إن كل من يتابع مجريات الأحداث في هذه الأيام علي الساحات الدولية، يدرك وبمنتهي السهولة، من غير جهد جهيد، أن القيادات السياسية علي مستوي العالم هم أس البلاء، وهم سبب مآسينا.
وإن كل ما ينبثق عن الأفراد من تصرفات تعتبر شاذة، هي في واقع الأمر مجرد ردود أفعال مستنكرة (بكسر الكاف)، من أناس قلت عندهم درجة تحمل الظلم والقهر، أو زاد عندهم هرمون الكرامة والشرف، فقط لا غير.
ولما كانت هذه الردود تأتي منهم ضعيفة، وغير مؤثرة، في معظم الأحوال، مقارنة مع قوة المجرمين السياسيين المسورين بأسوار حكومية مؤللة من الجيوش والشرطة والأمن ومرادفاتها، بالإضافة إلي القوانين الظالمة المفصلة علي مقاساتهم.. ولم يجدوا لهم جهة داخلية أو خارجية مؤثرة تحميهم أو تدافع عنهم، صار من السهل علي الفريق الأول أن ينكل بهم ويبطش بهم، أو ينعتهم بأقسي النعوت أقلها ما يسمونه حاليا بالإرهاب.
إن أي مجتمع آمن يسوده العدل والرخاء، لا يمكن أن يكون منبتا ملائما للجريمة والإرهاب. فلن يفكر أحد مثلا في سرقة درهم أو دينار طالما في جيبه منهما الكثير. كما أن هذا العدل وهذا الرخاء، ليسا من مسؤولية الأفراد كي يوفرونهما للمجتمع، بل هما لب مسؤولية الحكام والحكومات التي للأسف الشديد انصرفت عنهما كليا في هذه الأيام، وتحولت للظلم في كل اتجاه، تحصد كل ما تستطيع من مطامع شخصية، علي حساب المستضعفين من الأفراد أو الدول.
إن من هؤلاء المجرمين، حكام اليوم، نمطين اثنين؛ نمط داخلي مقصر في حق أبناء شعبه، عاجز عن حمايتهم، ساد أذنيه عن كل مطالبهم وشكاواهم، مستفرد بثرواتهم، كحكام العرب والمسلمين، يلهونهم بمؤتمرات قمة دورية تنفض دائما عن اللاشيء أو التآمر علي شعوبهم، ونمط آخر خارجي طامع في ثروات الآخرين، مستغل لضعفهم وغفلتهم، يحيك لهم دوما الدسائس والمؤامرات لاستفحال الغفلة فيهم أو إدامتها طالما ثمرتها دائما تصب في جيبه.
فليس مجرما مثلا من يدافع عن وطنه أو عن نفسه أو عن أولاده، وقوت يومه، بل المجرم من يعتدي علي حقه، أو لا يوفره له، ولا يحميه أو يعينه.
وليس مجرما من يلعن الظالم أو يشتمه أو يصرخ في وجهه أو يضربه بقبضة يده، بل المجرم من يحول أموال الدنيا إلي ترسانات جهنمية للقتل والاعتداء علي الآخرين، بأسماء شتي، بدلا من إنفاقها علي ازدهار ورخاء العالم.
وليس مجرما من فرقع هنا أو هناك في شرق البلاد أو غربها فقتل بالخطأ فردا أو أفرادا، ليسمع الظالمين بمظلمته، طالما هم تقوقعوا هناك علي أنفسهم في قصورهم، سدوا آذانهم إلا عن أصوات اللهو والمجون وعزف القيان.. بل المجرم من يشن كل هذه الحروب لقتل الملايين من الناس، دون أن يأسف أو يذرف له دمعا.
بل يقول هل من مزيد؟
وليس المجرم من يقتل خطأ، أو في لحظة ضعف، أو تنفيس عن كبت أو ضياع حقوق، بل المجرم من ظل طوال ستين عاما في عناد وإصرار يمنع الحياة عن ملايين الفلسطينيين المشردين والمهجرين من ديارهم، دون أن يفكر في طريقة لإخراجهم من محنتهم هذه. إن مثل هذا الجهل وهذا الضلال الذي تصرون عليه في طريقة حكمكم للعالم اليوم يجب أن يزول، قبل أن تعم العالم الفوضي، ويحرق نيرون روما.
سامي بلال رسالة الكترونية6