من السويس الي العراق والحتمية التاريخية غير المستوعبة

حجم الخط
0

من السويس الي العراق والحتمية التاريخية غير المستوعبة

د. سعيد الشهابيمن السويس الي العراق والحتمية التاريخية غير المستوعبةفي مثل هذه الايام قبل خمسين عاما كان العدوان الثلاثي علي مصر في أوجه، حيث كانت القوات البريطانية والفرنسية تشن حربا ضد مصر لاحتلال قناة السويس والمناطق المحيطة بها، بذريعة معدة مسبقا، عنوانها الفصل بين القوات الاسرائيلية والمصرية. كان ذلك العدوان تنفيذا لاتفاق سري بين الاطراف الثلاثة، بريطانيا وفرنسا و اسرائيل ، توصلت اليه في صيف ذلك العام في اجتماع لها بأحدي المدن الفرنسية، وذلك إثر القرار المصري في 26 تموز (يوليو) 1956 بتأميم قناة السويس. يقضي ذلك الاتفاق بان تقوم اسرائيل باحتلال القناة، يعقبه إنذار من الدولتين الاوروبيتين للطرفين، المصري والاسرائيلي بوقف الحرب تمهيدا لتدخلهما المباشر لاستعادة القناة واسقاط نظام الرئيس جمال عبد الناصر.وفي 29 تشرين الاول (اكتوبر) 1956، شنت القوات الاسرائيلية عدوانها علي قطاع غزة وشبه جزيرة سيناء متجهة نحو منطقة القناة. وبموجب الاتفاق طلبت بريطانيا وفرنسا التدخل لفصل القوات. ولكن عبد الناصر رفض المقترح، الامر الذي وفر للاوروبيين ذريعة الاجتياح المشترك. وأحدث العدوان ردة فعل صاخبة في العالم العربي علي وجه الخصوص، فيما دخل العالم حالة من التوتر السياسي كادت تؤدي الي حرب أوسع. الولايات المتحدة أدركت خطر الوضع وحددت موقفا واضحا ضد الاجتياح، وطالبت بانسحاب فوري للقوات من منطقة القناة. وانتهت الازمة بعد بضعة شهور، ولكن تداعياتها تواصلت فترة من الزمن وغيرت خريطة التوازنات ليس في الشرق الاوسط بل في العالم، خصوصا مع تصاعد الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي. اذا كانت ازمة السويس قد ضاعفت متاعب بريطانيا، وسارعت بسقوطها كأكبر امبراطورية في العالم، فان نصف القرن اللاحق قد شهد تغيرا في التوازنات والتحالفات السياسية بشكل جعل العالم اليوم مختلفا كثيرا عما كان عليه آنذاك. فأمريكا اصبحت اليوم حليفة للكيان الاسرائيلي، تحميه وتدافع عنه، وتخوض الحروب من اجله. ومصر التي كانت في حالة حرب مع ذلك الكيان، اصبحت أول بلد عربي يوقع معاهدة سلام معه، فاذا بحكومة مصر التي فتحت حدودها للعمل الفدائي أكثر من عشرين عاما (ما بين أزمة السويس وتوقيع اتفاقات كامب ديفيد) تصبح أكثر الدول رفضا لاية مواجهة عسكرية مع قوات الاحتلال، وتغلق حدودها امام المقاومة ضده، وتعلن موقفا علنيا في الحرب الاخيرة في لبنان ضد المقاومة ولصالح الاحتلال. الملاحظ ان ظروف صعود الدول وهبوطها علي المسرح الدولي مرتبط ليس بمدي قوتها العسكرية وانتهاج سياسات الحرب، بل بمدي وقوفها ضد العدوان والصمود بوجهه. فاذا كان سقوط بريطانيا وفرنسا، كأمبراطوريتين قد اكتمل بالعدوان الثلاثي علي مصر، فان صعود امريكا ارتبط بحدثين مهمين التزمت واشنطن إزاءهما بسياسة معقولة. كلا الحدثين كان في 1956. ففي صيف ذلك العام نشطت حركة الطلاب والعمال المجريين ضد النظام الشيوعي، استمرارا لحالة التمرد ضد الهيمنة السوفييتية بعد وفاة ستالين في 1953. وتدخلت القوات السوفييتية في تشرين الاول (اكتوبر) من ذلك العام لقمع الانتفاضة الطلابية والعمالية، وحدثت مجزرة عندما فتح الجنود النار علي تظاهرة من الف شخص وقتلت خمسين منهم. فتصاعدت الاحتجاجات واستعانت الحكومة المجرية بالقوات السوفييتية لقمع المتظاهرين. ومع اشتداد الازمة اعلنت الولايات المتحدة موقفها ضد تدخل القوات السوفييتية، وطالبت بخروجها من المجر. وسجلت واشنطن بذلك موقفا دوليا متميزا، اضطرها لاحقا للوقوف ضد العدوان الثلاثي، مطالبة القوات البريطانية والفرنسية بالانسحاب. فقد شعرت واشنطن ان الازمة ازدادت تعقيدا خصوصا بعد ان هدد الاتحاد السوفييتي بالتدخل الي جانب مصر. وكان للموقف الامريكي دوره في افشال العدوان، وانسحاب القوات المحتلة من منطقة القناة. وهكذا اصبح للولايات المتحدة موقف متميز وفر لها قدرا من الاحترام الدولي آنذاك. والأمر نفسه ينطبق علي الاتحاد السوفييتي عندما التزم سياسة دعم نضالات الشعوب ضد الاحتلال والاستعمار في الخمسينات والستينات. ولكن موقفه الدولي كان ضعيفا عندما تدخلت قواته لقمع الانتفاضات في المجر في 1956 وتشيكوسلوفاكيا في 1968. وليس بعيدا عن الحقيقة القول بان التدخل العسكري السوفييتي لافغانستان كان أحد الاسباب المباشرة لسقوط الاتحاد السوفييتي، اذ افقــــده الاحترام الدولي ووفر الفرصة للولايات المتحـــدة لتصفية الحسابات معه، واستحقاقات مرحلة الحرب الباردة. العراق اليوم تبدو ساحة معركة فاصلة بين عهدين: العهد الامريكي العملاق علي مدي عقدين، وعهد التراجع الامريكي وربما السقوط. فاذا كان العام 1975 يمثل ذروة الخسارة الامريكية في حرب فيتنام، وتقهقر قواتها بسرعة فائفة من عاصمتها، بنوم بن، فقد شهدت السنوات القليلة اللاحقة بداية استعادة الموقع الدولي، اذ استطاع الرئيس الاسبق، رونالد ريجان بعد فوزه في 1979، طرح خطاب وطني جديد ساهم في اعادة الثقة للامريكيين، فنهضت واشنطن مجددا علي حذر، وبدأت سياسات جديدة علي الساحة الدولية. فكانت الثمانينات والتسعينات مرحلة التعافي الامريكي الذي انتعش بعد الاجتياح العراقي للكويت في 1990. وفيما كانت الولايات المتحدة تزداد قوة وهيمنة علي شؤون العالم، كان الاتحاد السوفييتي يعيش أيامه الاخيرة التي انتهت بعد انسحابه المهزوم من افغانستان في 1989. واصبح العالم يعيش خلال الخمسة عشر عاما الاخيرة في ظل الهيمنة الامريكية المطلقة. اما بريطانيا فقد تراجع نفوذها الدولي تدريجيا وفقدت جانبا كبيرا من قدراتها السياسية والعسكرية، واصبح قادتها يتحركون ضمن أطر السياسة الامريكية، الامر الذي أدي بهم الي التورط في أفغانستان والعراق. اما الكارثة الكبري ففي العراق، التي لم يعد هناك اختلاف حول فشل السياسات الانجلو ـ أمريكية فيها، وهو فشل يحصد يوميا ما يقرب من مائة انسان من أبناء العراق. ومع ان هناك مؤشرات لعزم واشنطن تغيير سياستها في هذا البلد المبتلي، فما تزال حمامات الدم تجري بدون توقف. ومع اقتراب الانتخابات الامريكية لمجلسي الشيوخ والنواب يبدو الوضع مرشحا لتغيير كبير يضعف قبضة الجمهوريين علي أحد المجلسين او كليهما، بسب حالة الاحتجاج التي تسود الامريكيين ضد سياسات حكومتهم في العراق. ومع تصاعد القتلي في صفوف القوات الامريكية (تجاوزت المئة في شهر تشرين الاول /اكتوبر) ازداد وضع الرئيس جورج بوش حرجا، ولكن خياراته، في ما عدا الانسحاب الكامل وغير المشروط من العراق، محدودة جدا. وثمة ادراك يزداد انتشارا بان العراق تمثل كارثة انسانية علي نطاق واسع، تقع مسؤوليتها علي قوات الاحتلال التي فشلت في توفير ادارة حكيمة لهذا البلد الكبير. المشكلة انه برغم استمرار سقوط الضحايا من الطرفين (المواطنين والاحتلال) لا يبدو في الأفق ما يشير الي احتمال تغيير جوهري في مسار الازمة، او علي صعيد السياسات الخارجية لكل من لندن وواشنطن. ومع ان الدلائل تشير الي أهمية البعد الاسرائيلي في حالة الاحتقان السياسي والامني في الشرق الاوسط والعالم، فقد فشلت واشنطن ولندن في استيعاب ما تنطوي عليه تلك الازمة، ولم تقم بأية مبادرة لتغيير المنظور الشعبي لدورهما في توتير الاجواء ودعم الظالم، والتنكر للمظلومين. الغريب في الامر غياب حالة النقد الذاتي بشكل واقعي في الاوساط الحكومية في لندن وواشنطن، بالاضافة الي حالة الاضطراب والتقلب علي صعيد سياساتهما الخارجية وعلاقاتهما بشعوب الشرق الاوسط، المنطقة الأكثر اشتعالا سياسيا في العالم. اذا كان التدخل في السويس قد أدي الي سقوط رؤوس كبيرة في مقدمتها رئيس الوزراء البريطاني آنذاك، أنتوني إيدن، ومعه هيبة بريطانيا العظمي، واذا كانت أفغانستان قد أدت الي تلاشي الاتحاد السوفييتي بسبب الهزائم المتلاحقة، فان العراق في طريقها لأن تصبح مقبرة للمحتلين، وهو أمر يقلق ادارة الرئيس بوش، ويضغط عليها للبحث عن مخارج أقل كلفة. لم يعد الحديث في العراق يدور حول ما اذا كان الامريكيون سيرحلون، بل متي وكيف. فمع تصاعد الرفض الشعبي للاحتلال الامريكي، وفشله في احتواء الاقتتال الداخلي علي اسس طائفية وعرقية، اصبحت خيارات الرئيس بوش محدودة وغير فاعلة. فالانسحاب السريع خيار لا يخدم الاستراتيجية الامريكية في المنطق ويعطي الانطباع بفشل المشروع العسكري الانجلو ـ أمريكي، كما ان البقاء اصبح عبئا علي الجميع، العراقيين وحكومتهم والادارة الامريكية. السويس فتحت جراحا عميقة في الجسد البريطاني بعد انتهاء حرب 1956، واعتبرت البداية الحقيقية لنهاية الامبراطورية وسيطرتها علي المجري السياسي البريطاني العام، وعلي نفسية البريطانيين وتوجهات قادتهم. ولذلك يأتي الاحتجاج الشعبي ضد التورط البريطاني في العراق وأفغانستان، علي خلفية الشعور بالاحباطات والتراجعات وتصاعد الأزمات السياسية والامنية، والمساومة علي الهوية البريطانية التي اتسمت في الماضي بالاستقلال عن الطرف الآخر من الاطلسي. لم يكن أمام أنتوني إيدن في مطلع 1957 سوي الاستقالة من منصبه، برغم تجاربه الشخصية وخبرته في الميدان الدبلوماسي الذي يمتد أكثر من عشرين عاما الي الوراء خلال الحرب العالمية الاولي. رئيس الوزراء الحالي، توني بلير، يمر بأزمة لا تقل ضغطا وخطرا. فهناك ما يشبه الاجماع علي فشل سياساته في العراق، وعدم حكمة مسايرة السياسات الامريكية التي تتحرك وفق أجندات خاصة بعيدة عن التوافق الدولي، والحوار السياسي الحر وقد انتهي عهده قبل ان يترك منصبه. وسوف تظهر الانتخابات الامريكية لأعضاء الكونغرس (ثلث مجلس الشيوخ وجميع اعضاء مجلس النواب والمجالس البلدية و36 محافظا)، الأثر السلبي لحرب العراق علي الجمهوريين الذين ينتمي الرئيس جورج بوش اليهم، وتضع الولايات المتحدة علي طريق التداعي التدريجي كما حدث للاتحاد السوفييتي بعد كارثته في افغانستان. 9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية