من باراك أوباما إلى يحيى الغزال (من خلال سيدات الدنمارك)
7 - February - 2014
حجم الخط
0
تصدّرت الصورة كلّ وسائل الإعلام، متجاوزة الحدث الأهمّ وهو المراسم الجنائزية لمانديلا، أحد أكبر رموز الحرية في القرن العشرين. لم يعد الحدث أكثر من خلفيّة، من سياق، من جوّ لنصّ يشدّ البشر على اختلافهم. فالصورةُ النصّ، فيها رجل وزوجته وأخرى أقرب إليه؛ فيها سلطة وإغراء وفيها انتهاك (ربّما مقصود) للأعراف لجذب الإعلام. فيها ما قد تؤلَّف عنه كتب في النقد الثقافي: الرجل أسود ويحمل تاريخاً من الاستعباد في جلده، لكنّه الآن من هو، قوّة وسلطة وثقة، والأخرى بيضاء شقراء، يشكّل كولونُها الأسود وساقها على الساق (على رأي الشدياق) امتداداً لتصوّر مركزيّ أوروبيّ في الجمال، يضاف إليه كونها رئيسة وزراء، وكون الأخرى محض سيّدة أولى مرتبط موقعها بالرجل المركز. بهذا تصبح الصورة نصّاً بامتياز، يشد البشر لأسباب عدّة، رغم أنّ عنصر الشدّ الرئيس أزليّ قديم: رجل وامرأة، اقتراب وابتعاد، غزل وغيرة، وفضيحة ما. باختصار هناك قصة حبّ أو ما قاربُه قابلة لتحريك الفضول والحكم والتأويل، ولولا الضعف البشري أمامها، لما أقحمت معظم الأفلام المصنوعة حول الشخصيات التاريخية قصصَ حب حقيقة أو مخترعة لجذب الناس. لم يختلف الأمر منذ ابن قتيبة في القرن الثالث الهجري حين فسّر وجود الغزل والنسيب بين العناصر الأساسية في عمود الشعر، إذ يستغلهما الشاعر ‘ليميل نحوه القلوب، ويصرف إليه الوجوه، وليستدعي به إصغاء الأسماع إليه؛ لأن التشبيب قريب من النفوس، لائط بالقلوب؛ لِما قد جعل الله في تركيب العباد من محبة الغزل وإلف النساء، فليس يكاد أحد يخلو من أن يكون متعلقًا منه بسبب، وضاربًا فيه بسهم، حلال أو حرام’. هي لعبة الكثير من الأدباء وصانعي الأفلام، حدّ أن القارئ أو المشاهد لا يفلح دائماً في أن يكّذب حجّة ‘السياق الدرامي’ كمبرر لإقحام قصص الحب ومشاهد الجنس. لماذا الكذب: هي عادةً تجذبنا أكثر من سواها إلا إذا كان الإقحام واضح الابتذال والنص رديئاً بحق. وللصدق: لقد علقت في ذهني مشاهد ميل غيبسون في دور ويليام والاس مع صوفي مارسو بقدر ما علق مشهد صراخ كلمة الحريّة الأخير، كما أثر فيّ مشهد براد بيت في دور أخيل مع عذراء طروادة وهي تُسبى بنصف إرادتها بقدر ما أثّرت لحظة دخول الحصان أو موت هكتور. لست وحدي، فقد كتب الشاعر أوفيد عن هذا المشهد تحديداً لشيء ما فيه: ‘وأنتِ يا بريسيس، لقد استسلمتِ لمداعباتِ يديه وهما لا تزالان ملطّختين بالدم الطرواديّ’. كنت لا أجرؤ على الاعتراف بأنّني كنت أمرّ سريعاً أثناء قراءة ‘الحرب والسلام’ لتولستوي عن تفاصيل الحرب والسياسة بانتظار ما حدث في قصة الحبّ، إلى أن قرأت في كتاب ‘لذّة النص’ لرولان بارت سؤاله: ‘من منّا، حقّا، قد قرأ ‘الحرب والسلام’ كاملة؟’ أعتقد أن الشيء الذي يجعل التفاصيل الشخصيّة (التي يسميها مبدعوها ‘الجوانب الإنسانية’) مركز الاهتمام هو كون البشر في أمسّ الحاجة لما يحاكي أهم ما يعنيهم في حياتهم: أي الرغبة والحب بكل تعقيداتهما ولا انتظامهما بالنظر إلى النزعة الأبدية إلى زخم حياتي دراميّ وإلى حبّ مستقر دائم، اللذين نادرا ما يجتمعان أو تحتويهما معا الصيغ الاجتماعية المتاحة. سواء تغيرت الشخصيّات بين الواقع والخيال لا يهم، المهم أن الهواجس هي نفسها وستبقى إلى آخر التاريخ، وستبقى تجلياتها محور الاهتمام الأساسي. ربّما كان مشهد أوباما والدنماركية مقحما عن قصد: لو التقط صورة له مع ديفيد كاميرون وحده لما كانت كل هذه الضجة، إذ لنقصت القصة عناصر كثيرة لتكتمل في غياب الخفيّ المهمّ، ولن تكون قصة أصلاً. لم يزعجني فرض القصة عليّ واهتمامي بها، كما لن أدّعي أنّها أزعجتني لأنّها كانت في عزاء شخص أقدّره. ما أزعجني وأعجبني هو التداعي الثقيل عليّ الذي لم أستطع التهرب منه منذ شهرين، منذ رأيت تلك الصورة العابرة. الرجل في موقع سلطة، والمرأة من سيدات السلطة في الدنمارك، وهناك تودد ما، فالتشابه إذاً أكبر من أن أتجاهله: لقد نشأ شيء مشابه بين سفير الأندلس وشاعرها الجميل يحيى بن الحكم الغزال، وبين ملكة الدنمارك آنذاك، حين أرسله إلى هناك الخليفة عبد الرحمن الثاني بعد هجوم للقراصنة على المدن الأندلسية، في أوائل القرن الهجري الثالث، قبل أكثر من ألف عام. كان قد ‘مشى إلى بلاد المجوس، وهو قد شارف الخمسين، وقد خطّه الشيب’، حسبما نقله ابن دحية الكلبيّ في المطرب، رغم اختلاف المصادر والمراجع حول كثير من هذه التفاصيل والجدال حول رحلتي الدنمارك وبيزنطة، وعن أي الملكتين تتحدث المصادر. وسأعتمد في معظم هذه المقالة على الدراسة الممتازة لسهر العامري عن الغزال في كتابه المهمّ ‘مدن وشعراء’، حيث يفند الكثير من مزاعم بعض المستشرقين عن أن رحلة الدنمارك كانت مختلقة بالكامل. في قصة يحيى، الملقّب بالغزال لأنّه كان آخذ الجمال، كلّ العناصر الضرورية لاجتذاب قارئ أو مشاهد يبحث عن نفسه وما تريد في حيوات الآخرين، ويبحث عن متعة ما. للأسف، فإن التقصير من جهة أصحاب الفنون بشأن رسم صورة يحيى وقصته تجعل ويليام والاس الاسكوتلندي أقرب منه إلى القلب والذاكرة والخيال. شيء مؤسف حقا، أن يبقى يحيى أسير كتب التاريخ، ومتاحاً لفئة محدّدة مرّ عليها الاسم، بينما يتصدر المشهد باراك أوباما، الذي لم يتطور وضعه حد القصة كما تطور عند يحيى