من حربي تموز 2006 إلى أيار 2021 إسرائيل أمام واقع عسكري جديد من الحرب «الاستباقية» إلى «الهزيمة الاستباقية»

حسين مجدوبي
حجم الخط
1

مدريد-القدس العربي»: مع نهاية شهر رمضان اندلعت حرب جديدة بين الفلسطينيين وإسرائيل، وتأخذ هذه الحرب أبعادا جديدة بحكم التطور الذي طرأ على طرق المواجهة لاسيما من الجانب الفلسطيني من خلال الاستعمال المكثف للصواريخ ثم تردد القوات العسكرية الإسرائيلية في تنفيذ عملية اجتياح بري عكس ما كانت تفعل في الماضي. ومن شأن هذه التطورات العسكرية فرض واقع سياسي جديد ناتج عن «توازن الردع والرعب».
واندلعت المواجهات العسكرية الجديدة «حرب أيار» بسبب سياسة حكومة إسرائيل في تطبيق التهجير التدريجي ضد فلسطينيي الداخل من أحياء في القدس وعلى رأسها حي الشيخ جراح في أفق تهويد شامل للقدس تماشيا مع حلم الانتقال إلى الدولة اليهودية القائمة على هذه الديانة. وكانت المواجهات تتلخص في الاحتجاجات من طرف فلسطينيي الداخل لتتطور إلى مواجهات بين الجيش الإسرائيلي والمقاومة خاصة في قطاع غزة.
وأهم ما يميز «حرب أيار» 2021 هو القفزة العسكرية النوعية التي حققتها المقاومة الفلسطينية في مواجهة إسرائيل والتي ستترتب عنها نتائج سياسية جديدة، ويمكن اختصار العلامات الفارقة لحرب أيار 2021 في تردد إسرائيل في تنفيذ عملية اجتياح بري، ثم انهيار أسطورة القبة الحديدية.

الخوف من العملية البرية

بعد ثلاثة أيام من المواجهات العسكرية وبدء تعرضها لصواريخ المقاومة، هددت إسرائيل باجتياح عسكري بري لقطاع غزة، وسربت إلى وسائل الإعلام بدء هذا الاجتياح ليلة الخميس الماضي، أي يوم العيد. لكن تبين لاحقا بقاء القوات العسكرية على حدود غزة وفي مناطق تسيطر عليها إسرائيل من دون اقتحام القطاع. وعليه، لماذا ترددت إسرائيل، هل تفاديا لسقوط الضحايا أو خوفا من عدم السيطرة على الوضع والتعرض لخسائر؟ العقيدة العسكرية الإسرائيلية راديكالية يجب القضاء على مصدر الخطر الذي يهدد اليهود قبل انفلاته من السيطرة ولا يهم عدد الضحايا الذين سيسقطون في الجانب الآخر. ولهذا، شنت إسرائيل حروبا استباقية واغتالت شخصيات بين زعماء سياسيين وعسكريين وعلماء السلاح وخاصة النووي بدون أدنى احترام للقانون الدولي.
وفي سؤال آخر: هل تمتلك إسرائيل القوة العسكرية لتنفيذ اجتياح عسكري؟ نعم إسرائيل من أقوى جيوش العالم وتتوفر على جيش احترافي بامتياز مدرب على مستوى عال، لكن الحروب تختلف، إذ أن تجربة حرب تموز ضد حزب الله سنة 2006 تجعلها تفكر كثيرا وتتخوف من تكرار سيناريو تلك الحرب. في تلك الحرب تعرضت أكثر من 120 دبابة ميركافا لعطب أخرجها من المعركة، وذلك بسبب استعمال حزب الله صواريخ صغيرة دمرت العجلات الحديدية التي تستعملها الدبابات. كما نجح حزب الله في إخراج عشرات المدرعات من ساحة القتال. ولا يمكن تحقيق أي تقدم بري بدون تغطية من الدبابات وبواسطة المدرعات.
في الوقت ذاته، تفاجأ الجيش الإسرائيلي بمستوى كومندوهات حزب الله. ونتيجة هذا المعطى المفاجئ، لم تستطع إسرائيل تنفيذ عملية اجتياح بري للبنان واكتفت بالقصف الجوي العنيف الذي وصل إلى مستويات من الوحشية. ويوجد الآن تخوف حقيقي وسط القيادة العسكرية الإسرائيلية من تكرار ما جرى مع حزب الله أن يحدث مع المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة. وكما فاجأت صواريخ المقاومة إسرائيل، تتخوف من المستوى القتالي والتكتيك الذي قد يعتمده الفلسطينيون في مواجهة أي توغل بري.
وعلاوة على كل هذا، فقد حولت المقاومة الفلسطينية قطاع غزة إلى ما يشبه القلعة، حيث يتوفر عشرات الآلاف من أبناء الشعب على بنادق. وأسوأ ما يواجه الغزو البري هو تسلح الأهالي، حيث لا يعلم العدو من سيفتح النار عليه.

صواريخ المقاومة وفشل القبة الحديدية

تبقى المفاجأة الكبيرة، وإن كانت منتظرة بالنسبة للكثير من الخبراء العسكريين، هي المستوى الذي حققته صواريخ المقاومة الفلسطينية من بدائية منذ عشرين سنة إلى دقيقة الآن وإن كانت تفتقر للقوة التدميرية الكبيرة. وهكذا، سطع نجم صواريخ من قبل القسام وعياش والأقصى، ونجحت في ضرب أهداف توجد في مجموع الأراضي التي تسيطر عليها إسرائيل بدون استثناء، ووصل مدى بعض هذه الصواريخ إلى 250 كلم. وحققت استراتيجية الصواريخ حتى الآن هدفين، شل الحياة الاجتماعية في إسرائيل عندما يتم استهداف منطقة معينة، ثم التأثير على حركة الملاحة الجوية والبحرية على حد سواء. ومنذ بدء المواجهة، تعرضت إسرائيل لأكثر من 1700 صاروخ، بعضها للتمويه لإنهاك القبة الحديدية، والبعض الآخر يحمل متفجرات وموجه لضرب الأهداف.
واتضح من نجاح الصواريخ في ضرب أهدافها وتجميد أغلب رحلات الطيران كيف فشلت القبة الحديدية، أي نظام الدفاع المضاد للصواريخ الذي تعتمده إسرائيل، في اعتراض أكثر من ثلثي هذه الصواريخ الآتية من قطاع غزة. وتدفع هذه الصواريخ الإسرائيليين إلى العيش في الملاجئ بينما يفضل عدد آخر منهم الهروب إلى الخارج بحثا عن الأمن. وما يقلق إسرائيل ليس مدى الصواريخ الفلسطينية التي تصل إلى كل المناطق التي تخضع للسيطرة الإسرائيلية، بل التطور الذي قد تشهده مستقبلا من خلال رفع قوتها التدميرية، وقتها سيكون الرعب في إسرائيل المحدودة جغرافيا وسكانيا. صاورخ قوي وذو مدى متسوط ضد ساكنة محدودة جغرافيا وعدديا يحمل كل عناصر الهزيمة الاستباقية.
ما بين حرب تموز/يوليو 2006 التي جرت بين إسرائيل وحزب الله وحرب أيار/مايو 2021 بين إسرائيل والمقاومة الفلسطينية، تلمس إسرائيل التطور العسكري للأطراف التي تحارب ضدها، وهي:
في المقام الأول، لا تواجه دولا بل حركات سياسية وعسكرية على رأسها حزب الله وحركتي حماس والجهاد الإسلامي، وبالتالي قدرة إسرائيل العسكرية الهائلة تصبح نسبية، إذ يكفي أن صواريخ المقاومة الفلسطينية فرضت ولأول مرة تعليق رحلات الطيران لمدة أيام.
في المقام الثاني، هذه الحركات تعتمد على السلاح الذي تنتجه ولا تستورده من أي دولة أخرى (قد تكون قطع مستوردة من إيران والتصاميم) أي سلاح في مجموعه لا يوجد في السوق الدولية ولا يخضع لصفقات تتضمن شروطا. ومن ضمن الأمثلة، صاروخ عياش لا يخضع لأي شرط مثل مقاتلات إف 16 التي يمتلكها الجيش المصري.
في المقام الثالث، تميز الجيش الإسرائيلي تاريخيا بمستوى عال من الجهوزية الحربية بسبب الاستثمار في التدريب وإعداد كوماندوهات تعد ضمن الأحسن في العالم، لكن بدأ يجد في مواجهته حركات مسلحة مثل حزب الله وحماس بدورها رفعت من مستوى محاربيها وأصبحت تتوفر على كوماندوهات ذات مستوى احترافي تفتقدها حتى بعض الدول وخاصة العربية منها. وكل هذا، يجعل الغزو العسكري معادلة صعبة وخطيرة.
إن ثقافة الصاروخ غير المكلف يفرض واقعا جديدا في الساحة العسكرية في الشرق الأوسط. الولايات المتحدة لم تهاجم إيران رغم التهديدات المتكررة بالحرب تجنبا لمفاجأة الصواريخ الإيرانية، ويكفي اعتراف البنتاغون منتصف شهر نيسان/أبريل الماضي أن إيران لديها ثلاثة آلاف صاروخ دقيق للغاية. تصريح موجه إلى دول المنطقة وخاصة إسرائيل للرهان على السلام. وفرضت صواريخ حزب الله ضمن ما يعرف «توازن الرعب» على إسرائيل التفكير جيدا في أي مغامرة عسكرية، ولم تهاجم إسرائيل لبنان منذ حرب تموز 2006 ليس حبا في السلام بل إدراكا للهزيمة الاستباقية. وحرب أيار/مايو الحالية ستحمل نتائج سياسية منها البحث عن حل تفاوضي للنزاع الفلسطيني-الإسرائيلي، سيلمس بدون شك عما قريب. إنه السلاح الذي يتحكم في النتائج السياسية.
نعم، تستمر إسرائيل قوة عسكرية ضخمة في العالم والشرق الأوسط، لكن التطور العسكري للطرف الآخر، وفي هذه الحالة، حزب الله والحركات الفلسطينية، يجعل من كل مغامرة عسكرية إسرائيلية بمثابة «هزيمة استباقية» مؤكدة ستتعرض لها وفق معادلة الصاروخ المتطور في يد الآخر ضد الرقعة الجغرافية ومحدودية الساكنة لإسرائيل.

ثقافة الصاروخ غير المكلف يفرض واقعا جديدا في الساحة العسكرية في الشرق الأوسط

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية