من القصور الى الجحور!

حجم الخط
0

وهل يوجد في هذه الدنيا ما هو أسوأ من هذه النهايات؟ وهل يوجد مبرر واحد يستدعي أن تصل الأمور إلى هذه الخواتيم السوداء؟ عشرات الأسئلة قد يراها الإنسان العاقل ماثلة أمامه على مائدة التفكير، والتفاعل مع ما يدور في هذا الكون من أحداث وتطورات، فلا توجد قوة على هذه الأرض تستطيع أن تمنع العقل البشري من الإبحار وبكامل حريته في تفاصيل الظواهر التي تحصل هنا أو هناك أو من حوله ولو من أبواب التعاطف والتضامن والمواساة. ولأن التاريخ حافل بالعديد من القصص ذات العلاقة بما نريد أن نتناوله في سطور هذا المقال فسوف نكون حريصين على أن لا نغرق في سردها، فليس هذا هو المطلوب، لأننا نرغب في التركيز على إظهار ذلك الجانب المتعلق بالفشل الذريع الذي انتهى إليه البعض ممن وصلوا إلى مواقع الزعامة والرئاسة ولكنهم أداروا ظهورهم بالكامل لقصص التاريخ السابقة، و لم يحاولوا الإستفادة من دروسها ولو بحدها الأدنى، بل ازدادوا تكبرا وغباء، وظنوا أن قصورهم ستحميهم من وصول السيل الجارف الذي وصل إلى الأبواب وطرقها قبل أن يجتاحها، ولكن وللأسف فلا حياة لمن تنادي ولا احد يريد الإستماع أو حتى الإتعاظ، فزالت القصور، وسقط ساكنوها في قعر الهاوية.

وحتى لا نعود كثيرا إلى الوراء فلا بد أن البعض منا يتذكر كيف قتل الرئيس الروماني شاوشيكو وزوجته رميا بالرصاص بعد البذخ والجاه المسروق من قوت ودم الشعب الذى وصلا اليه، ولنطالع بعض صفحات الحاضر التي لا تزال حية أمام أعيننا، من الهارب بن علي، إلى المحروق علي عبد الله صالح، وصولا إلى الملقى على سرير المرض في قفص المحكمة، وحتى المختبىء عن الأنظار القذافي، ثم لنتساءل بكل براءة إذا كان اتعظ من لا يزالون في مواقع الرئاسة من هذه الصور المخزية، والفاضحة، والذليلة التي انتهى إليها الزملاء الذين سبقوهم!

للأسف وبالرغم من كل هذه الدروس الغنية بالمآثر والعبر فلا يزال التمسك بكرسي الجاه عند البعض الآخر هو سيد الموقف، ولا تزال المنافخة الفارغة والقائمة على القتل، وإراقة دماء الأبرياء وسحق أجسادهم العارية في الطرقات هي الوسيلة التي يظن هذا البعض أنهم ومن خلالها سوف يواصلون التربع على مقاعد السلطنة والحكم، نكتب ذلك بعيدا عن تعقيدات و تداخلات عوالم السياسة، والإقتصاد، والأمن، والمصالح الضيقة، نكتب كل هذا للدلالة على المستوى المرتفع من الغرور والإنجرار وراء المتاع الدنيوي الزائل الذي يعمي البصر والبصيرة، وخصوصا عند اولئك الذين يلهثون وراءه غير آبهين لما قد يتركونه وراءهم من مجازر وكوارث ومآسي إنسانية. إن الدوائر حين تدور، وتصبح في أضيق أوضاعها على رقاب هؤلاء الذين التصقت عظامهم بخشب هذه الكراسي، فهي إنما تحمل لهم رسائل استباقية للدلالة على أن آخرتهم قد اقتربت، ولكنهم يواصلون الإنصياع إلى نداء الشيطان المقيم بداخلهم، ويرفضون بعناد وإصرار استلام رسائل الملائكة التي غالبا ما تحمل بداخلها إمكانية التوبة، والفوز بمغفرة الرحمن الرحيم الذي لا تغلق أبوابه أبدا، لقد رفض المخلوع حسني مبارك كل الفرص للمغادرة اللائقة والمشرفة، حتى ظن أنه الفرعون الذي لن تنخسف به الأرض، فماذا توسوس له نفسه الآن يا ترى وهو ملقى كالجيفة على سرير التمارض بانتظار الحكم القضائي الذي سيصدره القاضي بحقه؟!

وإذا ما تركنا الأب، وألقينا نظرة على جمال وعلاء، فلا عتب ولا ملامة إذا ما انفجرت المرارة من الضحك على هذه الخاتمة التي يعيشانها وراء القضبان وهما يحملان كتاب الله وكأنه والعياذ بالله وسيلة دعائية يريدان من خلالها إقناع الجمهور ببراءتهما مما ارتكبته أيديهما إبان سنوات الضياع، والفساد التي غرقا بها غير آبهين ولا مبالين، فالدنيا الواسعة التي كانت مفتوحة لهما وبأرجائها الأربعة ضاقت عليهما وها هي تنحصر الآن بزنزانة وقضبان وقفص محاكمة لا يستطيعان التنفس بداخله إلا إذا أذن لهما القاضي بذلك، فكم عدد الأبناء الذين على شاكلة هذا الثنائي من الذين لا يزالون يحتمون بفروة البابا الرئيس الذي قد يسقط في أي لحظة ويصبح غير قادر على أن يمدهما برغيف الخبز الذي سيكونان في أمس الحاجة إليه؟!

المسافة من نعيم القصور إلى جحيم الحجور قد تبدو طويلة عند البعض من الذين لا يريدون حتى التفكير بها، ولكن الربيع العربي حمل لنا ولا يزال قصص حية واقعية قد يشيب لها شعر الرأس، ذاب الثلج وبان المرج أمام الناظرين الفرحين الذين أهدتهم الحياة فرصة متابعة هذه الدراما التي تتحدث عن هذا الإنتقال السريع والعاجل الذي عاشه بعض الرؤساء وأسرهم وحاشيتهم وذلك من القصور إلى الجحور، هذه هي الدنيا وسبحان مغير الأحوال وقد صدق من قال بأن على نفسها جنت براقش، فهل يتعظ أولي الألباب؟!

د.

امديرس القادري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية