من المستفيد من الربط السككي بين العراق وإيران؟

مصطفى العبيدي
حجم الخط
1

بغداد ـ «القدس العربي»: قوبل وضع رئيس الحكومة العراقية محمد السوداني، حجر الأساس لمشروع الربط السككي بين العراق وإيران، بتحفظ العراقيين وقلقهم كونه مشروع مثير للجدل والتساؤلات عن الجهة المستفيدة منه والجدوى الاقتصادية منه ومدى تأثيره على مشروع ميناء الفاو الجاري إنشاءه ومشروع طريق التنمية.

وفي كلمة ألقاها خلال حفل وضع حجر الأساس، بحضور نائب الرئيس الإيراني محمد مخبر أكد السوداني على «أهمية مشروع الربط السككي في نقل المسافرين وزائري العتبات المقدسة من إيران وبلدان وسط آسيا، فضلاً عن أهميته في تعزيز البنى التحتية لاقتصاد العراق وزيادة نموه» مبينا ان «المشروع قد خضع لسنوات من النقاش وتم الاتفاق على إكماله بين العراق وإيران عام 2021».
وأوضح أنّ «الربط السككي عبر منفذ الشلامجة هو حلقة من حلقات متعددة لنقل المسافرين وزائري العتبات المقدسة» مقرا أن «القسم الأكبر من الزوّار كان من إيران، حيث بلغ عدد الوافدين خلال زيارة الأربعينية لهذا العام بحدود 3 ملايين» مضيفا: «اتخذنا عدة قرارات تكللت بإكمال متطلبات تنفيذ المشروع، وصولا للتعاقد مع إحدى الشركات المنفذة». وشدد السوداني على أن «العلاقة بين العراق وإيران إستراتيجية، ونعمل على مشاريع أخرى معها مثل المدينة الصناعية الحدودية وطرق النقل المشتركة بين البلدين».
أما النائب الأول للرئيس الإيراني محمد مخبر، فإنه وصف مشروع خط سكة الحديد بـ «الحدث السعيد».
واعتبر أن المشروع «خطة إستراتيجية» من شأنها أن تُحدث قفزة كبيرة للغاية في زيادة المبادلات التجارية إلى 30 مليار يورو، كما أن الربط السككي سيوفر الأرضية لربط «العتبات المقدسة» بين البلدين.
وأضاف مخبر بأن هذا المشروع هو «خطة إستراتيجية لإيران والعراق وتحول في منطقة غربي آسيا».
وتابع قائلا: «سيتم استكمال هذا المسار المهم بتعاون البلدين خلال العامين المقبلين، في إطار سياسة تعزيز العلاقات مع الجيران وبعد عامين من المتابعة المستمرة ونأمل أن يكون مصدر خير وبركة لدولتي إيران والعراق وكذلك لدول المنطقة» حسب زعمه.
وعن تفاصيل الربط السككي مع إيران ذكر مدير عام سكك حديد العراق يونس الكعبي خلال لقاء تلفزيوني ان «المشروع ضمن الخطة الاستثمارية الإستراتيجية لموازنة 2023».
ولفت إلى أن «إيران تعهدت بإزالة الألغام بالمنطقة المحاذية البالغة 16 كيلو مترا، كما انها تعهدت بدفع ثمن إزالة التجاوزات والاستملاكات للأراضي، البالغة 5 مليون دولار» مؤكدا «ان المشروع يخدم أكثر من 3 مليون مسافر سنويا». واشار إلى أن «الجزء الأصعب بالمشروع هو الجسر ذو الفتحة الملاحية على شط العرب، وانه سيتم استملاك 4.5 كيلو متر من الأراضي الزراعية لصالح شركة السكك الحديد العراقية».

