من جملة الذّكاء إلي جملة الغباء

حجم الخط
0

من جملة الذّكاء إلي جملة الغباء

محمّد خريّفمن جملة الذّكاء إلي جملة الغباءيقول الجاحظ في مقدّمة كتاب البخلاء ومذهب صحصح في تفضيل النّسيان علي كثير من الذّّكر. وانّ الغباء في الجملة أنفع من الفطنة في الجملة الغباء كالنّسيان علامة تحرّر من اكراهات الجملية النّحوية أو الكلمة ذات المعني الصّارم والجملة كالكتابة تحتمل معني الذّكاء والغباء في نفس الوقت. والذكاء كالغباء في ما تخضع إليه عناصر الجملة من تفصيل يشمل بتدبير النّحويّ وفطنته جملة العناصر فتحتمل الغباء أو الذكاء حين تلملم تلك العناصر وتختزل معانيها الدّقيقة في معني شموليّ يحتمل الجمع والمنع. والغباء علي مذهب صحصح انفع إذ النّفع وإن كان في مفهومه التفاضليّ حسب تأويل الجاحظ صحّيا كما ينفع غباء الدابّة جسدها فينتفع تبعا لذلك الغبيّ بلحمه وشحمه فإن أمر الفطنة والغباء في الكتابة الحديثة قد يختلف الوعي بمنافعه ومضارّه فيصير الوعي بالغباء والنّقع غير ذلك الوعي البدائيّ وان كان في ذلك الوعي ما يصلح ويحفز علي شقّ عصا الذّكاء والفطنة، إذ صار الغباء الذي قد يعرّض الجاحظ بدعاته ساخرا شارة ذكاء واختلاف مع قطيع البيان والجاحظ أمير من أمرائه .فالغباء مفهوم كالذّكاء وان أفضي المفهوم إلي نقيضه بدوام العشرة والأفكار المسبقة مما لا يرضي الرّافضين أو المتمرّدين علي السائد.فالبخلاء أغبياء في نظر الجاحظ والجاحظ هو الأذكي أو الافطن في نظر خطابه الصّريح أو المضمر السّاخر والجاحظ قد يكون أحمق أو غبيا في نظر بطل سرفنتس قياسا علي غباوة الحكاة العرب أمثال Hamet Ben- Engeli ولعل التحريف يمنعني من ضبط الاسم العربي وتحديده)لأنه كاذب يسعي إلي ملء حكاياته بتفاصيل كاذبة كما تملا الدابّة جوفها بالتبن والقرفالة). والذّكي المحدث في دون قيشوت غبيّ منبوذ في نظر العوامّ لأنه يختلف مع قطيع الفوارس ليصرف العمر في التّرحال والبحث عن جاذبيّة الغريب. إلا أن مفهوم النّفع منفتح دوما علي التغيّر والاختلاف النّوعيّ أو بالتالي علي المفاهيم الممكنة التي يتيحها التّدبير اللغويّ المتلبّس بالذّكاء والغباء الآن هنا فيصير النفع وضعية مريحة وغير مريحة يبلغها المبدع الجمالي منتفعا بإرادته متجاوزا ردّ فعل العصبيّ أو الضّحية الراضخ إلي أساليب التذكّر وترديد سجع الهامة أو الاسترجاع والتّمويه من اجل رواية كاذبة فالنّفع كما يقول فكس Vax Louisمرتبة يصلها المبدع الجمالي بتدبيره يكون فيها الإحساس بالألم الإنساني واحدا من الأحاسيس الخياليّة الأخري. فيخاف خوفا يكون في نفس الوقت شافيا من الألم خالصا. وهكذا فجملة الذّكاء جمل شأنها شأن جملة الغباء في التّعبير عن الأمر وضدّه. لذا حان الوقت لنسأل عن أية جملة نتحدّث وعن أي ذكاء كما نسأل عن ايّ غباء؟ وعن أيّة جملة تجسّده؟ كما نسأل عن مفهوم الجملة أهي جملة النّحو؟ أم جملة اللفظة الدالّة علي التعميم والشمول؟ أم هي جملة الخبر والخبر المضادّ؟ فلا وجود لمفهوم الذّكاء الخالص أو الغباء الخالص فكل جملة من الكلام الإنساني تحتوي علي هذا وذاك. فجملة القران في مسار ثنائية الذكاء والغباء تعتبر جملة الكلام في الجاهلية، جملة غواية بل غباء وجملة ابن المقفع تعتبر جملة العرب جملة غباء، بدائية مقارنة بجملة الفرس جملة الذّكاء الحضري. وكذلك الجاحظ يعتبر جملة البخلاء غبية مقارنة بجملة بيانه الذكيّة وكذلك المعري يصنع جملة الغفران الذكيةّ في رسالته إطاحة أو ردّا فدحضا لجملة ابن القارح الغبيّة في رسالته.وكأني بثنائيّ الغباء والذّكاء معيار تفاضل وسبب بقاء الأفضل وعلامة إعجاز و الجملة الذّكية تعدّل صلوحيتها في منظومة الفكر الإسلامي علي ساعة تعاكس عقاربها صيرورة زمنها وتغيّر مكانها فتصير الجملة الأذكي جملة اللاانسان أو ما نسب إلي الإنسان الأقدم من فصاحة وبليغ كلام. إلاّ ما شذّ عن تلك المنظومة من جمل الهامش وان لم تسلم هي بدورها من تابعة تلك الثنائيّة. فالهامشيون قد يجعلون من غبائهم ذكاء كابن صحصح أو غيره من دعاة اللغو الساخر فيعلنون ذكاءهم عبر مجاز الغباء. فـ الأذكياء حمقي عند ابن الجوزي و الحمقي أذكياء . عيسي بن هشام عند الهمذاني كأبي الفتح الاسكندري غبي وذكي في المقامة المضيرية أو في غيرها أمام ذكاء صاحب المضيرة وغبائه كغباء أبي الفتح الاسكندري وذكائه وان اختلط الأمر ولبس وصار من الصعب ان نستنبط من جمل المقامات مقياس الغباوة والذكاء. أبين أذكياء أبي الفتح الاسكندري وعيسي بن هشام وبالتالي أذكاء الهمذاني هو غباء أم ذكاء وكذا ذكاء المعري أو غباؤه عند ابن القارح والعكس بالعكس دون أن نحصد بالضبط الفوارق الصارمة بين جملة الذكاء وجملة الغباء.. فبدءا من لحظة العجز هذه عن التمييز تجيء لحظة الغموض وبالتالي لحظة الظن وليس لحظة بعض الظن خوفا من تهمة الإثم.لذا لم ينف ادوارد سعيد عن المقامات جماليتها الظنية فالجمالية الظّنّية موجودة في هامش القصص العربي المقامات وان لم يتأسس كما تأسس في الرواية الغربية بدءا من رواية دون قيشوط فلم يعد مقياس الأذكي أو الأغبي بأنفع قياسا علي نفع الدّواب بالشحم واللحم كما ورد في مقدّمة البخلاء.وجملة الذكاء إن كانت قائمة في الفكر العربي الإسلامي علي صرامة الإسناد المفيد الذي يقيم بين نظم الألفاظ ومعانيها علاقة بيان ووضوح فان جملة الغباء تبدو في ذلك الشاذ من الجمل والتراكيب والمقامات التي تخل أحيانا بالإفادة الاسنادية أو هي تميل إلي الظنّ والشكّ بتأثير الزلّ او القصد.وجملة الذكاء بهذا المعني جملة علميّة يقينيّة يقتلها صدقها الكاذب في يومها في حين نحيا جملة الغباء بشكّها لعلّها تصدق في المستقبل أو لا تصدق وان لم يكن هاجس الصدق أو اليقين ديدنها.وجملة الظن أو الغباء لا سقف يحدّ تحليقها ولا ارض تقف أمام مغامراتها دأبها البحث عن طفولة اللغة، الطفولة البالغة درجة نضجها التي لا تقاس و لا تعرف الكمال. هذه الجملة جريئة تجرّب المتروك من مصادر اللغة وتصنع المبتكر المختلف ولا يضيرها أن تعلن غباءها لقارئها فتطيح ما به تكلس الكتابة قدسية الكتاب وهيمنة الكاتب والمكتوب الذي أضحت الكتابة باعتناقه مذلّة وتهمة ازدراء واحتقار او تفريغ كبت. وهكذا تصير الكتابة في حلّ من جملة الذكاء وتتخلص بالتالي من مفهوم جملة الغباء فتصير جملة حيادية أو هي في درجة الصفر بمفهوم الخلو من اكراهات الكتاب الواقع في ربقة أورثوذكسية الفكر البدائيّ والدّين. فالمنطق والفلسفة وغيرها من العلوم المستحدثة في عصور التّنوير والحداثة وما يفضي إليه فكر العولمة من قضاء علي إنسانية الجملة الكامنة في اللاّ جملة .كتابة اللاّجملة سبيلنا إلي الخلاص من مصدري الكتب والكبت لنجرب إمكانات أخري تتيحها إعادة توزيع جذر كتب فترتب حروفه وتعجم حركاته بشكل مغاير لما رسخته كتابة الإسناد من معاني الصراع البدائي في التفاضل وفق ثنائية الذكاء والغباء. كتابة اللاّجملة هذه بدأت تشق طريقها في فنون التجريب الروائي وما بعد الروائي.الكتابة اللاّجملة كتابة اللغة في طفولتها المستقبلية لا العائدة علي بدء. إنها كتابة تنبت باستمرار في اتجاه المستقبل بعد أن تجدب أرضها البلاغية فتسقي من حطامها ما به تتشبّب علي الدوام فتصبح منهجا معرفيا مستقبليا يبحث عما سيقال لا عما قد قيل وعما سيكتب لا عما كُتب دون ولع بمقياس الأذكي أو الأغبي.ناقد من تونس0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية