من الرجل الجالس خلف باسيل؟ نديم قطيش ينصح… وأحمد فاخوري بين الإذاعة والتمثيل

حجم الخط
2

في الحلقة الأولى من مسلسل “المسيح” على شبكة “نتفليكس”، تسأل موظفةٌ في “وكالة الاستخبارات الأمريكية” (سي آي إيه) متقدماً لوظيفة في الوكالة إن كان له أن يتقبل مجرماً، وإن كان بإمكانه أن يأتمنه على الحقيقة.
تسأله: “هل تثق بأنه (المجرم) سيخبرك الحقيقة”. يجيب الشاب، الدارس للفلسفة: “للحقيقة أشكال مختلفة. لذا فإنني لا أعرف. الحقيقة رمادية جداً”.
تقول الموظفة إنها ستوقف المقابلة عند هذا الحدّ، وتخبره بأنها لن توصي بتوظيفه. حين يسألها السبب ستجيب “سي آي إيه” تنظيم مقدس. إنها عقيدة نحيا بموجبها. تعتمد أرواح الناس على ما نتخذ من قرارات، على ما نقوم به من أفعال. حين تواجه أشدّ الضغوط يجب أن تعرف أعداءك. قد تبدو الحقيقة رمادية، لكنها ليست كذلك صدقني”.
ما أشدّ بلاغة الحوار في هذا المشهد. إنه يلخص بالفعل عالمين، الفلسفة، الشعر، الأدب من جهة، والمؤسسة الحاكمة، أو المسيطرة، من جهة أخرى.
في الحوار استعادة على نحو ما لعبارة “هاملت”، الشخصية الشكسبيرية في المسرحية، التي تحمل اسمه: “ألهذا الحدّ يجعل التأمل منا جبناء!”. كان هاملت عازماً على الانتقام لمقتل أبيه، لكن “التأمل” يجعل منه متردداً على الدوام، يثرثر أشياء هي بين الشعر والفلسفة والعبث. لذلك هو أقرب إلى الضياع، وما اليقين بالنسبة إليه سوى “تمتمة في الجهة الأخرى”.
لذلك ربما تتأخر الثورات التي يقودها “شعراء” و”غاوون” في الانتصار، هؤلاء الذين يرون أن “للحقيقة وجهين”، ويريدون مواجهة عالم الاستبداد والتوحش والعصابات “المقدسة” بالشعر والفراشات!

لقطة من مسلسل "المسيح"

لقطة من مسلسل “المسيح”

أثر باسيل

لم أجد أمتع من مقابلة جبران باسيل، وزير الخارجية اللبناني السابق، في منتدى دافوس الاقتصادي الأخير. أولاً بسبب الحصار الذكي والعارف من قبل المحاورة هادلي غامبل، حينما سألت باسيل كيف جاء إلى المنتدى، وخصوصاً عندما حاول التملص والقول إن الحكومة لم تدفع له شيئاً من أجل ذلك، وإن التكلفة مُنحت له من آخرين.
عندها علّقت غامبل “ليتني أتمتّع أنا أيضاً بهذا النوع من الأصدقاء”، ما أدى إلى تدخل وتعليق تاريخي من وزيرة التجار الهولندية، إذ قالت “من غير المسموح أن يكون لدينا أصدقاء كهؤلاء عندما نكون في الحكومة”.

لكن هناك ما هو أمتع من هذا الحصار ومن حرج باسيل، فخلفه تماماً كان هنالك وجه، لا ندري من يكون بالضبط من بين المشاركين، وعلى نحو ما، كان هذا الرجل هو نحن المشاهدين، إنه بالضبط سخريتنا، وتعليقاتنا وشماتتنا وكل انفعالاتنا نحن تجاه المقابلة.
أعدت المقابلة مرة تلو المرة، فقط من أجل ملاحظة انفعالات الرجل غير المعروف لنا، على غرار الرجل “العابس الواقف” خلف اللواء المصري الراحل عمر سليمان عند خطاب تنحي مبارك.
ربما كان من المفيد البحث عن هذا الرجل، وسؤاله عن أثر باسيل.

تعلّم يا حبوب

يشارك (يضع) الإعلامي اللبناني نديم قطيش على “تويتر” مقابلة مع الوزير السعودي عادل الجبير، أجرتها المذيعة نفسها، التي أجرت المقابلة مع جبران باسيل، في منتدى دافوس مع عبارة شماتة وتقريع لباسيل: “تعلّم يا حبوب كيف بيكونوا وزرا الخارجية”.
وبالفعل ستجد مقابلة مختلفة عن تلك التي أجرتها هادلي غامبل مع باسيل. لكن لا بدّ من ملاحظة بعض الفوارق. فمن الواضح أن غامبل قد قررت سلفاً أن تحاصر باسيل، وأن تجعله عبرة. “البادي لانغوج” الخاص بها يقول ذلك بوضوح. لقد كانت سلفاً بالمرصاد لباسيل، وهذا بالطبع لا يخفف من إعجابنا بذكائها ومعرفتها بموضوعها، كما لا يعني أن باسيل لم يكن يستحق.
لم تكن غامبل كذلك مع الجبير، وإن كانت أسئلتها في العمق. سألت عن اختراق الهاتف الجوال لجيف بيزوس من قبل ولي العهد السعودي، وبالطبع كان الجبير حاسماً في نفيه، وفي دفاعه عن محمد بن سلمان، وعمّا يسمى “رؤية السعودية 2030”
عزيزي نديم، قد يكون الجبير ألحنَ بحجته من جبران باسيل، وقد يكون توفّرَ له من المراس ما لم يتوفر لنظيره اللبناني (السابق)، لكن ذلك لن يجعل منه معلّماً لأحد، فالمقابلة، وغيرها من المقابلات، لا تثبت إلا شيئاً واحداً، أنهم ليسوا رجال دولة، بل مجرد أجراء وأبواق عند نظام قاتل.
إن كان لأحد أن يتعلّم، يا عزيزي، هو أنت، لا جبران. لا يمكن لأحد أن يدّعي الحرية وخدمة الحقيقة في مكان، وأن يكون مهادنا في مكان آخر.

فاخوري مذيع أم ممثل؟

المصادفة حملتني لمشاهدة مقابلة جبران باسيل في منتدى دافوس عبر برنامج “تريندنغ” على “بي بي سي”. في حلقة يقدمها المذيع السوري أحمد فاخوري. ولعلها مناسبة لتناول أداء المذيع اللافت ويحظى بمتابعة وبمعجبين كثر.
لا يمكن إنكار الأداء اللافت للمذيع، سلامة نطقه وحروفه وتقطيعه. وفي “تريندينغ” خصوصاً نجح بأن يقدّم الخبر بطريقة مؤثرة وجاذبة للمشاهد، طريقته تقترب من أسلوب الحكواتي، المعروف في الثقافة العربية.

المذيع السوري أحمد فاخوري

المذيع السوري أحمد فاخوري

لكن ربما بالغ الرجل قليلاً في أدائه، وفي استرخائه، إلى حدّ أنه بات أقرب إلى ممثل منه إلى مذيع. وبقدر ما هو مذيع ناجح فقد تمكّن فاخوري بإقناعنا بأنه ممثل سيىء. خصوصاً عندما يروح يقرأ الـ”تويتات”، التغريدات المتعلقة بالموضوع الذي يعالجه، مقلداً لهجات أصحابها، فإذا كان صاحب التغريدة لبناني فهو سيقرأ التغريدة باللبناني، وإن كان خليجياً قرأها باللهجة الخليجية، وهكذا.
وعدا عن صعوبة وورطة تتبّع أصول ولهجات أصحاب التغريدات من قبله كمذيع، فإن هناك صعوبات التقليد، الأمر الذي لم يهيأ له المذيعون، ولا هو مطلوب منهم، بل ربما بالعكس، مطلوب منهم البقاء في مطرح المذيع لا الممثل.
لافت أيضاً أنه قد بات لهذا الأسلوب معجبوه من بين المذيعين أنفسهم، راحوا ينسخونه بالحرف. بل إن المذيع نفسه بات يقلد نفسه في المكان الخطأ. إذ تجده على تويتر بفيديوهات يخاطب الناس فيها مباشرة، من دون إطار برنامج تلفزيوني، من مسافة أقرب، ومن دون استديو، أو منصة رسمية، ولكن مستخدماً بالضبط اللغة الرسمية الإذاعية ذاتها، والتقطيعات، والانفعالات. تخيل أن يحادثك جليسك في المقهى بأداء مماثل!

كاتب فلسطيني سوري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية