يُعتبر فعل القراءة ضرورة حتمية، ووسيلة لتحقيق الوعي الثقافي؛ إذْ بإمكانه تفكيك الأنساق المخبوءة والمُضمرة تحت عباءة القداسة؛ وهو كذلك ثورة حقيقية على الأفكار المُترهلة التي عفَا عليها الزمن، فكان طرحها كنتاج تاريخي وثقافي قابل للنقد والمُراجعة. وعلى هذا الأساس، كانت «القراءة هي الأداة التي من خلالها يحقق الوعي ذاته»، ويُدرك وُجوده؛ فتجسدت في هيئة المُساءلة والبحث والتقصي بُغية الإدراك، مُحاولة الوُصول إلى عمق الأشياء وفهمها فهما واعيا ينكشف من خلاله المعنى ويتجلى.
إن استعارة مفهوم «القارئ الضمني»، يُحيلنا للحديث عن «نظرية القراءة والتلقي» وهي مدرسة نقدية كانت فاتحة ما بعد الحداثة، اهتمت بحضور القارئ ومشاركته في إنتاج المعنى وبنائه، من خلال التفاعل الحاصل بينه وبين النص، حيث لا يُنظر إلى المعنى على أنه منغلق أو أُحادي، بل يتم إنتاجه من قبل قارئ حاذق يلتقط المعنى ويبوح به، وقد تبناه فولفغانغ آيزر، باحثا في العلاقة بين القارئ الضمني والذات المُبدعة، وبحث كذلك في أنماط الاستجابة، وفي الفجوات المبثوثة في النصوص، وركّز على التفاعل الحاصل بين القارئ والنص.
وقد صاغ آيزر مفهوم «القارئ الضمني» ليس كمرادف للقارئ الحقيقي، بل كشريك ضمني داخل بنية النص، مُصمم مسبقا من قبل الخطاب الأدبي نفسه، ويتضمن دعوة موجهة إلى القارئ لتفعيل ما في النص من إمكانيات جمالية وتأويلية. فالقارئ الضمني هو قارئ مفترض مُتخيل، يتشكل داخل النص، ويُفترض أنه يمتلك الكفاءة اللازمة لفهم ما بين الأسطر، يعمل كوسيط بين المؤلف والقارئ الحقيقي.
هذا المُنعطف النظري، الذي أحدثه فولفغانغ آيزر داخل نظرية القراءة والتلقي، لا يتحقق إلا بفعل القراءة، وهو بذلك يتنقل من تصور استاتيكي للنص، قائم على الثبات، إلى تصور تفاعلي مشروط بالقراءة، فيؤسس لفهم جديد للعمل الأدبي، لا باعتباره نصا جاهزا، بل بوصفه عملية جمالية متغيرة، تتطلب قارئا نشيطا يمتلك القُدرة على تأويل النص وتفعيله في كل قراءة جديدة، وفيها إشارة واضحة إلى ضرورة تجسيد هذه الأفكار تجسيدا عمليا، وهو ما قامت به فعلا مقولات النقد الرقمي التفاعلي.
إن التفاعلية اكتسبت مع التكنولوجيا معاني جديدة، حيث أصبحت تعني «إنجاز كل ذلك في زمن أقل، وبسرعة أكبر، وبوجود عدد لا يحصى من المتلقين، مع خلق روح المنافسة بينهم، لإبداع الأفضل، بل الأكثر من هذا أصبحت التفاعلية تعني سيادة المتلقي على النص، وحريته في اختيار نقطة البدء فيه، والانتهاء به كيف يشاء هو، وإلى غير ذلك من الأوجه الجديدة والمبتكرة للتفاعل»، فقد فاقت سلطة المتلقي سلطة المؤلف، وتحولت القراءة من فعل تأويلي إلى مُمارسة إبداعية متعددة الوسائط، تشتمل على الصوت والصورة والحركة.
في الجهة المُقابلة لمفهوم «القارئ الضمني»، نجد «القارئ التفاعلي»، الذي يتحقق وُجوده في السياق الرقمي التفاعلي، من خلال القراءة التفاعلية مع النص الأدبي والمُؤلف، ومع الوسيط الجديد، وفي ذلك نجد سيرج بوشاردون، الذي يذهب إلى القول إن السرد الأدبي التفاعلي شكل سردي جديد يتداخل فيه مكونان جوهريان: المكون النصي المترابط، والمكون الوسائطي، ويقوم على مفارقة جوهرية بين السرد واللعب انعكست على هذا الشكل التفاعلي. ثم يصر على أهمية المشاركة الفعالة للقارئ في العمل الرقمي، فيقول: «كنت سأجد أنه من المثير للاهتمام أن القارئ كان من الممكن أن يجعل القراءة أكثر متعة من خلال المشاركة». فالقارئ التفاعلي هو قارئ واقعي/حقيقي مُساهم في إنتاج المعنى، سواء من خلال التأويل، أو النقد، أو إعادة كتابة النص، إضافة إلى ذلك، فإنه يتفاعل مُباشرة مع الكاتب، فيحدث بينهما حوار ينتهي بتسليم القارئ، أو إعادة تشكيل النص، وفقا لرؤيته.
إن الربط بين نظرية القراءة والتلقي والنقد التفاعلي الرقمي يوضح التحول من القارئ المؤول إلى القارئ الشريك، فبينما كانت جماليات التلقي تركز على البنية الذهنية للتفاعل مع النص، جاء النقد الرقمي ليُجسد هذا التفاعل في حيز رقمي حي ومتعدد الأطراف، ما يجعلنا أمام نمط جديد من القراءة والتلقي والنقد، والذي يتسم بالانفتاح والتشاركية.
يُمكن القول إن مفهوم القارئ التفاعلي هو تطور كرونولوجي لمفهوم «القارئ الضمني»؛ أي أن نظرية آيزر كانت تمهيدا فلسفيا ونظريا للفكرة التي سيُجسدها النص التفاعلي لاحقا بشكل أكثر واقعية، وبتجسيد مادي حقيقي مُباشر. فالانتقال من القارئ الضمني إلى التفاعلي، هو انتقال من القراءة المُغلقة والمُشفرة إلى القراءة المنفتحة المُتغيرة بتغير أُفق القارئ الحامل للمعنى، ومن كونه طرفا سلبيا في عملية التلقي إلى طرف فاعل في تحاوره مع النص والكاتب. وعطفا على ما سبق، يُمكننا القول أخيرا، إن القارئ التفاعلي هو الوريث الفعلي التقني للقارئ الضمني، إذ انتقل من كونه قارئا افتراضيا في النص إلى كونه فاعلا ماديا صانعا للنص.
كاتبة جزائرية