من الرباط إلى البسطيلة

حجم الخط
0

زُلَيْخة أبوريشةكان أوَّل اتصالٍ لي فيما أذكر- مع المغرب من خلالِ أكلةٍ شهيرة في المشرق اسمها ‘المُغربيَّة’ (هكذا بضمِّ الميم)، وهي طبقٌ معدَّل عن الكسكس، يشبهه في مرقه، ويختلف عنه في حجم حبيباتِه. وكانت عائلتي تحتفي احتفاءً خاصاً بهذه الأكلة التي دخلت مطبخنا من خلال إحدى مريدات الطريقة الشاذليَّة التي كنا بها على صلة متينة بحكم النسب والانتماء العائليّ، وبحكم أنَّ الطريقة تجمعُ كلَّ متفرِّق. وسيظلُّ المغربُ حلماً بعيداً لي لا أزوره إلا في خيال القراءات وبرامج التلفزة، حتى دُعيتُ إلى أصيلة في مهرجانها الشَّهير، فرتَّبتُ زورةً للرباط حتى أقف منها على نبأ مترجِّحٍ في الجمال.وكانت طنجة أوَّلاً مع بقايا ذكريات ‘خبزها الحافي’ والشاي الأخضر بالنعناع بصحبة المفكر المصري حسن حنفي وزوجه، ثمَّ أصيلة، التي بهرني بياضها مع زرقة محيطها وأناقتها الاستثنائيَّة وتفرُّدها في الموقع والحدث الثقافيّ، ثمَّ الرباط كسيرةٍ غير مختصرة لاحتضان الأندلس في منفاه.لن أمضي في الرباط بعيداً قبل أن ألجها من باب الأحد ذهاباً إلى شارع السويقة، ومن هناك ستنفتح لي عوالمُ من الثراء والأبَّهة كانت متلطِّيَةً عني بما مُنِحَت من إرثٍ قديمٍ، وتفنُّنٍ في البقاء. ولن أمضي عنها أكثر من أن أحفظ لها إيقاعها اللغويَّ الذي يُجبرُ مشرقيَّتي على تأمُّل النَّبر المُحكَمِ في نطقِ الكلام. وعندئذٍ كيف لي أن لا أعشق بالدَّستة شعراءها وهم يتمخترون في نزهتي اليوميَّة في الكتب، ومفكِّريها وهم يعجنون العقل بالدَّهشة؟لم أمكث في الرباط أكثر من ثلاثة أيام لم تكن كافيةً لشيئ، سوى أن أزور المدينة العتيقة للتبضع من أنيق ما تدَّخره من فضياتٍ وملابس تراثية، وأزور الصديق الشاعر السوري عمر بهاء الدين الأميري الذي كان يقيم في شاطىء الهرهورة، وبصحبته سنزور أحد أصدقائه في قصره المغربي في الرباط، حيث سأشهد فنَّ العمارة الأندلسيَّة وزخرفتها الباهرة. وهو ما ورثته الرباط من جارتها التي تعثَّر بها التاريخ، وما استقبلتْه من تأثيرات جماليَّةٍ بحكم موجات الهجرة القسريَّة التي طحنت الأندلس وممالكها المنهارة. ولكنَّ الرباط ستظلُّ في نفسي مدينةً لم أشبع منها، ناقصةً فيما منحته لي من عناوين شديدة العموم، لم أجد الوقت لأتفحَّصَ ما جاء تحتها من مقالاتٍ وتفصيلاتٍ، سوى أن أعاود الكرَّة تحت أي حُجَّةٍ، لأزور مدناً أخرى ستظلُّ على ودادها العميق لما كانت عليه الرباط، وشديدة الالتصاقِ بالطابع المغربيّ الأصيل للمدن: مراكش وفاس.غير أنَّ الشغف بالمغرب لم يتلخَّص عندي بالأمكنة وناسها، ولا بالاتصال بما أنتجه من ثقافةٍ وفنونٍ فحسب، بل بالمائدة المغربيَّة، التي وجدتُني يوماً بعد يوم أزداد تعلُّقاً بها وافتتاناً بجمالياتها ومذاقاتها ومكوِّناتها. وقد أصبح للمطبخ المغربي عندي زاوية في مكتبتي، وركنٌ على جهاز كمبيوتري، تتدفَّقُ عليهما الخبرات المذهلة للذائقة التي تزاوج بين النكهات والروائح والألوان والملامس بفرادةٍ تفسحُ لهذا المطبخ مكاناً متميِّزاً بين مطابخ العالم. وإذا كان الطعام نتيجة عراكٍ ثقافيٍّ مع الطبيعة وموجوداتها المتاحة، وبعض وجوه التحضُّر البشري، فإنَّه هاهنا عنوانٌ عريضٌ لما خمَّرتُه التجربةُ المغربيَّة مع شقيقتها الممحوة من التاريخ؛ الأندلس، من عناصر ابتكارٍ وخيالٍ جامحٍ يقعد، لديَّ على الأقل، على قدم المساواة تميُّزاً – مع الفكر الفلسفي لابن رشد والعروي، وأدب محمد شكري وشعر عبد اللطيف اللعبي. وليست المساواة بين الطعام في هذا السياق وبين الفكر والأدب إهانة للفكر والأدب، ما دمنا بصدد مقاربةٍ لإنجازٍ ثقافيٍّ وحضاريٍّ لشعبٍ يُبدعُ، ويحافظ على إبداعه، بل يُعمِّمُه ويُشعِّبه؛ أي يجعله شعبيّاً.وإذا كان ليس ممكناً تلخيص المطبخ المغربي بطبق الكسكس أو الطاجين أو البسطيلة، فإنَّه ليس ممكناً تلخيص المغرب بالجابري أو بعلال الفاسي أو ببنيس أو بحسن نجمي أو ببن جلون أو بمالكة العاصمي أو بفاطمة مرنيسي أو بمحمد برادة أو بالطيب صديقي أو بثريا جبران، ذلك أنَّ المشهد المغربيَّ وتاريخه حافلان بزخمٍ من المعرفة الحضاريَّة والثقافيَّة ومن التجاريب المهمة في التراث الإنسانيّ، مما يجعل الاقتراب منه متعةً روحيَّة وجماليَّةً لا تنتهي بزيارة، ولا تنقضي بكتابٍ أو مسرحية أو لوحة أو فيلم، أو حبٍّ عابر بين مهرجانٍ ومؤتمر. مثلما لا يكون ممكناً الإجهاز على هذه المتعة الفريدة بتناول كعب الغزال أو المحنشة. ذلك أنَّ كلَّ مفردةٍ من مفردات الثقافة المغربية تشدُّ إلى أخرى، وتغرى بمثيلاتٍ يتضوعن مثلها بالبهاء والأبَّهة! فالرباط إذن، مثل مدنٍ أخرى في المغرب، أنيطَت بها حماية إرثٍ لا حدودَ لروعته وقيمته، يتجلّى عندي في أكلاتٍ تتنافس مع أعمال تشكيليَّة كتلك التي لمحمد المليحي، حيثُ الألوانُ بطلةُ النقاش والحجاجِ الجماليّ اللذين تطرحهما اللوحة والطبق على بساط البحثِ والتذوُّق. ولذا لم يكن ممكناً لديَّ الكفُّ عن الحلم بالرباطِ والعودة إليها، كعودةٍ إلى نبع حضارةٍ جعلت لطائر الفينيق العربي جناحاً به يشيلُ إلى العالمية والتفرُّد. إنَّ الخوض في تاريخ بلدٍ من خلال طعامه، يحتاج في رأيي إلى تتبُّعِ ذلك الخيط الذي يسيلُ من أواني الطعام إلى الأسواق التي تلخِّصُ رحلات الصيف والشتاء وسائر الفصول، محمَّلةً بعبير البهارات والزيتون واللقيمات وتلالها زاهية الألوان التي تعلنُ إقبالاً على الحياة، واحتراماً منقطع النَّظير لما اخترعه الأسلاف، وتقاليد صارمة في الحفاظ على التراث. وهو تماماً ما ترصده العين في أسواق المدينة القديمة في الرباط ومراكش وفاس (المدن التي زرتُها)، حيث تتباهى الدكاكين بما تملك من ألوانٍ وأشكالٍ وطعومٍ، تشكِّلُ بحدِّ ذاتها لوحاتٍ شعبيَّةً لها جمالها البارع المثير، والتي تشكِّلُ بدورها موضوعاتٍ ومحرِّضاتٍ لا تنتهي لأعمال تشكيلية وروائية وشعرية قادمة. إنَّ الانغماسَ الحَرفي الذي تتيحه مدينة كالرباط لزوارها، لا يضاهيه متعةً إلا حماماتها العربية (التي سميت عندنا خطأً بالتركية) التي ستفتحُ مساماتك لتمتصَّ الحياةَ ولذائذها، وستنعش قدرتك على التعاطي مع هذا الكم الهائل من الجمال والمتع التي تتراوح بين خطٍّ عريضٍ من متع الروح ومتع الحواسّ. ذلك أنَّ الاندهاش دائم الاستعار أمام مكونات الثقافة المغربية وحضارتها، بل وطبيعتها المتنوعة الساحرة، يفضي في آخر الأمر إلى اكتنازٍ غير عاديّ بكل ما هو جميلٌ ومتعدِّد، مما يجعل من سياحة العين والفكر مهمَّةً غير متكرِّرة، تجعلك تُغضي حياءً أن تلحظ ما يعتري نسيج المجتمع من تهتُّكٍ لأسبابٍ شتى منها الفقر والضائقة الاقتصادية التي لم ينجُ منها بلد في العالم. شاعرة وكاتبة من الأردن[email protected] qadqpt

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية