زهير اندراوس عند الخوض في قضايا تتعلق بعلاقة الغرب بالشرق العربي والإسلامي علينا توخي الحذر ومعالجة الأمور بشكلٍ علمي ومدروس، لأنّ الاستعمار المسيطر علينا يستعمل أدهى وأخبث الأساليب من أجل تمرير مخططاته وخلط الحابل بالنابل وتزييف الحقائق، بمساعدة العملاء والمتواطئين والخونة من أبناء جلدتنا، وأكبر مثال على ذلك، كانت الفرية الدموية التي أطلقها مجرم الحرب جورج بوش، وصديقه توني بلير ضدّ عراق الرجل والبطل والشهيد صدّام حسين، حيث أقنعوا العالم بأنّ الزعيم العربيّ الأصيل يملك الأسلحة النووية، وشنّوا عدوانهم القذر والبشع، واحتلوا بلاد الرافدين، وتحوّل هذا البلد، صاحب الحضارة العريقة، بفضل المجرمين المذكورين إلى دولةٍ مفتتةٍ عرقيا ومذهبيا وطائفيا وإقليميا وإثنيا، هذا الاستعمار الذي قسم المقسم وجزأ المجزأ وبقي أنّ يُدور المربع أوْ يُربّع الدائرة.
نسوق هذه المقدمة على وقع صدى الانفجارات التي هزّت بغداد الرشيد يوم الثلاثاء الماضي، وعلى العملية الإرهابية التي نُفذّت في كنيسة السيّدة بالعاصمة العراقية، ونُسبت لتنظيم مرتبط بالقاعدة يُدعى دولة العراق الإسلاميّة، هذه الأعمال التي يجب القول والفصل أيضًا إنّها قمة في الإرهاب، وإرهابٌ في القمة، نعم، هكذا بدون رتوش. من ناحية أخرى، علينا أن نأخذ بعين الاعتبار أنّ الإمبريالية العالمية وموبقاتها لا تتورع عن القيام بأيّ عمل لتلطيخ سمعة العرب والمسلمين، وتشويه صورة هاتين الأمتين، وعرضهما أمام الرأي العام العالمي على أنّهما تنتميان إلى مجتمعٍ يقتل ويبطش بدون شفقةٍ أو رحمةٍ، يقتل، وفق منطقهم المشوه، لإشباع غرائزه المتعطشة للدماء. من هنا، يتحتم علينا أنْ نأخذ بعين الاعتبار تبني حركات إسلامية راديكالية لهذه الأعمال البربرية مع حفظ الضمان والمضمون، خصوصا بعد أن قام موقع إنترنت أمريكي (wikileaks.org) بنشر وثائق، بالصوت والصورة، تؤكد بشكل يقطع الشك باليقين بأنّ ‘النازيين الجدد’، أي الاحتلال الأمريكي والبريطاني للعراق، اقترفوا جرائم تقشعر لها الأبدان ضدّ المدنيين العزّل على مدار سنوات طويلة، في ظل صمت مريب لصنّاع القرار في واشنطن ولندن، مضافًا إلى ذلك، فإنّ ‘النازيين الجدد’ أطلقوا العنان لحكومات ‘فيشي’ العراقية العميلة لتنفيذ جرائم حرب بامتياز، وقتلٍ على الهوية، وارتكاب مجازر يندى لها الجبين، وبات كل عميل استجلب مع الاحتلال على الطائرات العمودية يقود عصابات قتل وإجرام، كما أنّ الوثائق التي تمّ الكشف عنها في الأسبوع الماضي أكدت أنّ رئيس الوزراء، نوري المالكي، كان يأمر شخصيا بإعدام الأطفال والنساء والرجال بسبب اسمهم.
ومع ذلك، لا بل على الرغم من ذلك، نجد لزاما على أنفسنا أنّ نُعبّر عن اشمئزازنا العميق من العمليات الإرهابية التي تنسجم مع ما يصبو إليه الاستعمار، فلا نعرف ما هو ذنب المدنيين في العراق لتـــُزهق أرواحهم؟ لا ندري من المستفيد من اقتحام كنيسة وتنفــــيذ مجزرة رهيبة ضدّ أناس عزّل كانوا يؤدون شعائرهم الدينية؟ كما يحـــق لنا أن نسأل وبأعلى الصوت وبنبض عربيّ قوميّ صرف: لماذا لا تقوم الحركات الإسلامية الراديكالية، بالتنصل من هذه الأعمال؟ لماذا لا تُعلن، كما عوّدتنا من خلال بث الأشرطة المسجّلة، عن براءتها من هذه الأعمال، التي تبعد ألف سنة ضوئية عن تعاليم الدين الإسلامي الحنيف، فها هي حركة (الإخوان المسلمين) في مصر أعلنت بدون لفٍ أو دوران شــــجبها الصريح لعملية الكنيسة في بغداد، وبالـــتالي لماذا لا تحذو باقي الحركات الأصولية حــــذوها، وتؤكد للعرب قبل الغرب أننّا نرفض هذه الأعمال المقززة، ونعتبرها جريمة بكل المقاييس والمعايير، وفي هذا المقام لا ينطبق المثل القائل: إذا كان الكلام من فضةٍ فالسكوت من ذهب.
كما نرى أنّه من الأهمية بمكان الاشارة إلى أنّ عمليات التفجير التي تستهدف المدنيين العزّل، هي ليست عمليات مقاومة شرعية لاحتلال غير شرعي، لا بل أكثر من ذلك، إنّ هــــذه الأعمال بعيدة كل البعد عن المقاومة المشروعة لطرد المحتل الأمريكي، فمن المستفيد، نسأل مرّة أخرى، من حالة الفوضى وعدم الاستقرار للمدنيين العراقيين؟ هل إسالة دماء العراقيين الأبرياء هو تكتيك جديد لا نعرفه أدخله من أدخله في قاموس المقاومة الذي لم يعرفه التاريخ المعاصر، وبالتأكيد التاريخ القديم.
وهناك قضية أخرى يجب أنّ نتعامل معها باستقامة فكرية وبجرأة، وهي تتعلق بتنظيم القاعدة الذي يتزعمه أسامة بن لادن، باعتقادنا آن الأوان لوضع النقاط على بعض الحروف في مسألة القاعدة: لا يوجد لدينا أدنى شك بأنّ الغرب النصراني، كما للدكتور أيمن الظواهري، نائب بن لادن، تسميته، ارتكب الجرائم التي لا تغتفر بحق العرب والمسلمين، ارتكب وما زال يذبح بنا في كل مكان نوجد فيه، ولكن هل الخطأ يُعالج بالخطأ؟ هل تنفيذ الأعمال الإرهابية في العراق ضدّ المدنيين ستدفع هذا البلد لاستعادة شموخه وكبريائه واستقلاله؟ أم العكس هو الصحيح. وهل قتل المدنيين الغربيين في عقر دارهم يخدم المصالح التكتيكية والإستراتيجية للأمتين العربية والإسلامية، أم أنّ ذلك يعود علينا سلبا ويزيد الكراهية ضدّنا، والتي بتنا نُسميها بالإسلاموفوبيا؟ ألا تعتقدون أنّ الضغط يُولّد الانفجار؟ ألا تخشون من أن يُشدد الغرب حربه المعلنة وغير المعلنة ضدّ كل ناطقٍ بالضاد وضدّ كل من يقول لا إله إلا الله محمد رسول الله بسبب هذه الأعمال؟ حتى متى سنبقى نلتزم الصمت؟ ولا نقول للأعور، انك أعور بعينه. حتى متى سنبقى نتغاضى عن هذه الأعمال؟ لماذا، على سبيل الذكر لا الحصر، لا تنطلق المظاهرات في العالمين العربي والإسلامي ضدّ هذه الأعمال البربرية من قبل منظمات أو جماعات جيّرت الدين الإسلامي لصالح مصالحها، وباتت تقتل وتبطش باسم الإسلام، هذا الدين الذي هو منها بريء. كيف يُمكن أن نُفسر بعقلانية، وبعيدا عن العواطف والمشاعر الجيّاشة، أنّه في الغرب هناك حركات ناشطة ضدّ الإجرام المنظم الذي يُمارس ضدنا باسم الديمقراطية، في حين أننّا لا ننبس ببنت شفة ضدّ الإرهاب الذي يُنفذ باسم ديننا الإسلامي؟ لماذا تنطلق المظاهرات في الغرب الاستعماري ضدّ الحرب على العراق وتنديدا بالإجرام في فلسطين، وفي نفس الوقت، لا نسمع عن مظاهرة واحدة ضدّ الإرهاب الذي يمارس باسمنا وضدّنا في المدن العربية والإسلامية؟
وللتذكير فقط، عندما قام الغزاة باغتصاب بغداد، حُطّمت تماثيل الشهيد صدّام حسين وبعد ذلك، وصلت قوات الاحتلال ونبشت قبر أحد مؤسسي حزب البعث العربي الاشتراكي المرحوم ميشيل عفلق، عندما كان النظام ‘الاستبدادي’ الصدّامي، بكسر وبفتح الصاد، كان العراق عربيا بكل ما تحمل هذه الكلمة من معانٍ، أعدموا صدّام، وجاء الآن دور رفيق دربه طارق عزيز، ليعتلي المقصلة مثل الشهيد صدّام شامخًا ومنتصب القامة، هذا هو الوجه المشرّف الذي نريده للعراق، لأننّا نؤمن بأنّ الخطاب القومي هو الخطاب الذي بإمكانه أن ينهض بالأمّة ويُعيد إليها كرامتها المفقودة، أمّا غير ذلك، فسيقودنا، كلنا بدون استثناء، إلى المزيد من التخلف ومن هناك إلى الهلاك، وليس بالضرورة الهلاك الجسديّ. ألم يقٌل صدّام أمام جلاديه:
لا تأسفن على غدر الزمان لطالما رقصت على جثث الأسود كلابلا تحسبنّ برقصها تعلو على أسيادها تبقى الأسود أسودا والكلابُ كلابُتبقى الأسود مخيفة في أسرها… حتى وإن نبحت عليها كلابتموت الأسود في الغابات جوعا… ولحم الضأن تأكله الكلابإني أنا صدّام.. أطلق لحيتيô. حيناًô ووجهُ البدرِ ليس يعابفعلام تأخذنـي العلوج بلحيتيô. أتخيفُها الأضراسُ والأنيابعفواً إذا غدت العروبةَ نعجةًô.. وحماةُ أهليها الكرام ذئاب كاتب فلسطيني من اسرة ‘القدس العربي’