لا يمكن لانسان عاقل يمتلك قواه العقلية وانسانيته ان لا يستنكر قتل الصحافي الامريكي، جيمس فولي، بيدي عنصر داعشي ملثم. فالقتل خارج القانون جريمة وفق القوانين الدولية ومبادىء حقوق الانسان. وفي الشرع الاسلامي ايضا لا يجوز قتل البشر خارج اطار القضاء، والا لسادت الفوضى وعم الخراب. كما ان من غير الانسانية الصمت على ما يجري لليزيديين والمسيحيين في شمال العراق على ايدي عصابات ما يسمى «الدولة الاسلامية».
فقد ارتكب بحق هؤلاء من الجرائم ما يهز الضمير الانساني، ويكفي مشاهدة الذبح بالسيوف والفؤوس من خلال مقاطع الفيديو المنشورة على «يوتيوب» لتقشعر الابدان وتهتز الفرائص ويشعر المرء بالاحباط والغضب. ولكن هل كانت هذه الجرائم لتحدث لو تم التصدي للظاهرة الداعشية مبكرا حين كان أغلب ضحاياها من العراقيين المسلمين (شيعة وسنة)، او السوريين؟ هذا يقود الى مبدأ يجب ان يكون واضحا لدى الجميع مفاده ان المسؤولية الانسانية والاسلامية تحتم على الانسان رفض الظلم بشكل مطلق اينما وقع، بغض النظر عن مرتكبيه او ضحاياه، وعدم الانتقائية في المواقف. فلا يصح القبول به او السكوت عليه حين يقع في اي مكان او زمان. فالظاهرة الداعشية ليست وليدة اليوم بل مضى على نسختها الحالية عشرة اعوام على الاقل، وسقط بسببها اكثر من مائة الف من العراقيين، واعداد هائلة من السوريين. وقد شجعها دعم البعض بشكل علني وصمت البعض الآخر.
ولكي تتضح صورة الوضع الحالي الذي طغت فيه ممارسات «داعش» على ما سواها من التطورات خصوصا العدوان الاسرائيلي على غزة، يمكن طرح عدد من الظواهر ذات الصلة لكي تكون ارضية لفهم واقعي للازمة التي تعيشها الامة، وخطوة على طريق ا خراجها من مستنقع الفتنة وحمامات الدم. ومن هذه الحقائق ما يلي: اولا ان ظاهرة «داعش» ليست مرشحة للبقاء طويلا، خصوصا بعد ان استعدت كافة القوى الاقليمية والدولية ضدها، وبعد ان دشنت عهدها في الهيمنة بفرض رؤاها الدينية وما تعتقده من احكام الشريعة، بدون الاعداد لذلك او استكمال مستلزماته. الامر المؤكد ان هذه المجموعات حظيت بدعم اقليمي وغربي لكي تتصدى للحكم السوري وتسقطه، وحصلت من الدعم المادي ما جعلها قوة ضاربة. وقد دفعها ذلك للاحساس بضرورة «الاستقلال» عن تلك القوى، وربما استهداف بعضها، الامر الذي حولها من واجهة لمشروع التصدي للنظام السوري الى ظاهرة خطيرة تهدد الآخرين وتنشر ثقافة الموت والدم والعبثية المفرطة في إراقة الدماء. ورفض هذه الظواهر توسع ليشمل عناصر قيادية ضمن تيار السلفية الجهادية، بعد ان تجاوزت الحدود واصبحت وبالا على المنتمين لذلك التيار. مع ذلك فهي لا تختلف عن ظاهرة «طالبان» التي ظهرت فجأة في افغانستان واسقطت حكومة برهان الدين رباني، وحكمت بضع سنوات انتهت بضربات امريكية بعد حوادث 11 ايلول/سبتمبر 2001. وقد اجرت تلك الحركة تعديلات على نهجها، وركزت جهودها في مجال التصدي للقوات الاجنبية في افغانستان. فمثلا عندما تصدت مجموعة مسلحة في وسط افغانستان الشهر الماضي لحافلة وقتلت 14 شيعيا من بين راكبيها قال المتحدث باسم طالبان ذبيح الله مجاهد أن «الإمارة الإسلامية تدين بشدة واقعة القتل وستحاول أن تعثر على الجناة وتعاقبهم». هذه الحادثة تظهر ان من يسعى لاقامة دولة لا يمارس جريمة القتل او التمييز بين المواطنين على الهوية.
ثانيا: ان تنامي التطرف والارهاب الى المستوى الحالي يؤكد فشل ما سمي «الحرب على الارهاب» الذي مارسته القوى الغربية بقيادة الولايات المتحدة الامريكية. فقد توسعت دائرة الارهاب والقتل الجماعي في مناطق واسعة من افريقيا بالاضافة الى الشام والعراق وافغانستان. بل ان الدول الغربية اصبحت الآن اكثر قلقا بسبب تصاعد احتمال تصاعد اعمال الارهاب على اراضيها نتيجة التحاق آلاف الشباب من المسلمين القاطنين في اوروبا بالمجموعات المقاتلة في سوريا والعراق تحت عنوان «الجهاد». هذا التوسع في مخاطر الارهاب يعكس فشلا ذريعا لمشروع «الحرب على الارهاب» ويضغط على السياسيين والمؤسسات الديمقراطية في تلك البلاد للبحث في اسباب ذلك الفشل، وما اذا كان ذلك مرتبطا بسياساتها تجاه المنطقة. المواطنون الغربيون اليوم اصبحوا اكثر عرضة لاعمال العنف المتوقعة من المجموعات التي حظيت برعاية الحكومات الغربية وحصلت مساعدات مالية وعسكرية وسياسية كبيرة للاستمرار في قتال النظام السوري.
ثالثا: ان تصاعد الارهاب تزامن مع تصدي قوى الثورة المضادة لمشاريع التغيير في العالم العربي. هذا يؤكد ان منع انتصار ارادة التغيير لدى الشعوب أدى الى نتائج خطيرة بعد ان شعرت الجماهير التي ثارت وضحت من اجل التغيير بعبثية السياسات الغربية واصرارها على دعم الاستبداد والحكم المطلق في العالم العربي. وحين يفقد الشباب أمله في العيش الكريم، ويرى من حوله مآسي أمته التي يرزح بعض اجزائها تحت الاحتلال وبعضها الآخر يعيش تحت هيمنة الاستبداد والنفوذ الغربي، يصبح عرضة للاستغلال وسوء التوجيه. وهنا تصبح مهمة المجموعات المتطرفة في التجنيد متيسرة، خصوصا مع وجود الدعم المادي والفتاوى التي تكرس التطرف.
كانت الشعوب العربية تأمل ان تؤدي الثورات التي خاضتها الى تغيير جوهري يسقط الديكتاتورية ويعيد للشعوب دورها في ادارة شؤونها بعيدا عن الهيمنة والتبعية. ولكن تدخل قوى الثورة المضادة، المدعومة من الغرب، حال دون ذلك، فحل اليأس مكان الامل وتوقف الحراك الشعبي وانتشرت ثقافة الموت والقتل. ان الدول الغربية تتحمل شطرا كبيرا من المسؤولية عما حدث، فقد تخلت عن شعاراتها وخذلت الشعوب الباحثة عن الحرية، وسمحت لقوى الاستبداد باعادة توجيه بوصلة الثوار بعيدا عن اهداف الحرية والديمقراطية، واقرب الى التطرف والطائفية والعنف. انه خطأ تاريخي سيدفع الجميع ثمنه. يتمثل البعد الرابع بالقدرة على استدراج قطاع واسع من العلماء والكتاب والمثقفين الى مشروع قوى الثورة المضادة، فاذا بها غير قادرة على التمييز بين شعار الثورة ضد الاستبداد وشعار التلهي بالخلافات المذهبية والطائفية والعرقية. وشتان بين من ينطلق في حركته لتحقيق الحرية لنفسه وشعبه وتعبيد الطريق الذي يحقق الكرامة ويساهم في اقامة العدل، ومن يسعى في الارض فسادا ويهلك الحرث والنسل، فذلك فساد لا يرضاه الله ولا تقره الانسانية. لقد استدرج قطاع كبير من النخب المثقفة العربية لمسايرة قوى الثورة المضادة، وساهم، بعلم او بدونه، في تعزيز موقع المجموعات المسلحة التي انتهجت التطرف وحرفت المسار عن اهم قضايا الامة مثمثلة بالبحث عن الحرية والتصدي للاحتلال والحفاظ على وحدة الامة. ادى ذلك لحالة التفتيت التي سلبت الشعوب القدرة على الحراك بسبب انشغالها بالتصدعات الداخلية التي فرضتها قوى الثورة المضادة. كان الامل ان تصمد تلك النخب وتتمرد على محاولات تهميش دورها او حرف مسارها عن طريق الحرية والكرامة، وان تصفع الطامعين في استمرار الهيمنة على الامة، بالتمرد على محاولات تلك القوى. لكن ذلك لم يحدث، الامر الذي ساهم ي تشجيع العناصر المتطرفة على مواصلة دربها تحت شعارات مثيرة للنعرات والمشاعر غير السامية. وهكذا توفرت البيئة المناسبة لصعود تيار التطرف بدون مقاومة تذكر.
من المسؤول عما جرى؟ من الذي اقتضت مصلحته اعادة بلورة الفكر الجمعي لأمة العرب والمسلمين باتجاه التدمير والتفتيت والتمزيق؟ وكيف استطاعت مجموعات اغلبها يقترب من الامية استدراج كوادر الامة وعلمائها ورموزها الى المستنقع الطائفي المقيت الذي اوصل الامة الى حافة الانهيار والحروب الفاترة؟ ذلك هو السؤال الذي يقتضي الاجابة بموضوعية وتجرد لوقف التداعي في مسار الامة واحتواء ما ترتب على ذلك من آثار سلبية على معنويات الجماهير. الدولة الاسلامية تنطلق لبسط الحرية واقامة العدل وتوفير الامن للجميع، قبل حز الرؤوس وبتر الايدي وسبي النساء.
وما سوى ذلك فهو افتراء على الله ورسوله.
٭ كاتب وصحافي بحريني يقيم في لندن
د. سعيد الشهابي