موجة انتقادات للمشروع

وجدد وضع حجر الأساس لمشروع الربط السككي حملة من الانتقادات والتحذيرات والمخاوف لدى العديد من السياسيين والاقتصاديين والمواطنين، نظرا للآثار السلبية المتوقعة لهذا المشروع الغامض الأهداف ولحجم النفقات التي سيدفعها العراق لهذا المشروع (نحو 10 مليار دولار) دون جدوى اقتصادية واضحة.
فقد حذر النائب ووزير النقل الأسبق عامر عبد الجبار في مقطع فيديو نشره في صفحته الرسمية على موقع تويتر من «أن الربط السككي مع إيران بنقل المسافرين ادعاء كاذب لعدم ورود أي حصرية بذلك».
وأضاف «كان الأجدر تحديد مواصفات السكة بحمولة محورية 15 طناً، وغير ذلك فهو خداع للشعب العراقي». وأشار إلى أن «وضع حجر الأساس أثناء انشغال المواطنين في الزيارة الأربعينية مقصود». ووصف عبد الجبار، الربط السككي بين العراق وإيران بأنه «رصاصة الرحمة على ميناء الفاو، الذي يأمل العراقيون ان يخدم اقتصاد البلد بشكل كبير».
وعبر وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي أبدى العديد من المحللين والمراقبين القلق من نتائج هذا الربط مبدين استغرابهم من اهتمام حكومة السوداني بمشروع الربط السككي مع إيران الذي سيقلل أهمية ميناء الفاو، فيما رفضت كل الحكومات السابقة المضي في هذا المشروع الذي تلح إيران عليه منذ سنوات.
الدكتور قحطان الخفاجي الناشط البارز، أكد في تغريدة على صفحته في فيسبوك، رفض الشعب العراقي للمشروع قائلا: «عجبا كل العجب، ها هم يريدون إنهاء دور العراق ومكانته، ان كانوا يعلمون أو لا يعلمون، ويريدون حرمان شعبنا من موارد كبيرة، ويضيعون فرصا اقتصادية في مجالات عديدة. نعم الحقائق تقول ذلك وإذا ما نفذ لفرط حرص إيران عليه وانعدام القرار العراقي الرسمي الحر، نقول شعب العراق موجود وسيقول كلمة الفصل ويقوم بالفعل اللازم وسيقف بوجه هذا الخط الذي سيجعل يد إيران هي العليا ويحيل العراق لتابع اقتصادي لها. سيكون العراق عاصفة حق قوية بوجه هذا الخط السككي، عاصفة ستقلع القضبان».
أما الخبير الاقتصادي الدكتور نبيل المرسومي، فإنه عبر عن مخاوفه من المشروع عبر تغريدة على مواقع التواصل الاجتماعي قال فيها «ينبغي ان تكون هناك دراسة تفصيلية ودراسات للجدوى الاقتصادية للتأكد من ان هذا المشروع لا يؤثر سلبا على ميناء الفاو الكبير والقناة الجافة أو طريق الحرير». وذكر أن إيران بدأت منذ عام 2019 مشروعا إستراتيجيا لربط ميناء خميني على الخليج العربي بميناء اللاذقية السوري عبر شبكة خطوط سكك الحديد مرورا بالأراضي العراقية. منوها إلى ان العراق يتحمل في المرحلة الأولى من المشروع 148 مليون دولار، وان الكلفة الكلية للمشروع تبلغ نحو 10 مليار دولار. وبين المرسومي ان المرحلة الأولى في المشروع هي مد سكة حديد بين العراق وإيران وان المرحلة الثانية تقضي بمد سكة الحديد إلى منطقة البوكمال ودير الزور في سوريا.

أهداف إيران من المشروع

ورغم محاولة حكومة بغداد إخفاء الأهداف الحقيقية للمشروع من خلال الإدعاء بأن المشروع هو لنقل الزائرين الإيرانيين فقط، إلا ان المسؤولين الإيرانيين أعلنوا مرارا ان هدفهم هو ربط سكك إيران والعراق وسوريا لنقل البضائع الإيرانية إلى البحر الأبيض، ولكسر العقوبات الدولية على إيران.
وإضافة إلى إعلان نائب الرئيس الإيراني خلال وضع حجر الأساس بأن المشروع حدث سعيد لإيران كونه يحقق هدفها بفتح الطرق إلى البحر المتوسط عبر العراق وسوريا، فإن وزير الطرق وبناء المدن الإيراني مهرداد بذرباش، تحدث بدوره قبل أيام عن أهمية مشروع الربط السككي الذي سيمكن بلاده من الاتصال بموانئ غرب آسيا والبحر الأبيض المتوسط عبر الممر «الشرق-الغرب». وفي تصريحات صحافية على هامش تفقده معبر الشلامجة الحدودي، كشف الوزير الإيراني عن وجود اتفاق مع الجانب السوري للربط السككي بين طهران ودمشق، مضيفا أن بلاده ستضع مهمة تشكيل تحالف ثلاثي بمشاركة إيران والعراق وسوريا على جدول أعمالها وسيكون الربط السككي في صلبه.
ويؤكد بعض الخبراء والمطلعين أن أهداف إيران من هذا المشروع أبعد من مجرد الربط السككي الثلاثي لنقل الركاب والبضائع، بل هي تسعى لتحقيق أهداف أبرزها كسر العقوبات الدولية، وإفشال مشروع طريق التنمية، اضافة إلى توسيع نفوذها في العراق والمنطقة، حيث ان المستفيد الأول من الربط السككي هو إيران التي لم تخف مشروعها لربط سككها مع سوريا عبر العراق للوصول إلى البحر المتوسط.
ورغم إدعاء حكومة بغداد بأن مشروع الربط السككي لا يتعارض مع مشاريع إستراتيجية أخرى مثل ميناء الفاو وطريق التنمية، إلا ان المراقبين يؤكدون ان له تأثيرات سلبية على الاقتصاد العراقي وان المستفيد الوحيد من المشروع هو إيران التي تسعى لفك خناق العقوبات الدولية عنها، وهو ما سيثير حفيظة واشنطن بالتأكيد التي ستعده ضربة لمساعيها في تحجيم نفوذ طهران على العراق والمنطقة.
وفي كل الأحوال فإن مشروع الربط السككي الذي تهربت منه حكومات بغداد السابقة بفعل الضغوط الأمريكية، والذي أقرته حكومة محمد السوداني يؤكد مدى تنامي نفوذ إيران على صناع القرار في الحكومة الحالية التي تديرها قوى سياسية وفصائل لا تخفي ولاءها وتحالفها مع إيران.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية