القاهرة – «القدس العربي»: رغم أن غزة تنزف تحت القصف والحصار، لكن الفن الفلسطيني يصر على أن يجد طريقه إلى العالم، كأنه يعلن أن الرواية الحقيقية لا يمكن دفنها تحت الركام. ومن هذا الإصرار تولد من جديد في مهرجان الجونة السينمائي الدورة الثامنة (16 – 24 الشهر المقبل) مبادرة «نافذة على فلسطين» للعام الثالث على التوالي، حاملة معها سبعة أفلام وثائقية قصيرة من مشروع «من المسافة صفر وأقرب»، لتوثّق حياة الناس في غزة وتكشف معاناتهم اليومية تحت وطأة الاحتلال والانتهاكات المستمرة.
حضور «نافذة على فلسطين» أصبح ركيزة أساسية في هوية مهرجان الجونة. فمنذ إطلاقه، مثّل البرنامج منصة لعرض الأصوات الفلسطينية أمام جمهور عالمي، ومع كل دورة يتجدّد التزام المهرجان بأن تكون السينما أداةً للتوثيق والمقاومة، ووسيلة لضمان وصول هذه الحكايات إلى العالم.
الأفلام السبعة المشاركة هذا العام جرى إنتاجها عبر «صندوق مشهراوي للأفلام وصنّاع السينما في غزة» بالتعاون مع شركة «كورجين برودكشن» الفرنسية. وستُعرض باللغة العربية مع ترجمة إلى الإنكليزية، بما يتيح لرسائلها أن تعبر الحدود وتصل إلى المتلقّي العالمي الذي ربما لا يسمع أصوات غزة إلا عبر نشرات الأخبار.
جاءت مبادرة «من المسافة صفر» لإتاحة الفرصة لصنّاع السينما في غزة ليروا العالم حكاياتهم بأنفسهم، بعيدًا عن الروايات الجاهزة والمغلوطة. وإذا كانت المجموعة الأولى قد جابت مهرجانات دولية كبرى، فإن مهرجان الجونة يستضيف هذا العام المجموعة الثانية تحت عنوان «من المسافة صفر وأقرب»، في إشارة إلى تعمّق الرؤية والاقتراب أكثر من تفاصيل الحياة اليومية لسكان القطاع.
الأفلام السبعة المشاركة هي: «ألوان تحت السماء» ريما محمود وهي فنانة شابة نزحت بسبب الحرب، تحاول تسجيل أغنيتها الجديدة وسط الدمار.
«أحلام فرح وزهرة» لمصطفى النبيه، وهما طفلتان تتمسكان بالأحلام والفن كخط دفاع صغير أمام حربٍ كبيرة.
«غزة إلى الأوسكار» لعلاء دمو، مخرجون يحوّلون القسوة إلى سينما طامحون لبلوغ المحافل العالمية.
«حسن» لمحمد الشريف: مراهق فلسطيني يعتقل فقط لأنه بحث عن كيس دقيق، ويخوض رحلة اعتقال طويلة.
«حكايات غير مكتملة» لنضال دمو: مسيرة مخرج تقطعها الحرب، ليتحوّل هو نفسه إلى جزء من الحكاية.
« أحلام صغيرة جدًا» لاعتماد وشاح: نساء المخيمات يواجهن المعركة اليومية من أجل الكرامة والنجاة.
«الأمنية» لأوس البنا: مخرج مسرحي يوظّف الفن لتضميد الجراح وتحويل الألم إلى أداة للتمكين.
وقالت ماريان خوري، المديرة الفنية للمهرجان: «التزامنا ببرنامج نافذة على فلسطين ليس خيارًا، بل هو جزء من رسالتنا. السينما قادرة على التوثيق والشفاء، ومن واجبنا أن نتيح للعالم أن يشهد على الصمود الفلسطيني والإبداع الاستثنائي لأبنائه».
أما المخرج الفلسطيني رشيد مشهراوي، مؤسس المبادرة ومنتج الأفلام، فأكد: «حين خذلنا العالم، كانت السينما منقذنا الوحيد. لقد التقط هؤلاء الشباب جوهر إنسانيتهم رغم كل الظروف، ونحن نثبت أن السينما لا يمكن احتلالها».
هكذا يتحوّل برنامج «نافذة على فلسطين» إلى أكثر من مجرد مساحة فنية، إنه فعل مقاومة ثقافية يوثّق الحياة في غزة بكل تناقضاتها من ألمٍ وأمل، ويؤكد أن الفن قادر على الصمود حتى في أحلك الظروف. ومع كل فيلم يُعرض على شاشة الجونة، يُرسَّخ الوعي بأن الحكاية الفلسطينية ستظل حيّة، وأن الرواية الحقيقية تجد دائمًا طريقها إلى الجمهور مهما حاولت آلة الحرب طمسها.