية وتمويلها
أما الجماعات الاسلامية فتمويلها يأتي من قبل جهات ودول تتبنى المنهج السني الخليجي غالبا، وهي المتحمسة للشريعة حسب نموذجها واقصد السعودية وربما قطر، لا اقول بأن هذا الدعم يكون بشكل رسمي لكن ربما عبر قنوات مخفية او من قبل الافراد، خاصة ممن يتحمسون للفكر الجهادي الذي انبثق من المنهج السلفي السعودي الذي استورد وموّل بشكل كبير من قبل رأس الدولة وضخّ في ذلك الاموال وجنّد مشايخ وعلماء في ذلك بل لم يكتف الامر بذلك وهو هذا الدعم المهول وذلك بايفاد افارقة الى تلك الدول من اجل تشرّب فكرها وعقيدتها واعتبار ذلك هو الاسلام كل الاسلام وغيره هراء وباطل ويجب ان يمحى من الارض.

تطوّر الفكر السلفي الى الجهادي القاعدي
المهم ان هذه الدول بجمعياتها ومؤسساتها الرسمية كانت تدعم هذا التوجه وهذا الذي تطوّر الى حمل فكر حمل السلاح والسعي لهدم الاضرحة والقبور والمساجد، التي تتخذ كمتاحف اثرية عالمية في شمال مالي، خاصة تومبكتو لدرجة حصول تهديد لمسجد جينكري بيري في تومبكتو الذي يعود بناؤه الى اكثر من ثمانية قرون ولا زال موجودا بهيئته الطينية ان لم يتدارك الوضع قبل تلغيمه وهدمه من الاساس لا سمح الله..
هؤلاء كوابيس بشرية على المجتمع المالي المسلم المعتز بالعرب والعربية والاسلام وقد وصل الاسلام في افريقيا بالحبشة قبل المدينة. هؤلاء الافارقة لن يخونوا اخوانهم العرب ولا الطوارق ولن ينتقموا رغم المصاب الكبير، ورغم الموقف المخزي من الدول الاسلامية من ازمة مالي.

الرهائن الغربيون
تعوّدت هذه الحركات على خطف رهائن غربيين في شمال مالي للضغط على الحكومة المالية وطبعا على الحكومات الغربية، خاصة فرنسا وحتى اليوم تم اطلاق سراح عائلة فرنسية مخطوفة في الكاميرون، والسبب الرئيس في ذلك هو كسب الاموال وضخّ الاموال الضخمة من اجل تمويل نفسها عن هذا الطريق التي اظنها غير اسلامية مع انها جهادية، وهذا يذكرني بمقولة ذكرها ناشط سياسي مالي: ان الجماعات المسلحة حين دخولها في مدينة تومبكتو وجاوو اتجهت اول ما اتجهت الى البنوك لكسر ونهب ما فيها من اموال وودائع، علما بانها اموال وودائع المسلمين، بأي منطق وبأي شريعة أو أي جهاد يسوغون لأنفسهم ذلك كما تساءل الناشط؟
اضف الى ان تجارة المخدرات تعتبر مصدر كسب لهذه الجماعات المسلحة كلها اسلامية وعلمانية، التي تدرّ عليهم الاموال بالملايين من الدولارات واحيانا يتعامل اهل كيدال بالعملات الاجنبية اكثر من العملة المحلية لدولة مالي لكثرتها في هذه المدينة.

اخيرا
اعترف ان كثيرا من الدول راجعت مواقفها من ازمة مالي لكن يبقى ان الشعب المالي قد فقد بعض ثقته في بعض البلاد العربية والاسلامية ونتمنى ان تعود الامور الى نصابها كما كانت من قبل عندما تضع الحرب اوزارها…
والذي نودّ تأكيده هنا ان الشعب المالي لم يرد هذه الحرب ولم ينجر وراءها، وانما فرضت عليه فرضا وسط غياب الاصدقاء القريبين وحضور وتفاعل الاعداء البعيدين ومساندتهم لمالي وشعبها.

‘ كاتب وباحث في القضايا الافريقية والاوروبية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية