لايكاد زائر القاهرة هذه الايام يشعر بوجود معركة انتخابية حقيقية بين المرشحين لرئاسة الجمهورية، على الرغم من ‘سخونة’ المنافسة في مواقع التواصل الاجتماعي على الانترنت، وبعض الفعاليات المحدودة في عدد من المحافظات. وهو ما يكرس شعورا ليس فقط بأن الانتخابات محسومة نتيجتها، بل يبعث اجواء الاستفتاءات الرئاسية التي عاشتها مصر لعقود.
ويبدو واضحا ان الانتخابات تجري بين مرشح يشعر بثقة كبيرة في انه لا يحتاج الى حملة انتخابية للفوز بالمنصب، فقرر خوضها بلا برنامج محدد، وبحملة دعاية ركزت على الاعلانات التلفزيونية دون غيرها، وتبرع بمعظمها اصحاب القنوات الفضائية، واخر ليس لديه أمل واقعي في المنافسة الجادة، ناهيك عن الاقتراب من الصدارة في السباق الذي يخوضه سعيا الى تحقيق مكاسب في فترة ما بعد الانتخابات الرئاسية.
وهنا بعض الظواهر التي يمكن رصدها في الحملات الانتخابية المقرر ان تنتهي خلال الساعات المقبلة، لتبدأ فترة من الصمت حتى بدء التصويت الاثنين المقبل:
اولا ـ ان حملة المشير عبد الفتاح السيسي اعتمدت بشكل واسع على مؤيديه من كبار رجال العمال واصحاب الشركات والمحلات الذين وجدوا فيها فرصة للدعاية لانفسهم، بالاضافة الى التأسيس لعلاقات جيدة مع المقربين من ‘الرئيس المنتظر’ والمتوقع ان يشغلوا مناصب مهمة في رئاسة الجمهورية او الحكومة. وتركزت اللافتات المؤيدة للمشير في وسط القاهرة، بينما لا تتعدى اللافتات في بعض الميادين الرئيسية عدد اصابع اليدين، وهذا اقل من عدد اللافتات في اي انتخابات تشريعية او محلية.
ثانيا ـ في المقابل تبدو حملة حمدين شبه سرية، حيث تكاد تخلو كثير من الاماكن الحيوية، مثل الميادين وكوبري 6 اكتوبر من لافتات انتخابية، في اشارة واضحة الى ضعف التمويل، سواء كان شعبيا او من رجال الاعمال. وباعتراف الحملة نفسها فان التبرعات الاهم جاءت من بعض رجال الاعمال المؤيدين للسيسي، الذين إما تربطهم علاقة صداقة بحمدين او يحرصون على خلق اجواء حالة من المنافسة الانتخابية، حفاظا على ‘الشكل الديمقراطي’ للعملية الانتخابية.
ثالثا- ان الخطاب الانتخابي للمشير اعتمد على استثمار الخوف من تدهور الحالة الامنية لدفع الناس للتصويت له، في غياب ملامح واضحة لبرنامج اقتصادي او رؤية سياسية، بعد ان جرى تهميش ما عرف بـ’لجنة المستشارين’ التي ضمت اسماء كبيرة، لم يلتق المشير بمعظمهم، وهو ما بدا واضحا في بعض التصريحات ‘غير السياسية’ التي صدرت عنه في احاديثه التلفزيونية، واخذها خصومه عليه مثل ‘لا استطيع مناقشة برنامجي الانتخابي بالتفصيل لان هذا يمس الامن القومي (..)’.
رابعا- اضعف حمدين من خطابه الانتخابي بالتأرجح بين التركيز على قضايا الفقراء ومعارضة قانون التظاهر، الذي لا يمثل اولوية لاغلبية المصريين الواقعين تحت خط الفقر. وبدا هذا الضعف واضحا في نتائج تصويت المصريين في الخارج، التي حصل فيها على نحو خمسة في المئة، وهي نسبة قد لا تختلف كثيرا عما ستسفر عنه نتائج الانتخابات التي ستعلن نتيجتها الرسمية في الخامس من حزيران/ يونيو المقبل.
خامسا ان المصالح وليس التصنيف السياسي او الانتماء الايديولوجي تمثل الاساس الذي بنت عليه الاحزاب مواقفها من الانتخابات الرئاسية، فاختار الحزب الناصري دعم السيسي ضد صباحي الذي يعتبر نفسه ‘ابن الحركة الناصرية’، فيما حظي بدعم حزب الدستور الليبرالي انتصارا لمفهوم الدولة المدنية وحفاظا على الحزب من الانهيار، بينما انحاز الى السيسي حزب النور اهم الاحزاب السلفية، على الرغم من توعده بالقضاء على جماعة الاخوان، ابرز مكونات تيار الاسلام السياسي، و’مراجعة الخطاب الديني’، وعدم السماح باحزاب على اساس ديني، ليقف بذلك في معسكر واحد مع احزاب يسارية وليبرالية والكنيسة، وهذه تتفق على تقليص اي دور للاحزاب الاسلامية.
سادسا ـ تبدو تصريحات حمدين المنشورة في صحيفة ‘الاهرام’ الخميس بشأن امكانية قبوله رئاسة الوزراء مستندا الى اغلبية برلمانية، مؤشرا على الاسباب الحقيقية التي جعلته يدخل السباق الرئاسي، ويواصل البقاء فيه رغم معرفته بانه يخاطر بهزيمة تكشف ما عانته مصداقيته من ضرر واسع لاسباب عديدة لا يتسع المجال لذكرها.
اخيرا فقد فشلت الدولة في اختبارها الخاص بالبقاء على الحياد، اذ انتشرت صور السيسي في المصالح الحكومية، وعلى اعمدة الكهرباء المملوكة للحكومة من دون ترخيص، في مخالفات صارخة لقانون الانتخابات، بعثت برسالة مفادها ان السيسي ‘مرشح الدولة’، وان الدولة نفسها اصبحت في ‘خدمة المرشح’، ما يمثل ضغطا نفسيا للتصويت لصالحه. ولا يتعارض هذا مع وجود ‘حالة شعبوية واسعة’ مؤيدة لعودة الدولة ممثلة في مرشحها، وليس بالضرورة لشخص المرشح او برنامجه.
كاتب مصري من أسرة ‘القدس العربي’
خالد الشامي