ناحوم برنياع
عندما اندلعت موجة الثورات في العالم العربي، كان رد الفعل في الغرب متحمسا. ماذا يمكن ان يكون سيئا في خروج جموع الشباب للتظاهر في الميادين من اجل الديمقراطية. ماذا يمكن أن يكون سيئا في سقوط دكتاتوريين وحشيين، قمعوا شعوبهم وسلبوهم. وسائل الاعلام العالمية عانقت المتظاهرين. الحكومات ساعدتهم، سرا وعلانية. اسرائيل كانت الدولة الغربية الوحيدة التي تعاطت مع ما سمي بـ ‘الربيع العربي’ بشك. فالى جانب الانفعال من المتظاهرين كانت المخاوف من حكم الشارع، القلق على مصير اتفاق السلام والعطف على مبارك. خط مباشر يؤدي الى الاحتفالات في ميدان التحرير واخلاء طاقم السفارة الاسرائيلية من مصر أول أمس. تسعة أشهر مرت منذ بداية ‘ثورة الياسمين’ في تونس. كثيرون في الغرب يشعرون الان بان الزمن ناضج لاعادة التفكير، بحماسة أقل، بحدة أكبر. في سياق الشهر سينشر في المجلة الهامة ‘نيويورك ريفيو أوف بوكس’ مقال طويل يحاول أن يطرح على جدول الاعمال الغربي عدة حقائق غير مريحة في هذه المسألة. ويسمى ‘الثورة العربية المضادة’. كتبه اثنان: حسين غرة، محاضر كبير في جامعة اكسفورد ومستشار السلطة الفلسطينية، وروف مالي، المساعد السابق للرئيس كلينتون ورئيس خطة الشرق الاوسط في ‘مجموعة الازمات الدولية’، منظمة تبحث في الازمات في العالم. في 11 شباط، يوم اسقاط مبارك، يقول الكاتبان، بلغت الثورة ذروتها. في 12 شباط بدأت الثورة المضادة. كل ما حصل في المنطقة منذ ذاك اليوم يتعارض مع ما استهدفه الاحتجاج. في اليمن، ليبيا، البحرين وسوريا انتقل معارضو الانظمة الى العنف. الدول الاجنبية تدخلت، نشأت حواجز عرقية، قبلية، دينية. جماعات ذات قوة سيطرت على الاحداث. المحتجون بقوا في الخلف يخيل أن التاريخ مر عنهم’. بعض أسباب الثورات كانت اقتصادية، كما يقولان. لشدة المفارقة، الثورة لم تحسن الوضع الاقتصادي بل فاقمته. الثورات تأكل ابناءها. القوة تنتقل الى المصممين، الصبورين. المستقبل يعود ليس للشباب الذين تظاهروا في ميدان التحرير، بل لثلاث مجموعات: الجيش، الجماعات الاسلامية ومحافل من النظام ممن سينجحون في البقاء. وهما يركزان على الاسلاميين. ‘هم مزودون جيدا أكثر من الجميع’، كما يكتبان. ‘هم أكثر صبرا من الجميع. لسنوات طويلة من المطاردة من جانب السلطة تعلموا فن البقاء والحل الوسط. هم القوة السياسية الوحيدة التي لديها رؤيا وخطة’. تقديرهما هو أن الاسلاميين سيسعون الى ان يقيموا في مصر ودول اخرى نظاما يكون أقرب في شكله الى تركيا منه الى ايران. الصراع الداخلي كفيل بان يقع ليس بين الجيش والمسلمين بل بين الاسلام المعتدل والاسلام السلفي، المتطرف والانعزالي.
الغرب، كما يقولان، ايد الثوار انطلاقا من الامل بان الانظمة التي سيقيمونها ستكون مؤيدة للغرب. هذا لن يحصل. بريطانيا وفرنسا حررتا العالم العربي من قمع الامبراطورية العثمانية، ولكن الشعوب المحررة لم تكن لهما الامتنان. الولايات المتحدة حررت افغانستان من السوفييت ومن طالبان، ولكن الافغان لم يكنوا ولا يكنون لها الامتنان. الحكام الجدد في الدول العربية قد يكونون أكثر تمثيلا ولكنهم لن يكونوا أكثر ودا للغرب. المحررون من يوم أمس هم أعداء الغد. هذا حمام بارد للخط الذي اتخذه اوباما، ساركوزي وكمرون في ضوء الربيع العربي. التأييد للثوار لم يقرب هذه الدول من الغرب، لم يثبت فيها قيم الديمقراطية والليبرالية، وفتح ثغرة للفوضى والحروب الاهلية. الكاتبان لا يقدمان بديلا. فهما يثنيان على حكومة واحدة حكومة اسرائيل. ليس لانها فعلت شيئا بل لانها لم تفعل. اختارت الصمت، وكانت هذه هي الخطوة السليمة. ما حصل في العالم العربي منذئذ يوجد من الاحتفالات في ميدان التحرير درس غير مباشر للمجتمع الاسرائيلي. موجة الاحتجاج الاجتماعي هنا لم تؤد الى الثورة. النظام لم ينهر، الحكومة لم تسقط. ولكنه لم يجلب أيضا ثورة مضادة. النتيجة هي حركة بطيئة، معقدة، نحو التغيير. النواة المؤسسة للخيمة في روتشيلد خائبة الامل: الامل في أن تؤدي المظاهرات الجماهيرية الى الثورة لم يتجسد. فحص لما حصل ويحصل لدى جيراننا سيدخل خيبة الامل في التوازن: ليس كل شيء سيئا في الموقف الاسرائيلي.
يديعوت 11/9/2011