من بيروت إلى بغداد ما علاقة الدين برجاله؟ و”الطالعة النازلة” تهزم جدار ترامب وقصة استثنائية لعائلة سورية

حجم الخط
27

احتلت فرقة “مشروع ليلى” في الأيام الأخيرة عناوين الجرائد وعددا كبيرا من البرامج التلفزيونية، وتحولت بسرعة البرق إلى قضية رأي عام، فانقسم المجتمع اللبناني إلى فئتين.
رجال الدين من جهة، معتبرين أن الفرقة أساءت بكلمات أغانيها إساءة مباشرة للدين المسيحي.
ومن جهة أخرى ظهر المدافعون عن حرية التعبير ومن بينهم منظمات حقوقية لبنانية وحتى دولية.
لكن حملة عدد كبير من رواد التواصل الاجتماعي ونشطاء بارزين وقادة من التيار الوطني الحر أدت إلى إلغاء حفلة الفرقة، التي كان مقررا إقامتها في هذا الشهر ضمن مهرجانات بيبلوس الدولية.
ومن لبنان إلى العراق، حيث “قامت الدنيا ولم تقعد” بعد ظهور عازفة الكمان اللبنانية جويل سعادة في افتتاح بطولة “آسيا سيل” لاتحاد غرب آسيا في مدينة كربلاء المقدسة.
وكانت خطيئة جويل سعادة الكبرى أنها غنت النشيد الوطني العراقي، بلا حجاب، خطيئة أدخلتها بسببها الأحزاب الإسلامية إلى سعير جهنم، مطالبين بمحاسبة المسؤولين عن هذه “الواقعة”، بسبب اساءتهم لقدسية المدينة، و”تعاليم الدين الإسلامي”!
ويبقى السؤال: لمَ لم تثر ضجة مشابهة حين قتل الروائي علاء مجذوب في كربلاء قرب الأضرحة المقدسة؟ لم تتحرك تلك الأحزاب ولم نسمع احتجاجاتها، وما زال قتلة مجذوب مطلقي السراح، متنعمين بالحرية والحياة، هكذا وببساطة شديدة أقفلت القضية وبشكل نهائي!
لا بد أن نتساءل هنا، مرة أخرى: من هم قتلة مجذوب، ذاك الذي كتب عن المجتمع الكربلائي وفضح فساد مسؤولين وعوائل متنفذة في المدينة؟
الأحزاب الإسلامية في العراق قلبت الدنيا لمجرد ظهور فتاة لم ترقص، ولم تغن أغاني “خليعة” وإنما عزفت النشيد الوطني العراقي فقط، وتركت المنصة.
لمَ يحاول بعض رجال الدين أن يفرضوا بالقوة تفسيراتهم الدينية على البشر؟
ثم، هل يقبل الإمام الشهيد، كل هذه السرقات التي حدثت في العراق، وهي أكبر سرقات تتم في التاريخ القديم والحديث وعلى المستوى العالمي. مليارات لا تحصى ولا تعد، بينما يموت عشرات آلاف الفقراء جوعا؟
لقد تركوا البلد خراباً ولم يبنوا مستشفى واحداً أو مدرسة وحتى شارعاً.
وما زال العراق يعاني منذ 2003 ولحد الآن من مشكلة الكهرباء الحادة وشحة المياه الصالحة للشرب والأبنية الخربة والقاذورات، التي تملأ الشوارع العراقية.
إنهم يسيئون للحسين – عليه السلام – ولمثله في الوقت الذي يتاجرون باسمه.
ثم، ما هو التناقض بين امرأة تعزف النشيد الوطني العراقي، حتى لو لم تكن محجبة وبين قدسية المدينة؟
هل يوجد أي نص قرآني أو في السنة يحرم الغناء؟ دلونا عليه؟!
بعض الأحزاب الدينية لا شغل شاغل لديها سوى خنق الفرح وامتصاص إرادة الحياة.
وبالعودة إلى بيروت، ألم يتعلموا بعد أن القمع والمنع لن يحلا شيئاً، وأن حرية التعبير والحوار مع من يخالفنا الرأي هو الوسيلة الأصح لتغيير القناعات التي قد لا تتلاءم مع أفكارنا ومعتقداتنا.
هل نسوا قول المسيح: “من كان منكم بلا خطيئة فليرجمها بحجر”؟
وفي السياق ذاته، لقد تحدث بابا روما عن المثلية، التي اتهموا فرقة “مشروع ليلى” بالترويج لها، قائلاً: “من أنا لأحكم على شخص مثلي الجنس لديه النية الحسنة وهو يسعى إلى الرب؟”. وأضاف: “لا يمكننا أن نهمش هؤلاء البشر”.
وحتى لو افترضنا جدلاً أن الفرقة فعلت ذلك، هل هؤلاء الذين يهاجمونها منزهون ومعصومون عن الأخطاء؟
نحن لسنا مطالبين بتقبل أفكارهم، ولكننا حتماً لسنا بموقع الحكم عليهم وملاحقتهم والسعي لأذيتهم معنوياً أو جسدياً.
وإن كنا نخاف أن تجتاح أفكارهم بيوتنا فلأن قناعاتنا لا تقف على أرض صلبة أو لأننا لسنا متمكنين من إيماننا. ولا نملك سلاح الحوار والمناقشة التي يمكن للمجتمعات أن تتطور من خلالها، كما تفعل دول الغرب المتقدمة.
سياسات القمع لئيمة! إنها كالأفعى تدخل خلسة لتشد بذيلها على أعناق شبابنا فتخنقهم مرة واحدة، ولا يبقى صوت في المدينة سوى أصوات من لديهم منابر يقفون خلفها يعظون أنفسهم ولا يسمعون سوى صدى كلماتهم الهزيلة.

جدار ترامب تسقطه لعبة الأطفال

على السياج الكبير، الذي رفعه دونالد ترامب ليفصل بين المكسيك وأمريكا، صمم المهندسون المعماريون رونالد رايل وفرجينيا سان فراتيلو من كاليفورنيا، بمساعدة كولكتيفو شوبيكيه من المكسيك لعبة “سيسو” أو ما يمكن تسميتها بـ”الطالعة النازلة”، وجاءت وردية اللون، ربما لتتفتح عليها مخيلات الأطفال وترتفع فوقها أحلام الطفولة. وكأن من اختار اللون يعرف أن الربيع مؤجل، فلا بد من التعويض عنه بلون ينده له من بعيد.
منذ أيام قليلة بثت قناة “سي أن أن” الأمريكية هذا الخبر المفرح – المبكي وتناقلته بعدها وسائل إعلام عالمية، منها “نيويورك تايمز” و”بي بي سي” و”أن بي سي نيوز” وغيرها.
أخيراً، سيلعب أطفال المكسيك وأطفال الولايات المتحدة الأمريكية معاً. كيف؟
إنها لعبة جاءت لتخترق ذلك الفاصل الكريه. يجلس من الجهة الأمريكية طفل ويقابله من الجهة المكسيكية طفل آخر. وحين يرتفع أحدهما عالياً يهبط الآخر ولكن السياج الحديدي يبقى مرتفعاً أو قد يطول بفعل الكراهية، التي ينشرها بعض القادة السياسيين ولا تخترقها سوى براءة الطفولة وضحكاتها.
لقد استحال ذلك الشاهق المرتفع على الحدود بين البلدين ملعبًا للأطفال. وأصبح بإمكان الصغار اللعب معاً وركوب “الطالعة نازلة” عبر قضبانها المعدنية.
وكأن ذلك السياج، وباحتيال المهندسين عليه، فقد شيئاً من معناه واكتسب نقيضه، فلم يعد فاصلاً بقدر ما أصبح غصباً عنه جامعاً للأطفال وأهاليهم.
من أكثر المشاهد المؤلمة مشهد جمع بين أم وطفلتها الصغيرة. من ناحية المكسيك تلعب “الطالعة نازلة” مع زوجها، الذي يقابلها من الناحية الأمريكية، وكانت الدموع تغلي في عينيها. مشهد أخرجته القوانين الصارمة التي فرضها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
كتب ريل على صفحته في “انستغرام” أن الهدف من تركيب اللعبة هو الجمع بين الأطفال والبالغين على جانبي الجدار بين المكسيك والولايات المتحدة الأمريكية والتأكيد على أن ما يحدث في أحد البلدين له تداعيات مباشرة على البلد الآخر.
وذكر أنها أحد أكثر التجارب الرائعة في حياته وحياة وفيرجيني سان فراتيلو المهنية. لقد قاما معاً بإحياء الرسوم الخيالية لجدار “تيترتوتر” من عام 2009 في حدث مليء بالبهجة والإثارة والتكاتف عند الحدود.
وعلى قدر ما هي مبادرة رائعة إلا أنها جاءت لتؤكد أن هناك سياجا من الكراهية خلفه أطفال ينظرون صوب الناحية الأخرى بعيون واسعة تملؤها المحبة.

قصة سورية أخرى

إنها قصة عائلة سورية. كانت تعيش تحت ظل شجرة إلى أن بدأت الحرب واشتد القصف فسُلبت منها الشجرة وظلها.
هكذا هاجر أبو حسين، المصاب بكسر أقعده عن الحركة وزوجته الصماء وأبناؤهما ذوو الاحتياجات الخاصة إلى تركيا ليعيشوا بين الصخور. يفترشون الأرض الوعرة وينامون بين الأفاعي والعقارب.
هل هناك مأساة أكبر من هذه؟ تشرد وفقر وجوع وخراب ووجع وإعاقة.
وكأن مآسي الدنيا كلها اجتمعت لتصب بثقلها عليهم.
يتكلم الوالد بصوت منكسر فيبدو طوله مهزوماً وتظهر الأم بوجهها المتلبد بالقهر وظهرها المنحني من ثقل المآسي. ثم نرى شاباً يتلوى على الأرض وآخر مقعداً جامداً في مكانه بفعل الصدمات المتتالية.
حتى الصخور بدت وكأنها تتأنسن من فرط الوجع الذي يزحف فوقها من حدة القهر، فصرخت بأعلى صوتها: كفى… هل يصل الصوت إلى السماء؟

*كاتبة لبنانية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية