إن نية الإدارة الأمريكية في نشر «صفقة القرن» بعد عيد رمضان القادم، أي في أثناء حزيران، إلى جانب المنشورات في وسائل الإعلام الأمريكية عن الصفقة القريبة، تخلق ضغطاً متزايداً على القيادة الفلسطينية. فوزراء خارجية الجامعة العربية يجتمعون في القاهرة، بناء على طلب عاجل من الفلسطينيين، في جلسة مخصصة لبحث «التطورات الأخيرة في المسألة الفلسطينية».
ليس واضحاً بعد إذا كان كل الأعضاء سيحضرون النقاش الخاص الذي سيلقي فيه رئيس السلطة الفلسطينية أبو مازن خطاباً سيحث فيه الدول العربية على التجند ضد خطة القرن، والتي أعلن المسؤولون في محيطه منذ الآن عن أنها «ولدت ميتة». وكان أبو مازن وصل أمس إلى العاصمة المصرية والتقى الرئيس السيسي، الذي كان زار البيت الأبيض قبل عشرة أيام فقط. ويعرب السيسي رسمياً عن تأييده الكامل لاحترام كل حقوق الفلسطينيين ويعلن بأن حل المشكلة الفلسطينية سيؤدي إلى حل باقي مشاكل الشرق الأوسط، ولكن القضية الفلسطينية لا تلعب دور النجم في سلم أولوياته. أولاً، السيسي معني بأن يرى ما ستكون عليه نتائج الاستفتاء الشعبي الذي بدأ أمس وسيستمر حتى يوم غد وسيحسم في موضوع الخطة الشاملة للتعديلات الدستورية التي تتيح له أن يتولى منصب الرئيس حتى 2030. كما أن للسيسي انشغالات عديدة، في الخارج وفي الداخل، وفي هذا السياق أصبحت القضية الفلسطينية مصدر إزعاج.
لن يعترف الممثلون الرسميون للحكم المصري بذلك رسمياً، ولكن القاهرة وغيرها من العواصم العربية بدأت تمل من عدم قدرة الفلسطينيين على إدارة شؤونهم. وفي أوساط الشعب المصري أيضاً يتعارض الإحساس بأن الفلسطينيين ببساطة يفضلون أن يستمر النزاع مع إسرائيل إلى الأبد كي يتمكنوا من أن يعيشوا إلى الأبد على حساب وضمير الآخرين، ولا سيما في العالم العربي. «التقيت طلاباً فلسطينيين قالوا لي دون أي خجل إنهم يريدون للنزاع أن يستمر»، هكذا يروي لي مواطن مصري، «إذ هكذا يكون بوسعهم أن يتمتعوا لاحقاً من معاملة خاصة. لم يكن لهم أي تقدير للضحايا الكثيرة ولا سيما في الأرواح، الذين ضحت بهم مصر من أجل القضية الفلسطينية.
الشارع المصري لا يشتعل
تشعر القيادة الفلسطينية جيداً بهذا الانجراف السلبي. فعندما بلغت وسائل الإعلام الأمريكية بأن خطة القرن لن تتضمن دولة فلسطينية، ظهرت هذه الأنباء بتواضع في الصحافة المصرية. في الماضي، كان يمكن لمثل هذا التطور المحتمل أن يحظى بعناوين رئيسة ويخرج الجماهير في مظاهرات غاضبة. أما اليومبعد نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، والاعتراف الأمريكي بهضبة الجولان، وإغلاق الممثلية الفلسطينية في واشنطن، وتقليص المساعدات الأمريكية السخية للفلسطينيين فإن «الشارع العربي» لا يشتعل مثلما وعد «خبراء» وأصحاب رؤى سوداء مهنيون. لا يعني الأمر تسليم بالإجراءات الأمريكية التي سبق أن اتخذت أو كفيلة بأن تندرج في خطة القرن. «من يحتاج صفقة القرن؟» تساءل عجباً وبصدق رجل من المؤسسة المصرية يتابع عن كثب التطورات بين إسرائيل والعالم العربي. «ثمة توازن واستقرار إقليميان، والعلاقات بين إسرائيل ودول عربية كثيرة، بما فيها مصر، تتحسن. وخطة تشطب، ربما، عن الطاولة فكرة الدولة الفلسطينية، وتلزم الأردن ولبنان ومصر باستيعاب مئات آلاف اللاجئين الفلسطينيين وأنسالهم مقابل مساعدة اقتصادية كبيرة أيضاً، لن تقبلها القيادات العربية وبالتأكيد الناس. الأجواء ليست ناضجة لتغيير قوانين اللعب، فلماذا توقظ الأسود من مرابضها؟».
في انعدام اليقين هذا، فإن هناك معطى واحداً يبعث على الأمل: سفارة إسرائيل في القاهرة، التي تعود لتوها إلى النشاط العادي، تطلق صفحة «فيسبوك» خاصة بها بالعربية تحت عنوان «إسرائيل في مصر». وتتمتع صفحة السفارة الإسرائيلية بـ 220 ألف متابع، وكل بوست فيها يحظى بمئات اللايكات وعشرات المشاركات. 40 سنة للسلام لعل شيئاً ما بدأ أخيراً في التحقق.
الداد باك
إسرائيل اليوم 21/4/2019