الغزال، الذي ‘تعلّق’ ملكة الدنمارك وقال فيها: ‘إني تعلقّتُ مجوسيّة/ تأبى لشمس الحسن أن تغربا’. في حياة الغزال تفاصيل كثيرة غنية، كالغيرة بين مبدعين والتنافس على الاقتراب من السلطة: لم يحتمل يحيى حضور زرياب البغدادي طاغي الموهبة في البلاط الأندلسي. وبعد أن هجاه سافر إلى بغداد بعد وفاة أبي نواس الذي قرأه صغيرا وتعلق الخمر مثله وباع عباءته مثله لأجلها. ويبدو أنّ المجون بقي حاضراً حتى مراحل متأخرة من حياته. فهو قد رحل لداوفع سياسية إلى بلاط القيصر البيزنطي ثيوفيلوس، على أنّ قصّته المعروفة ليست في الجانب السياسيّ. ليس مهمّا مدى الخيال من الحقيقة فيهما، بل المهم ما تقدّم كسواها من الموادّ الأدبيّة، من معرفة ما عن بعض أعماق الإنسان. قدّمت له زوجة القيصر ثيودورا خمرا وطلبت منه أن يمضي الليلة مع ابنها، فرفض الغزال بذريعة الدين، رغم أنّ قصيدته عن الشابّ لا تبدي ورعاً أبداً، بل ندماً على رفضه واعتباره ‘حماقة’ منه. ومن غزله في ابن القيصر: ‘وَأَغيدَ لَيِّنَ الأَعطافِ رَخصٍ/ كَحيلِ الطَرفِ ذي عُنقٍ طَويلِ تَرى ماءَ الشَبابِ بِوَجنَتَيهِ/ يَلوحُ كَرَونَقِ السَيفِ الصِقيلِ’ ‘يَحِنُّ إِلَيَّ مُطِّرِفاً لِشَكلي/ وَيُكثِرُ لي الزِيارَةَ بِالأَصيلِ أَتى يَوماً إِلَيَّ بِزِقٍّ خَمرٍ/ شَمولِ الرِيحِ كَالمِسكِ الفَتيلِ لِيَشرَبِها مَعي وَيَبيتَ عِندي/ فَيَثبُتَ بَينَنا وُدُّ الخَليلِ وَجاءَت أُمُّهُ مَعَهُ فَكانا/ كَأُمِّ الخِشفِ وَالرَشَأِ الكَحيلِ تُوَصّيني بِهِ وَتَقولُ أَخشى/ عَلَيهِ البَردَ في اللَيلِ الطَويلِ فَقُلتُ حَماقَةً مِنّي وَنوكاً/ فَدَيتُكَ لَستُ مِن أَهلِ الشُمولِ فَأَيَّةُ غِرَّةٍ سُبحانَ رَبّي/ لَو اِنّي كُنتُ مِن أَهلِ العُقولِ’ كان ذاك في رحلة القسطنطينية. أما الدنمارك، فقد زارها سفيراً بعد صلح بين الخليفة والنورمانديين قراصنة المغرب قرابة 845م بعد هجومهم على إشبيلية. وهناك كان بينه وبين الملكة ‘نود’ أو ‘تود’ أو ‘بود’ قصّة غرام. قبل أن تبدأ القصة، تورد المصادر أشهر طرائف الغزال في بلاط الدنمارك، إذ أُخبر أن عليه أن يدخل على ملكها ساجداً فرفض، لكنّهم جعلوا الباب منخفضاً كي لا يدخل إلاّ راكعاً: ‘فلما وصل إليه جلس إلى الأرض وقدم رجليه وزحف على أليته زحفة، فلما جاز الباب استوى واقفاً.’ وبعد أن سلّم على الملك وفسر الترجمان ما قاله، قال الملك: ‘هذا حكيم من حكماء القوم، وداهية من دهاتهم’، وعجب من جلوسه إلى الأرض وتقديمه رجليه في الدخول وقال: ‘أردنا أن نذلّه، فقابل وجوهنا بنعليه! ولولا أنّه رسول لأنكرنا ذلك عليه’. سمعت ملكة الدنمارك أو ‘امرأة ملك المجوس’ بذكر الغزال فذهبت لتراه. وفي المطرب سرد لتفصيل اللقاء تفصيلاً غائباً عن صورة أوباما في تأبين مانديلا: كيف نظر الغزال إليها بتعجّب، وكيف قالت لترجمانها أن يسأله عن إدمان نظره: ‘ألفرطِ استحسان أم لضدّ ذلك؟’ وكيف أجابها بما جعلها لا تدرك جدّه من هزله، وكيف استدرجها إلى أن تحضر له جميلات المجوس ليقرر ما إذا كانت الأجمل. وكيف قال إنّه سيكتب فيها قصيدة تدور على ألسنة الناس في بلاده، وكيف ‘سُرّت’ و’زُهيَت’ و’أمرت له بصلة’، فامتنع الغزال، متذرعا لها عبر الترجمان: ‘إن صلتها لجزيلة، وإن الأخذ منها لتشرف لأنها ملكة بنت ملك، ولكن كفاني من الصلة نظري إليها وإقبالها علي، فحسبي ذلك صلة. وإنما أريد أن تصلني بالوصول إليها أبداً’. فسر لها الترجمان كلامه فزادت سرورا وعجباً، إذ اجتلب بهذا القول محبّتها، وقال لصديقه: ‘نلت منها فوق ما أردت’. لم تستطع الملكة الصبر عنه يوماً، وكان يقيم عندها ‘يحدّثها بسير المسلمين وأخبارهم وبلادهم، وبمن يجاورهم وبلادهم، وبمن يجاورهم من الأمم’، ثم كان أن ‘شاع خبرها معه، وأنكره أصحابه، وحذر منه الغزال، فحذر وأغب زيارتها. فباحثته عن ذلك، فقال لها ما حذر منه. فضحكت، وقالت له: ليس في ديننا نحن هذا، ولا عندنا غيرة، ولا نساؤنا مع رجالنا إلا باختيارهن، تقيم المرأة معه ما أحبت، وتفارقه إذا كرهت. وأما عادة المجوس قبل أن يصل إليهم دين رومة، فألا يمتنع أحد من النساء على أحد من الرجال، إلا أن يصحب الشريفة الوضيع، فتعير بذلك، ويحجره عليها أهلها فلما سمع ذلك الغزال من قولها أنس إليه وعاد إلى استرساله’. عاد الغزال بعد ترحال طويل إلى مسقط رأسه في الأندلس وقد ترك في النهاية عادته في الخمر بعد حياة جدّ زخمة، تستحق اهتماماً فنيّاً بعد أن اكتملت الكثير من تفاصيلها بفعل جهد المؤرخين. لا بدّ هنا من شكر موجّه لأستاذي الدكتور صلاح جرار الذي كلّفني في مادّة الأدب الأندلسي قبل أكثر من عشرة أعوام أن أكتب بحثاً عن التمرد عند يحيى الغزال. يبدو أنه كان، بحكم صداقة عائلية قديمة، يعرف ميلي جيداً وهواي. ضاع البحث من بعيد وبقي الغزال بعيداً في الخيال إلى أن استحضرته صورة أوباما والدنماركيّة تلك في عزاء مانديلا. على أنّ الصورة ما تزال ناقصة، وكم أتمنى فعلاً أن أرى يحيى الجميل في عمل فنّي يحفره في الروح والخيال وتستفز تفاصيله الكثير من الأفكار، على أن لا تمسّه الرقابة أبداً وإلا غدا كلّ شيء مشوهاً بارداً باهتاً، كما يحدث دوماً حين يترجَم التاريخ العربيّ إلى فنون منزوعة الروح والقيمة والحقيقة، إذ تقصر عمّا في النصوص الأصليّة من غِنى وحريّة وانفتاح وجمال؛ ويكفي كمثال كل ما كان لدى يحيى بن الحكم الغزال.