شاهد العالم في 26 شباط/فبراير البشاعة والوجه القبيح للاحتلال، والتهديدات من المؤسسة الإسرائيلية الحاكمة وجيشها الذي استهدف أهل بلدة حوارة، قرب نابلس بالغاز المسيل للدموع ومنع المسعفين من الوصول إلى مكان الحادث، إنه «موت معلن» حيث أعلن قادة الاستيطان الانتقام من حوارة وأهلها البالغ عددهم 7.000 نسمة. كان قرارا يعبر عن غطرسة الحكام الجدد في إسرائيل، وعلى رأسهم وزير الأمن ايتمار بن غفير الذي كشفت في تحقيق في مجلة «نيويوركر» (27/2/2023) عن تاريخ الرجل في إثارة الإرهاب وتشجيع المستوطنين لحرق كروم الزيتون وبيوت الفلسطينيين وإثارة الرعب. والغريب أن هذا الرجل بسجله الإرهابي أصبح وزيرا لأهم حقيبة في حكومة بنيامين نتنياهو. وكان الهجوم على حوارة ذروة ما وصله بن غفير وزمرته في تحريض البلطجية من المستوطنين على بلدة طالما عانت من فسادهم. وكان «موتا معلنا» للبلدة، وقف الجميع متفرجا، ولم يهرع أحد للمساعدة. ولم يرتق مستوى الشجب للحادث وما ورد من تهديدات حول «حرق ومحو» حوارة عن وجه الأرض إلى المستوى المطلوب. كان من المفترض أن يتجنب أحفاد من عانى أجدادهم من المحرقة النازية تعبيرات كهذه، لكن الصحافة الإسرائيلية ذكرتهم بليلة كسر الزجاج في ألمانيا قبل الحرب العالمية الثانية. وعلى العموم تعامل الإعلام الغربي بطريقة حذرة كما هي عادته في الموضوع الفلسطيني، وحاول تصوير أن هناك عنفا وعنفا مضادا، هناك حكومة متطرفة في إسرائيل وهناك سلطة وطنية خامدة فقدت الشعبية.
وتزامن الهجوم على حوارة مع قمة العقبة التي كانت أمنية الطابع، وظل موقع «أكسيوس» ومراسله في تل أبيب يسرب معلومات حول الدور الواجب للسلطة وقواتها الأمنية القيام به، وما عرف بخطة فينزل، وهو مايكل فينزل المنسق الأمريكي بين الفلسطينيين والإسرائيليين. فقد كشف عن خطة لتدريب خمسة آلاف من قوات الأمن الفلسطينية في الأردن ونشرهم لمواجهة الجماعات المسلحة الجديدة في جنين ونابلس.
لكن القمة في ترتيبها جاءت كمحاولة أمريكية للحفاظ على الوضع الراهن حتى لا ينفجر وتضطر لحرف النظر عن المهمة لهزيمة روسيا في أوكرانيا ومواجهة العملاق الصيني، ليس إلا. وكالعادة يطلب الأمريكيون والإسرائيليون المزيد من الجانب الفلسطيني. وهي طلبات حولت السلطة الوطنية إلى مجرد متعهد أمني فقد المصداقية أمام الشعب. والمبرر الذي تم تسويقه لمؤتمر العقبة كان خفض العنف قبل رمضان الذي سيبدأ هذا الشهر، وألغى الهجوم على حوارة مخرجاته، ورفض نتنياهو ما تم التوصل إليه من بنود، مما جعل القمة مجرد تمرين في الدبلوماسية بلا هدف، مثل خريطة الطريق التي أعلن عنها جورج دبليو بوش وللمفارقة من نفس المدينة.
في العقبة
وأشارت صحيفة «نيويورك تايمز» (26/2/2023) إلى أن تدهور الأوضاع في الضفة الغربية وهجمات المستوطنين على بلدة حوارة وقرية زعترة غطت على لقاء عقد ليوم واحد في مدينة العقبة، ووصفه الأردن بأنه أول لقاء يعقد منذ عدة سنوات. وأصدر الأردن والولايات المتحدة في نهايته بيانات قالوا فيها إن الفلسطينيين والإسرائيليين عبروا عن التزامهم بالاتفاقيات الماضية وتعهدهم بمنع العنف. وقالت الصحيفة إن اللقاء الذي حضره مسؤولون من الأردن وفلسطين ومصر وإسرائيل والولايات المتحدة، يعكس براغماتية الحكومة الإسرائيلية التي مضى عليها شهران، وتعتبر الأكثر تطرفا في تاريخ إسرائيل، إلى جانب رغبة أمريكية بالتوصل إلى اتفاق يمنع العنف من الخروج عن السيطرة. وفي موضع تجميد الاستيطان، قالت الصحيفة أن مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أعلن أن الحكومة الإسرائيلية أبلغت الحكومة الأمريكية عن عدم المصادقة على كتل استيطانية جديدة في الأشهر المقبلة. ولم يشمل إعلان العقبة 10 كتل استيطانية قالت الحكومة إنها تناقش المصادقة عليها. ووعدت الحكومة بإعادة تفعيل والمصادقة على الكتل الاستيطانية التي أقيمت بدون موافقة الحكومة وعدد منها يعود لعقود. وقالت إنها ستمضي في بناء 10.000 وحدة سكنية في المستوطنات والتي أعلن عنها في الأيام الماضية. وتعتبر معظم الدول المستوطنات مخالفة للقانون الدولي. إلا أن الصحيفة ترى في عنف الأحد الماضي تذكيرا بالتحديات وعدم وجود إشارات عن تقدم غير حقيقة اجتماع الأطراف. وقال الأردن إن الأطراف الخمسة وافقوا على اللقاء الشهر المقبل في مصر. وربطت الصحيفة بين عملية قتل مستوطنين قرب حوارة والغارة القاتلة التي قام بها الجيش الإسرائيلي بالبلدة القديمة بنابلس في 22 شباط/فبراير وقتل فيها 11 شخصا في عملية لاعتقال ثلاثة مسلحين، إلى جانب غارة مماثلة على جنين في الشهر الماضي. وتعلق الصحيفة أن الشهرين الأولين من 2023 هما من أكثر الشهور دموية، ونتيجة للمداهمات التي يقوم بها الجيش الإسرائيلي وهجمات المسلحين. وقالت إن تصاعد العنف هو ما دفع إلى قمة العقبة قبل حلول شهر رمضان والذي سيبدأ في أقل من أربعة أسابيع. وكان رمضان في الماضي موسما لزيادة العنف بين الفلسطينيين والإسرائيليين. وقتل أكثر من 60 فلسطينيا في المناطق المحتلة، معظمهم نتيجة لمداهمات الجيش واشتباكات مسلحة. ومن الجانب الإسرائيلي قتل 13 شخصا مع المستوطنيين اللذان قتلا الأحد الماضي على يد المسلح الفلسطيني. وقالت الصحيفة إن ردا انتقاميا من مسلحين يتصرفون بطريقة فردية، يتبع عادة الهجمات الإسرائيلية وعادة ما تؤدي الهجمات على المستوطنين لردود فعل انتقامية يهاجم فيها المستوطنون الممتلكات الفلسطينية وحرقها.
وزاد التوتر منذ وصول الحكومة المتطرفة إلى السلطة في نهاية 2022 والذي كان أيضا عاما دمويا، شهد صعود جماعات فلسطينية مسلحة وهجمات ضد الإسرائيليين داخل إسرائيل والمستوطنين في الأراضي المحتلة. وتدعم الحكومة الجديدة ضم مناطق في الضفة الغربية وهددت بإجراءات عقابية ضد المهاجمين الفلسطينيين. وناقشت لجنة في الكنيست مشروع قرار يمنح المحاكم السلطة لفرض حكم الإعدام على من يدان بقتل مواطنين إسرائيليين.
ورآى إيشان ثارور في «واشنطن بوست»(1/3/2023) أن حكومة اليمين المتطرف في إسرائيل باتت في قلب زيادة العنف. وقال: «عندما نواجه بمشاهد الدم والدمار في إسرائيل والمناطق الفلسطينية، عادة ما نميل للحديث عن دوامة العنف، فحالة العداء المتمكن والضرورات الوجودية التي تدفع العنف بين الإسرائيليين والفلسطينيين هي قوية وتخلق منطقها القاتل، أي مسلسل من الأعمال الوحشية الذي يعود إلى قرن». وأشار لهجوم حوارة الذي وصفه معلقون بإسرائيل بأنه يشبه ليلة تكسير الزجاج في ألمانيا النازية واستهداف اليهود فيها وأنه إبادة «بوغروم» قتل فيها فلسطيني عاد للتو من تركيا التي ساعد فيها الناجين من كارثة الزلزال وخلفت مجتمعا بكامله مصدوما. ورغم تصوير الهجوم بأنه انتقام لقتل مستوطنين لكن الداعي للعملية هو انتقام للغارة الإسرائيلية على نابلس. وأشار إلى أن منطق العنف يخفي القوى التي تقف وراءه. فقد زاد بعد تشكيل الحكومة الإسرائيلية الجديدة بداية العام الحالي. وهناك موجة من التشدد المسلح ينتشر في داخل الضفة الغربية والتي يقول المحللون إنه ناجم عن الغضب من الاحتلال العسكري الإسرائيلي وعنف المستوطنين، وكذا خيبة الأمل بالوضع السياسي الراهن والسلطة الوطنية التي فقدت شعبيتها. وقال إن الجيش الإسرائيلي يتحمل المسؤولية في سماحه للمستوطنين الدخول مشيا على الأقدام فيما أطلق الغاز المسيل للدموع على أهالي حوارة ومن جاء لمساعدتهم. ولا يوجد هناك فرق بين المستوطنين ورموز حكومة نتنياهو وتحالفه الحاكم الذي يعتمد على الدعم من المتطرفين المؤيدين للاستيطان ووضع أجندة تضم عمليات ضم جديدة للأراضي الفلسطينية وتشريعات تضعف من حقوق غير اليهود. ووصل وزير الأمن، إيتمار بن غفير ووزير المالية بتسلئيل سموتريتش بسجل واضح وطويل في معاداة الفلسطينيين والتزام بدعم السياسات المتطرفة لجماعاتهم في الضفة الغربية. وطالما انتقدا حكومة البلاد بأنها ليست متشددة في التعامل مع الفلسطينيين. وقالت جماعة حقوق الإنسان بتسليم: «قام نظام التفوق العنصري اليهودي بإبادة بقرية حول نابلس يوم أمس، وليست هذه خسارة في السيطرة، وهي بالضبط السيطرة التي تريدها إسرائيل». و «يقوم المستوطنون بهجوم بتأمين من الجيش ودعم من الساسة، وهذا تعاون». ولا يبدو نتنياهو عازما على الحد من حلفائه المتطرفين، فهو من تقرب منهم وأطلق العنان لهم كما قال دونالد ماكنتير في «إندبندنت» (28/2/2023). وبوصول المتطرفين المستوطنين إلى مراكز الحكم لم يعد بالإمكان الفصل بين المحلي وما يجري في المناطق المحتلة، مع أن الثورة في إسرائيل ضد حكومة بنيامين نتنياهو الثالثة تركز على إصلاحاته القضائية والحد من دور المحكمة العليا.
تباكي وتملق
وتباكى المعلقون الغربيون في سياق إصلاحات نتنياهو القضائية، على الديمقراطية الإسرائيلية، في وقت دعا فيه مشرعون جمهوريون إدارة بايدن لعدم التدخل في الشؤون الإسرائيلية، كما أورد موقع «اكسيوس» (2/3/2023) وركزوا في لقاءاتهم على أوكرانيا وسبل دعمها، ولم يحضر الفلسطينيون في أحاديثهم. ومن أكثر المتباكين على الديمقراطية الإسرائيلية كان توماس فريدمان في «نيويورك تايمز»(28/2/2023)، وقال إن إسرائيل اليوم «عبارة عن مرجل به من البخار الكثير وعلى وشك الانفجار في كل الاتجاهات». مضيفا أنه لم يحدث أن شهدت إسرائيل في يوم من الأيام انتفاضة فلسطينية، وانتفاضة مستوطنين يهود (لاحظ الوصف) وانتفاضة قضائية لمواطنين إسرائيليين في آن واحد. لكن هذا بدأ يتجلى منذ أن تولت حكومة نتنياهو اليمينية المتطرفة السلطة». وزاد فريدمان من تملقه عندما سأل عن السبب الذي يجعله يكرس مقالاته على إسرائيل وأوكرانيا فيجيب أن إسرائيل هي الديمقراطية الحقيقية الوحيدة التي تتمتع بقضاء مستقل في الشرق الأوسط. أما أوكرانيا فتدافع عن الاتحاد الأوروبي، المحرك العملاق لسيادة القانون والأسواق الحرة وحقوق الإنسان والمعايير الديمقراطية، حتى لو لم تكن كل بلدان الاتحاد الأوروبي تبنتها بالكامل. وإذا تم تقويض الديمقراطية في الاتحاد الأوروبي وإسرائيل، ستكون الديمقراطية في كل مكان أكثر عرضة للخطر.
وبالنظر فيما كتبته بعض الصحف عن حوارة، قالت صحيفة «الغارديان «(28/2/2023) في افتتاحيتها أن عنف المستوطنين في حوارة قوض لقاء العقبة. وتقول إن حجم وكثافة هذا الهجوم الذي تم الترويج له مقدما وحقيقة أن عناصر في التحالف دفعت به تجعله غير مسبوق. وقال رئيس لجنة الأمن القومي في الكنيست «حوارة محروقة ومغلقة، هذا ما أريد رؤيته، وهذه هي الطريقة الوحيدة التي يمكن فيها تحقيق الردع». وعبر وزير المالية بتسلئيل سموتريتش الذي منحه نتنياهو صلاحيات واسعة على النشاطات المدنية في الضفة الغربية عن إعجابه بتغريدة «يجب محو حوارة اليوم» ولكنه حذفها وعبر عن نفس ما دعا إليه نتنياهو بأنه يجب على الناس تجنب تطبيق القانون بأنفسهم، بدلا من الشجب الواضح.
ورأت مجلة «إيكونوميست» (2/3/2023) أن الجيل الجديد من المسلحين الفلسطينيين خارج عن سيطرة الجماعات التقليدية ويمثل معضلة للسلطة الوطنية والجيش الإسرائيلي. وقالت إن جماعة «عرين الأسود» في نابلس تحظى بالدعم المتزايد، وتنتشر ملصقات الأعضاء الذين قتلهم الجيش الإسرائيلي في سوق نابلس. وتبيع محلات الضفة الغربية، عصابات عليها صورة زعيمها إبراهيم النابلسي الذي قتل العام الماضي. وتمثل الحركة نوعا جديدا من جماعة فلسطينية. وعلى خلاف الحركات الأخرى فالجماعة لا ترتبط بأي من الأحزاب الفلسطينية. وظهرت وسط عدم الرضا بالسلطة الوطنية التي تتبنى المقاومة السلمية في وسط الهجمات الإسرائيلية القاتلة والاقتتال بين الفصائل الفلسطينية. وتقاوم الجماعة الأجندات المدروسة لحركة حماس وفتح. ولكن الإسرائيليين والفلسطينيين يجدون صعوبة في التعامل مع الحركة الجديدة نظرا لطبيعتها المتنوعة وديناميتها. فلا توجد قيادة للتفاوض معها في وقت لا يعمل بعض أفرادها مع الجماعات الأخرى. وفقدت الجماعات المحلية السيطرة، وحلت محلها جماعات «عرين الأسود» التي يستجيب لها الناس. وتحاول السلطة لعب دور وتدجين الجماعات المسلحة من خلال عرض رواتب مقابل تسليم السلاح وتوفير حماية للمطلوبين لإسرائيل في سجون فلسطينية، ووافقت قلة وواصل الآخرون القتال. وتحذر المجلة من أنه كلما زادت الغارات الإسرائيلية وهي محتومة كلما تفاقم التوتر لا خفضه وفي الوقت نفسه تعمل حكومة نتنياهو التي تعتمد على المتطرفين الدينيين على زيادة التوتر، ولم يشجب نتنياهو العنف في حوارة بل دعا إلى عدم أخذ القانون باليد. وفوق هذا فهناك أعضاء في تحالف نتنياهو يصطفون علنا مع المخربين، وكان هناك أحد أعضاء الكنيست من حزب «القوة اليهودية» الذي يتزعمه وزير الأمن إيتمار بن غفير في حوارة.
وفي النهاية انفض السامر في العقبة ونكث المجتمعون غزلهم، وعادت حوارة لململة جراحها، والغريب أن هناك في القرن الحادي والعشرين من ينادي بحرق المدن وقتل الأهالي، ظننا أن هذا عهد انتهى، خرجت أمريكا من فيتنام وسجنت عصابة الصرب التي حرض أفرادها على مجزرة سربرينتسا، ونسيت رواندا مجازر الهوتو والتوتسي. إلا في الأرض المقدسة يتحدثون عن الحرق والدمار، ويصفهم فريدمان بأنهم الديمقراطية الأوحد في الشرق الأوسط.