من جملة النّحو إلي جملة القصّ
محمّد خريّفمن جملة النّحو إلي جملة القصّإن كانت جملة القصّ حجر الزّاوية في منطق مناهج النّقد الرّوائيّ الحديث وفق منظوره الغربيّ باعتبارها مجموعة جمل قصصيّة ينشا عنها معني قصصيّ والمعني القصصيّ للجمل النحويّة مجتمعة يبقي مستندا هشّا لايخلو من غموض وتعميم يؤدّيان إلي الإرباك والحال أن جملة النّحو في حدّ ذاتها منفردة لاتخلو من معني قصصيّ قد يشمل الفعل الماضي في صيغته الحيادية يشرّعها المضيّ والغيبة لذا فانّ مقاربة الخطاب الروائيّ العربيّ الحديث انطلاقا من جملة القصّ وقوامها الإسناد ولواحقه قد تبدو غير وجيهة في نظر المتعلّقين بسطوة القادم المعرفيّ فانّ مغامرة الخوض فيها قد تبدو مختلفة مفيدة فهمّها دراسة اللّواحق الّتي هي الفضلة قبل العمدة معيار المعني المركوز في اللّفظ بتدبير المصدر الميتافيزيقي. .وما مقاربة النصّ الرّوائيّ العربيّ في معناه الأوسع انطلاقا من استقراء قرائن الفضلة إلاّ مقاربة اختبار مدي قدرة الفضلة أيّ الهامش علي خلخلة الصّارم المتمكّن بعقد المسند والمسند إليه النحويّ. وهذا المسعي أو المغامرة الاختلافية تبدأ بترصّد الغالب من قرائن الفضلة أو الهامش كالخلف والأمام واللّيل والنّهار والهنا والآن والتّسويف وغيرها من القرائن اللاّفتة. وبما أنّ حركة السرد حركة سباق متانّ يناقض المفهوم le conceptفيفضح ماخفي أو مااهمل بمعمار النّمط وقوالبه فانّ التوسّل بالفضلة وما توفّره من مراوحة بين الكمال والنّقص الكمال بمعني التمكّن تمكّن المفهوم الاسناديّ والنّقص بمعني الإمكان إمكان خلخلة المفهوم الاسنادي أو انفتاحه علي مفاهيم أخري لاتستقرّ مفاهيمها ولاتثبت بمروحة التّأصيل والتّهميش الّتي لا تتوقّّّّف ولا تعود علي بدء إلا لتهبّ خالعة ما تكرّس بميّت البلاغة لينفض طارفا بحيّ العبارة السّرديّة الجذاّبة فتشبّب “العمدة ” ب”الفضلة” والعكس بالعكس لينبت معني أو مفهوم جديد سمته التردّد أو عدم الثّبات في تعالق وتعليق يصطاد فيه المفهوم ليتخلّي عنه لابنقاط التّعليق الحرفيّة فحسب بل بسياقات الكرّ والفرّ أو بسياقات بناء البيت القصصيّ والتخلّي عنه أو التّعليق بالإضراب عن الإقامة فيه. وهذا المدخل في مقاربة النّصوص الروائيّة خاصّة والسّردية عامّة إن كان مشغل الفكر المعاصر المتأثّر بفتوحات كيرقارد ودرّيدا فانّ مقاربة نصوص سرديّة في الأدب العربيّ منطلقة من جملة النّحو إلي جملة القصّ تفضي إلي بطلان ماشاع وتداول من اعتقاد يرسّخ مفهوم التّفاضل بين العمدة والفضلة أو الكلمة والنصّ أو إلي الشكّ فيه علي الأقل . ولنا في مقامات الهمذاني ورسالة الغفران قديما كما لنا في تجارب القصّ والرّواية حديثا مايؤكّد علي زيف التّفاضل ويشرّع لمنهج التّناول المنطلق من جملة النّحو إلي جملة السّرد صفة الإفادة الوقتيّة لا النّهائيّة وان اختلف وعي الرّوائيين والنّقاّد بذلك اختلافا يعود إلي اختلاف طبائع المتلقّّين بسبب زئبقيّة المادّة اللغويّة وطواعيتها لحمل المعني وضدّه. ممّا يجعلها تحمل علي البيان و الغموض معا وفي ذلك سرّ لطافتها بل ملاحتها. وهذا السّرّ الواضح الغامض يجعل مروحة المفهوم متأرجحة بين فعل العمدة فعل المفهوم وفعل الفضلة فعل حلّ عقد المفهوم والعكس بالعكس إذ يعقد المفهوم بالفضلة و تصبج عملية ألحكي باعتبارها رواية حديث من نوافل الإيمان وشروطه والفعل في العربية حكائيّ إذ بالحكائيّة يكتسب موضوعيّته بل حياده إذ هو في نفس الوقت غارق في الذاتيّة بانفتاحه علي المضيّ في الزّمان والمكان كامن في الغيريّة باستناده إلي الغيبة قرينة التخفّي تخفّي “الأنا” بسلطة القامع المفهوميّ.المضيّ والغيبة شارتان لغويّتان باعتبارهما قرينتي أسماء مستعارة Pseudonymes قد تنوب إحداهما عن الأنا المقموع بسلطة المفهوم كما تنوب الأخري عن المستقبل وفضائه ممنوعا بسلطة المفهوم أيضا سلطة الماضي .والماضي مضيّ في الزّمان والمكان وهو مفهوم متكلّس في الذّهنيّة الفرديّة والجماعيّة بالحكائيّة التي تقرّر وتنشئ وفق خيط رفيع دقيق لم تتجسّد ملامحه ولم يفضح أمره إلاّ بظاهرة التّعليق الحاصلة بين العمدة والفضلة في المقامة المضيريّة مثلا وبين جمل القصّ التي تقطع في كل مرحلة مع ا لمفهوم المتكلّس بوجهة في السّرد بتعليق يفيق تعليقا فيتخلخل المفهوم الرّاكس بالمفهوم الطارئ ويصير مفهوم الكرم الأخلاقيّ أو الفلسفيّ أمرا معلّقا أو مرجئا بقدرة التّاجر علي السّرد المخلّ بالمفهوم الأخلاقيّ أو الفلسفيّ في معناه الواسع فتجعل المضيرة شكلا حاصلا كلاما و معلّقا أكلا منتظرا لايتمّ. وهكذا يتّضح أنّ جملة السّرد في النّثريّة العربيّة المحدثة مع الهمذاني والمعرّي ينشئها فعل التّعليق انطلاقا من جملة النّحو بل من فعل النّحو.وهذا ما يحفز الباحث علي النّظر في الخطاب الروائيّ العربيّ انطلاقا من جملة النّحو لينتهي بالإقرار الوقتيّ إلي أنّ طرافة هذه النّتيجة تتمثّل في أنّها توصل إلي ماوصل إليه البحث المعاصر من مقاربة الفلسفيّ بالأدبيّ مما يجعل السّرد ملاحقا الفلسفيّ محرّرا له من مظاهر التكلّس والصّرامة بالتّعليق الرّافض هيمنة الأفكار المستبّدة المهيمنة عليه ولذلك كان السّارد يعالج مدّ المفهوم بجزر السّرد أو بمدّه إذ يعلن الشّائع ويذكّر بالخفيّ المسّكوت عنه سواء بالمحاكاة أو المحاكاة السّاخرة.إلاّ أنّ شرخ التّعليق يذهل في تجارب من السّرد المعاصر فيبلغ درجات قصوي لاتشمل جملة النّحو أو السّرد فحسب بل تشمل كل أجزاء المكتوب وفضاء الورق وفراغاته وأشكاله الواضحة والمبهمة .ولعلّ مقاربة الخطاب القصصيّ العربيّ مقاربة تنطلق من جملة النّحو عمدة وفضلة يفتح أفاقا أخري لتناول علاقة السّرد أو الفضلة بالخطاب العلميّ وتفرّعاته حسب ماتقتضيه إجراءات المقامات البلاغيّة وان كانت المدوّنة النّصّية العلمية العربيّة رغم المحاولات النّادرة في معناها العلميّ الأوسع قديما وحديثا تفتقر أو هي تنتظر نصوصا علميّة بالمفهوم الأضيق مكتوبة باللّغة العربيّة لاهي منحولة أو مترجمة.إنّ محاولة كهذه مقترحة لا تبدو مستحيلة وان اصطدمت بارتودوكسية العقيدة التي تجعل النصّ العلميّ الأعظم خارج طاقة البشر كما تجعل معناه الصّارم فوق تفتّت اللّغات واللّهجات بل البلاغات لذا فانّ مقاربة جملة النّحو فيه انطلاقا من علاقة الفضلة بالعمدة والعمدة بالفضلة من ناحية وعلاقة جملة النحو بجملة الخبر أو السّرد من ناحية أخري ممكنة متي كانت مقاربة اختلاف في غير معني الخلاف بين الفرق والنّحل وبين مدرسة الكوفة ومدرسة البصرة في النّحو. وتلك عقبة يحتاج اجتيازها جرأة علميّة تبدأ بالنّظر في الخبر المحمود المذموم انطلاقا من المفهوم النحويّ الصّارم بتنظيرة المخلخل بإجرائه السّردي فيتغيّر المفهوم النحويّ بتغيّر المفهوم السّردي والعكس بالعكس وتختلط السّبلوتنشا الأزمة أزمة تفريخ المفاهيم الحائمة في تناحر وانتحار حول مفهوم الأصل أو العمدة الواقع الموهوم في مواجهة نصّ الحداثة نص العولمة الذي لايختلف كثيرا عن نصّ العمدة في تبنّي الصّرامة وامتلاك الحقيقة التي تخلخلت بمقاربات مابعد الحداثة والسوبر حداثة التي تجعل من نصّ العمدة كما تجعل من نصّ الحداثة ومابعد الحداثة مجرّد نصوص ممكنة لأفكار ممكنة.ناقد من تونسالخلف والأمام في الخطاب الروائي العربي الحديث 0