حمدان حمدان
يطرح كبار المسؤولين من ساسة وصحافيين عرب، تساؤلات غريبة تقول: ماذا تفعل ايران اذا كان العجز العربي يسد الافق؟ وعلي ما في هذا التساؤل من حقائق مؤكدة، الا انني اراها كمثل عربي قديم (حق اريد به باطل)، فاذا كان العجز العربي ناجماً عن ذيلية نظام رسمي لا يروم سوي الخلود علي دست العرش، فان ذلك لا يعني – من باب الوطنية علي الاقل – ان تملأ ايران فراغنا المزري وان نقعد ملومين مدحورين بانتظار غيرنا كي يملأ فراغنا.. ولماذا رفضنا في غابر الخمسينات من القرن الماضي (نظرية الفراغ في الشرق الاوسط) التي قال بها رئيس الولايات المتحدة الاسبق دوايت آيزنهاور؟! اذكر ويومها كنا في عداد اليافعين من الشباب، ان العواصم العربية كانت تعج بمظاهرات ساخطة ضد نظرية آيزنهاور الفراغية، وفوقها كيل مكاييل بحق الرئيس الامريكي وادارته من عائلة الاخوين دالس… هل كان ثمة فراغ ارتضيناه اثناء الحكم التركي لمنطقتنا، وما هي تواريخ الاستقلالات الوطنية لاخراج الاستعمار الغربي من (فراغنا) وعلام نقرع الطبول ونقف احتراماً للنشيد الوطني فرحين بيوم الاستقلال والجلاء؟!
هل لان الخارج جاء الينا كي يملأ فراغنا، وان التعلل بضعف النظام واستخذائه، يشكل سبباً (منطقياً) لقبول ملء الفراغ طالما اننا في حالة (مازوخيّة) لجلد الذات.. وهل نسعد لجلد ذواتنا؟
من جهة مقابلة، فان التشهير باطماع ايران الاقليمية، وهي تجد واقعيتها بل واعترافها فيما يجري في العراق اليوم (الي درجة اجتماع سفيري امريكا وايران في بغداد) للمساومة علي مصير العراق مقابل مطالبات ايرانية نووية واقليمية يكون ثمنها العراق وليس غيره.. فهل نصمت امام هذه المقايضة – علي حساب امتنا – خشية ان نُتهم باننا مع الامريكيين وضد ايران المسلمة؟! فما هو جار علي الافواه اليوم، ان انتقاد سياسات ايران الخارجية، انما يدور في اطار المصلحة الامريكية، وان الشاهد يجول في المواقف المعادية لدول عربية ذات تبعية للولايات المتحدة المعادية لايران، الا اننا نتحدث بلغة (او سياسات) هذه الدول، لسبب بسيط وهو انها هي نفسها، مَنْ قدّمت الخدمات غير المحدودة لغزو العراق واحتلاله، فالدول العربية الخليجية وازاءها مصر، كانت هي الشريك الاكبر في تدمير العراق واحتلاله بصورة مباشرة، اما خدمات الملالي الايرانية فلم تكن اقل اذي لما اصاب العراق، ولو انها سياسات باطنية وغير مباشرة.
نحن لسنا مع اعداء ايران من الرسمية العربية المعروفة، لكننا لا نصمت امام الاذي المشترك من رسمية عربية واحابيل ايرانية كان لها قصب السبق في خراب المنطقة وتهشيمها من العراق الي فلسطين.
ليس لدينا اوهام تتصل بمواقف النظام الرسمي العربي، كما تساورنا كامل الشكوك لما تنطوي عليه سياسات نظام ايراني بحامل قومي فارسي، هلل لاعدام (استشهاد) الرئيس صدام كما هللت له تماماً واشنطن وتل ابيب.
لسنا مع ايران، كما اننا لسنا مع الامريكيين واتباعهم، فامريكا تاريخياً ظلت تستهدفنا نحن العرب ولم تستهدف غيرنا في كامل جوار المنطقة غير العربي، فهل اكثر من التاريخ يمكنه ان يتحدث بلغة الوقائع؟!
اذ لم تمر سوي سنة واحدة علي انشاء المفاعل العراقي (تموز) الا ونال التدمير بطائرات يقودها اسرائيليون ويوجهها امريكيون، فيما الصبر سيد المواقف، بالنسبة لمفاعلات اخري تاخذ الحركة النواسية لسنوات.. ولا تحسبن النفس الامارة بالسوء، انها دعوة لاستعجال الضرب للمفاعلات الايرانية، بل انها تأويل لسياسات استعجال الضرب المفتوح للعراق، فيما اساليب المساومات تمتد لسنوات بين واشنطن وطهران. فنحن لسنا ضد الملف النووي الايراني، لكننا ضد المتاجرة بهذا الملف علي حساب قضيانا القومية في العراق او فلسطين او لبنان.
في نظرية الاحتواء المزدوج الامريكية لضرب العراق وايران، فان الذي حظي بالضرب ميدانياً هو العراق وليس ايران.. فكيف نكون ضد الايرانيين ومع الامريكيين وليس ثمة خنادق قتال حقيقية، الا في مجابهات الكلام والوعيد والتهديد بقلب الكون علي راس اسرائيل، فيما اسرائيل تزداد استكباراً وغطرسة الي درجة الرجاء بفتح معبر اغلق في وجه تائهي الصحاري من آلاف الفلسطينيين!
متي يتحقق هذا الوعد الايراني بمنازلة الشيطان الاكبر وربيبه اسرائيل، اذا (كنا) ما نزال نفاوض السفير الامريكي في بغداد.. او اذا (كنا) نحث الخطي نحو تقدم التفاوض مع وكالة الطاقة الدولية؟ حسناً، فاذا تقدم التفاوض مع السفير الامريكي او وكالة الطاقة الي ان يبلغ غايته المنشودة فما هي الاضافة التي ستزيدها ايران (بعدها) بحق اسرائيل!.. فعندما ترسم الدولة، تكتيكات لها غاية استراتيجية تصل اليها، فانها لا بد ان تتوقف عند هذه الغاية فلا تتخطاها الي ما بعدها، فالقول بمقايضة المطالب الايرانية (النووية او الاقليمية) بصفقة علي حساب العراق، فان اسرائيل تخرج من معادلة الاستهداف كونها لا تقع في الغاية الاستراتيجية لمطالب ايران الواقعية، ذلك انه من المستحيل ان تقبل امريكا (بوضع اسرائيل) علي اجندة الصفقة مع ايران، كما ان ايران من جهة مقابلة تفهم ان اسرائيل ليست محل بحث في التفاوض مع الامريكيين. وهكذا سيسقط كالعادة، سيناريو تحرير القدس، لا بسبب صدام هذه المرة، بل بسبب تبادل المنافع في سيرورة براغماتية ايرانية باتت مألوفة.. فايران لا تحارب اسرائيل الا بالوكالة علماً بان طريقها الي اسرائيل بات مفتوحاً من اقطار عربية صديقة، مثلما كان الطريق الي تحرير القدس (عبر بغداد) سالكاً في محنة العراق اليوم!.. غير اننا – نحن العرب – نساجل فيما غير حق لنا، اذ لماذا نطلب من ايران ان تذهب لتحرير القدس، هل لانها بلد اسلامي، وكم هو عديد الاقطار الاسلامية في هذا العالم، وليس لها – طوال قرن – الا البكاء علي القدس والنواح علي ما يجري لاهل فلسطين، وغير هذا فلا نسمع سوي الادعيات في الصلوات والمكوث المستكين في بيوت الله. وللتاريخ، فاننا لم نر جيشاً ايرانياً مسلماً سبق له ان انخرط مع جيوش المسلمين في اربع حملات للصليبييّن استمرت لمدة مئة وخمس وسبعين سنة كاملة. كذلك لم نر الجيش ذاته يقارع المغول في عين جالوت، مثلما فعل الفرع الاسلامي من المماليك.. في حرب فلسطين الاولي (1948) كان ثمة كتائب اسلامية (وغير عربية) مثل كتيبة اليوغوسلاف (البوسنيّة) وكتيبة الباكستانيين من طلبة ابو الاعلي المودودي الناشئة بعُمر الورود.
لقد كان قرارنا الوطني الفلسطيني المستقل، ناشئاً من (عقدة) الاتجار الرسمي العربي بالقضية الفلسطينية، وليس عملاً اقليمياً انفصالياً هدفه ابعاد القضية عن ظهيرها وسندها العربي، اذ ما من نظام عربي الا وقال بالاعداد لتحرير فلسطين، وحتي الانقلابات العسكرية، فان البند الاول علي راس (بلاغاتها العسكرية الاولي) هو العمل من اجل تحرير فلسطين ومعها الاراضي العربية المغتصبة.
والحال فاننا لم نمسك الا بالجعجعة التي يراد لها ان تكون طحيناً.
اليوم، تدخل ايران علي خط الوعود والمواعيد، وذلك بعد ان انكفأ النظام العربي فلا يدافع الا عن نفسه وبقائه. غابت فلسطين التاريخية عن ورق الخطاب في المواعيد، وحتي فلسطين المتبقية (22 بالمئة من المساحة الفلسطينية حسب سايكس ـ بيكو او قرار التقسيم بعده)، فان الصواعق والنوازل في حدود المبادرات والمؤتمرات فقط، تكاد تسد الافق، فلا امل في عرب ولا اسلام، طالما ان المجندة الاسرائيلية يمكنها ان تمارس السفاح تحت ظلال الصخرة المقدسة.. ايران تعمل لنفسها ودولتها، اما الفارق فان العرب الرسميين يعملون لغيرهم، وسواء كان التقويم فاضحاً الي درجة الخجل، فانه والحال علي ما ذكر، ولا يمكننا كأمة ان نستسلم لقبول التذاكي في عجز عربي يملؤه طموح ايراني، وكما اسلفنا ومن خلال عشرات الوقائع التاريخية الملموسة، فان ايران لا تعمل لغيرها بل لنفسها، وهو حق لها، وليس من واجبنا ان نقبله، ذلك انه يقع لصالحها وعلي حساب مصالحنا بل ومصيرنا.. فنحن لا نرفض الاسرائيليين كي ياتي الينا الايرانيون، ونحن لا نرفض لغة المخاتلة في هدير المقاومة اللفظي، كي نستقبل الامريكيين وفي ادبارهم عملاءهم من صنف العبيد.
فقد ضجرنا من المواقف الواعدة، كما سئمنا الاحتراب علي المواقف، فالمقاومة الفلسطينية بشقيها فتح وحماس، تقتتل باكثر مما يقاتل احدها اسرائيل، وهو شاهد علي انفصال القول عن الفعل، واذن فنحن في مُعامل الاقتتال علي السلطة التي مع ذلك ما زالت في محل سراب. اما الدول العربية صاحبة القاب الاعتدال (كما هي التسمية الامريكية)، فانها توضع وراء فتح، واما الدول صاحبة القاب التطرف، فانها توضع وراء نهر البارد او القاعدة.. اما الثقب الذي نري فلسطين من خلاله فقد زاد انسداداً، سواء في وصف التطرف، ففلسطين ليست قضية مفارقة بين ايديولوجيتين بل قضية شعب يحمل (ايديولوجيات) ورؤي حق وعدالة، وتاريخ بشري مشترك، يصاحب فيه الاذان الاسلامي قرع اجراس الكنائس.. بل وهذا ما اقامه الخليفة الراشدي ابن الخطاب رضي الله عنه (فلا تهدموا صوامع وبيَعْ يذكر فيها اسم الله).. ما نريد ان نؤكد عليه في هذا الخطاب، هو اننا لا نرغب بمواعيد ايرانية (عن فلسطين) علي شاكلة المواعيد الرسمية العربية طوال نصف قرن مضي، فالمؤمن لا يلدغ من جحر مرتين، وما علي ايران سوي ان تعمل لنفسها فتبتعد عنا، اما وصالها في قضية اسلامية مشتركة، عبر المساعدة في التسليح والتمويل، فاننا نقبله ولا نرفضه، شريطة الا يكون ذلك محبوكاً علي طريق تمددات اقليمية خفية او علنية، عنوانها دور ايران في العراق، او دورها في محيط اقليمي ابعد!.. لحسابها وعلي حساب قضيتنا القومية. 8