لندن ـ «القدس العربي»: على النقيض من توقعات أغلب النقاد والمتابعين بأن إدارة بايرن ميونيخ، ستتعاقد مع اسم كبير في عالم التدريب لخلافة المدرب السابق توماس توخيل، جاء النادي بالاسم الواعد في مجال التدريب فينسنت كومباني، بعد أربع سنوات قضاها في عالم التدريب، بدأت بتجربته الأولى مع نادي الطفولة أندرلخت البلجيكي لمدة موسمين، منهما موسم استثنائي كلاعب ومدرب، ومثلهما مع بيرنلي الإنكليزي، وسط عاصفة من الجدل والقيل والقال، حول الأسباب التي جعلت المسؤولين في زعيم الأندية الألمانية، يوجهون أنظارهم إلى قائد مانشستر سيتي الأسبق كلاعب، لا سيما بعد التقارير والأنباء التي ربطت المنصب المرموق في «آليانز آرينا»، بقائمة عريضة من المدربين الكبار وأصحاب الخبرات العريضة من نوعية المثير للجدل جوزيه مورينيو، والعبقري الفرنسي زين الدين زيدان، وآخرين بنفس الكاريزما والسمعة الكبيرة في سوق المدربين، وفي هذا التقرير، دعونا نستعرض معا أسباب وقوع اختيار إدارة بايرن ميونيخ على كومباني، الذي يبدو غير مؤهل بعد لتسلم وظيفة بهذا الحجم.
بإلقاء نظرة واقعية على واحد من الأسباب الجوهرية التي جعلت أصحاب القرار في البايرن يتعاقدون مع المدرب البالغ من العمر 38 عاما، سنجد أن واحدة منها، أنه يعد أو يصنف كواحد من تلاميذ مُحدّث اللعبة في الألفية الجديدة بيب غوارديولا، بعد عمله مع المدرب الكتالوني في نهاية رحلته الأسطورية في الجزء السماوي لمدينة مانشستر، إلى جانب طموح المدرب البلجيكي، في السير على خطى أستاذه ومُلهمه في المجال، بعد بدايته المقبولة مع أندرلخت، التي أسفرت عن احتلاله المركز الرابع في موسمه الأول، ثم المركز الثالث والوصول إلى المباراة النهائية للكأس في موسمه الثاني والأخير في وطنه، قبل أن يحط الرحال إلى بلاد مهد كرة القدم، بعد حصوله على عقد لتدريب بيرنلي، وحسنا فعل في موسمه الأول، بقيادة الفريق إلى العودة للدوري الإنكليزي الممتاز، بعدما نجح في جمع 101 نقطة في دوري تشامبيونشب، كأول مدرب منذ تسع سنوات ينهي هذا الدوري الشرس برصيد مكون من 3 أرقام، في ما وُصف إعلاميا وبين المشجعين بالموسم التاريخي لأصحاب «تيرف مور»، والأمر لا يتعلق بالنتائج المذهلة التي تحققت على يد خليفة شون دايش، بل أيضا للنسخة البراقة التي كان عليها الفريق، والأداء الهجومي الممتع الذي قدمه في موسمه الأول، لدرجة أن البعض وضع أسلوبه السلس الذي جمع بين الإمتاع البصري والحدة في الثلث الأخير من الملعب، في مقارنة مع الكرة الأنيقة التي يقدمها مانشستر سيتي مع الأستاذ بيب غوارديولا، الأمر الذي ساهم في ربط اسمه بأندية كبيرة في البريميرليغ، أبرزها توتنهام اللندني، بيد أنه فَضل استكمال مشروعه في «تيرف مور» بعقد طويل الأجل حتى نهاية العام 2028، حتى يكون كل شيء مهيئا للنجاح والبقاء في البريميرليغ لسنوات، لكن لسوء الطالع، لم تسر الأمور كما كان يخطط لها في موسمه الأول في الدوري الأكثر شراسة وتنافسية في العالم، وذلك بعد إخفاقه في تجنب الهبوط، بجمع 24 نقطة فقط على مدار الموسم، منها 15 نقطة من 5 انتصارات، وباقي النقاط من تعادلات، لكن اللافت، أنه بالرغم من كثرة سلبياته في موسمه الأول في البريميرليغ، إلا أنه لم يتخل أبدا عن مبادئه الهجومية، المستوحاة من نفحات غوارديولا.
سراب وتمنع
معروف لدى الجميع، أن إدارة بايرن ميونيخ كانت تضع الإسباني تشابي ألونسو، على رأس قائمة المرشحين لخلافة توخيل، بعد ثورته العظيمة مع باير ليفركوزن، التي أسفرت عن تتويج الفريق بأول لقب بوندسليغا في تاريخه، بدون أن يتجرع من مرارة الهزيمة ولو مرة واحدة، وأيضا بفلاسفة تنبض بالأفكار الحصرية «الغوارديولية»، باعتباره واحدا من أنجب تلاميذ البابا الكتالوني، لكن في نهاية المطاف، تحطمت آمال وتوقعات المسؤولين، بعد استقرار ألونسو على البقاء في «باي آرينا» حتى إشعار آخر، وحدث ذلك في شهر مارس/ آذار الماضي، ما ترك البايرن أمام خيارات تبدو ضيقة، منها ما أثير في بعض الصحف والمواقع الرياضية، عن رغبة الإدارة في إعادة الشاب الثلاثيني الآخر يوليان ناغلسمان، بعد 12 شهرا من إقالته من تدريب الفريق، خاصة وأن الرئيس التنفيذي أوليفر كان والمدير الرياضي حسن صالح حميديتش، اللذين اختلفا معه خلال أسابيعه الأخيرة في البايرن، قد تم إقالتهما منذ ذلك الحين، لكنه كان قد اختار خلافة فليك بشكل مؤقت في القيادة الفنية للمنتخب الألماني، ثم التوقيع على عقد دائم حتى نهائيات كأس العالم أمريكا الشمالية 2026، وقيل أيضا على نطاق واسع في وسائل الإعلام البريطانية والألمانية، إن المحاولات مع الإيطالي روبرتو دي زيربي، الذي بصم على موسم استثنائي مع برايتون في البريميرليغ، باءت بالفشل، وبالمثل لم تفلح محاولة الانقضاض على الإسباني أوناي إيمري، بعد موافقته على تمديد عقده مع أستون فيلا، بعد إنجاز التأهل لدوري أبطال أوروبا الموسم المقبل، حتى مدرب الفريق الرديف سابقا سيباستيان هونيس، وقع عقدا جديدا مع ناديه شتوتغارت، قبل اقتران اسمه بالعودة إلى النادي، وما زاد الطين بلة، اعتذار مدرب مانشستر يونايتد السابق رالف رانغنيك، عن قبول المهمة خلفا لتوخيل لأسباب شخــــصية، ليذهب النادي إلى أوليفر غلاسنر، لكن كريستال بالاس، رفض التفريط في مدربه بأقل من 100 مليون يورو، ومعها صرف النادي البافاري النظر عن الفكرة برمتها.
هروب وفوضى
وفقا لموقع «Goal» العالمي، كان النادي البافاري يميل إلى فكرة الإبقاء على توخيل، أو العدول عن قرار إقالته بشكل أحادي في مارس، وذلك بعد علامات التحسن التي ظهرت على الفريق، خاصة في مواجهاته أمام الفرق الكبيرة في دوري أبطال أوروبا، بعد الإطاحة بوصيف البريميرليغ آرسنال وإحراج ريال مدريد على ملعبه ووسط جماهيره حتى الدقيقة 90 في موقعة إياب نصف نهائي أعرق بطولات القارة العجوز، لكن في الأخير، أصر المدرب البالغ 50 عاما، على قراره بالرحيل في آخر ندوة صحافية، ليصبح ثامن مدرب يتهرب أو يتمنع على النادي لقيادته في الموسم الجديد، على عكس السهولة والأريحية التي وجدها النادي في مفاوضاته مع ملاك بيرنلي والمدرب كومباني لنقله إلى «آليانز آرينا»، فيكفي أنها لم تسغرق أكثر من 48 ساعة، مقابل حصول النادي الإنكليزي على ما مجموعه 12 مليون يورو، مع توقعات وأحلام، بأن تكون تجربته مع بايرن ميونيخ، بداية حقيقية لماسة جديدة في عالم التدريب، رغم افتقاره للخبرة والانتقادات التي تعرض لها بسبب نتائجه السلبية في الدوري الإنكليزي، بيد أن هناك شعورا بأن أسلوبه الهجومي، قد يكون أكثر حكمة وواقعية مع فريق بإمكانات وجودة بايرن ميونيخ، والأهم أن يتعلم من الدروس الصعبة، التي تسببت في موسمه الكارثي في شمال غربي إنكلترا، وسواء أثبت أنه يستحق هذا الشرف أو لا، سيكون من الصعب تجاهل حقيقة أنه كان الخيار التاسع بالنسبة للنادي، وهذا نتيجة حالة الفوضى التي يعيشها النادي منذ أكثر من عام، تحديدا منذ القرار المثير الذي اتخذته الإدارة بإقالة ناغلسمان، أثناء وجوده في إجازة للتزلج في مارس 2023، وبعده أقيل حسن صالح حميديتش في نفس يوم الاحتفال بخطف لقب البوندسليغا من بوروسيا دورتموند في نفس الموسم، ولم يعين النادي مسؤولا عن التعاقدات الجديدة لمدة تسعة أشهر، في الوقت الذي يواجه فيه الفرق خطر فقدان أسماء بحجم جوشوا كيميتش وألفونسو ديفيز وليروي ساني وجمال موسيالا وآخرين يستعدون لدخول عامهم الأخير في عقودهم هذا الصيف، ما يعني أن الأمر سيبقى متروكا لكومباني، إما أن يرفع الراية البيضاء ويكتفي بمشاهدة الأمور تسير على نحو خاطئ، وإما يرد الدين للإدارة، ويثبت أنه مشروع ألونسو جديد في عالم التدريب، لكن في كل الأحوال، تعيينه في حد ذاته، لا يعكس سوى حالة اليأس والتخبط التي وصل إليها بايرن ميونخ