كان عنوان الأخبار في الأيام الماضية عن حرب الظل التي تخوضها إسرائيل مع إيران وكيف خرجت للعلن، وكأن الحرب التي تخوضها تل أبيب ليست سرا معروفا.
والجديد فيها هي أنها جاءت متناسقة وضربت ثلاث دول عربية في وقت واحد، وكلها جاءت لمنع إيران من إطلاق طائرات مسيرة قاتلة ونقل أسلحة إلى حزب الله وتصنيع صواريخ. وأعلنت إسرائيل عن واحد من عدة غارات، وكما هو معروف الهدف في سوريا، أما الهجمات على لبنان والعراق فلم تعلق حكومة بنيامين نتنياهو عليها وتركتها معلقة أو كما وصفتها الصحافة بـ “الهجمات الغامضة”.
نعرف أن إسرائيل تغير على سوريا منذ عام 2012 وقامت كما قال رئيس هيئة الأركان الإسرائيلي المتقاعد غادي إزيكنوت بداية هذا العام إن إسرائيل شنت آلاف الغارات ضد ميليشيات إيرانية وضد أهداف لحزب الله في سوريا ولم تعلن مسؤوليتها عنها في العادة. في ذلك الوقت قال البعض إن تصريحات إزيكنوت هي محاولة لإظهار سجله العسكري وانتصاره على رجل إيران في الشرق الأوسط “رجل الظل” وإن لم يعد بالظل الجنرال قاسم سليماني، قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني. والفرق بين حديث مسؤول عسكري وآخر سياسي مرتبط بحسابات الأخير، فعندما يعلن نتنياهو مهددا إيران أنها ليست محصنة وأن إسرائيل ستضربها في أي مكان وأي وقت، نفهم أن هناك رسائل سياسية من وراء ذلك. وعندما يسخر من حسن نصر الله، الأمين العام لحزب الله ويدعوه للتأني في تهديداته وأن إسرائيل قادرة على رد الصاع بالصاعين له ولحزبه، نعرف أنه لا يتوقع ردا من حزب الله قويا وأنه سيبتلع الضربة تماما كما ابتلع اغتيال قائده العسكري عماد مغنية في عام 2008 بدمشق وعشرات الكوادر في سوريا، أما بالنسبة لقادة الميليشيات العراقية الذين هددوا إسرائيل، فإسرائيل تعرف أنهم بعيدون عنها حتى يهددونها بعمليات انتقامية. تماما كما يهتف عناصر الحوثيين وهم يطلقون صواريخهم على العمق السعودي “الله أكبر الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل والنصر للإسلام”. ولم ترد سوريا بشار الأسد على أي من الغارات التي وصلت في الفترة ما بين 2017-2018 إلى ما يزيد عن 200 غارة، كل هذا رغم أن نظام دمشق ردد اللازمة المعروفة أنه يحتفظ بحق الرد في المكان والزمان المناسبين.
ثقة أم تهور؟
فنتنياهو واثق من نفسه عندما يخرج للعلن رغم انتقاد معارضيه وعدم ارتياح البعض في المؤسسة العسكرية أن تصريحاته تحرم إسرائيل من قوة الردع والإنكار حالة سقط ضحايا مدنيون. ولعل السبب وراء كل هذا هي معضلة نتنياهو المقبلة في 17 أيلول (سبتمبر) فهو يريد انتصارا انتخابيا بعدما فشل في تشكيل حكومة ائتلاف عقب انتخابات نيسان (إبريل) مما اضطره لحل الكنيست والإعلان عن انتخابات جديدة. ولأن رئيس الولايات المتحدة دونالد ترامب ليست له هدايا جديدة لمساعدته، فقد أعطاه القدس ومرتفعات الجولان وغض الطرف عن الاستيطان في الضفة الغربية وضم أجزاء منها. وربما ظن نتنياهو أن تقديم نفسه كحام لإسرائيل من التهديد الإيراني لعبة قد تنطلي على الناخب الإسرائيلي وتقنع حلفاءه في معسكر اليمين للتعاون معه، فيما يواصل هوسه في الموضوع الإيراني، خاصة أن ترامب لم ينس أن يخرج من الاتفاقية النووية التي وقعتها إدارة باراك أوباما عام 2015. وكانت هدية أخرى من هدايا ترامب لصديقه نتنياهو. كل هذا معروف والبعد الانتخابي مهم خاصة أن رئيس الوزراء الإسرائيلي يواجه حملة صعبة فهو في موقع متساو مع منافسه المعارض بني غانتز في استطلاعات الرأي وتلاحقه قضايا فساد قد تقضي على مستقبله السياسي وهو الذي احتفل في الأشهر الاخيرة بأنه أطول زعيم إسرائيلي يحكم منذ بن غوريون.
قواعد الاشتباك
لو عدنا إلى موجه الهجمات التي نفذت على دول عربية ثلاث وعلى مدى 18 ساعة، فقد قام الطيران الإسرائيلي بقتل عنصرين في ميليشيا تدعمها إيران في سوريا وتفجير طائرة بدون طيار قرب مكتب لحزب الله بالضاحية الجنوبية ببيروت وقتل قائد في ميليشيا عراقية قرب القائم غرب العراق، فنرى أن اللجوء إلى التصعيد من إسرائيل محمل برسائل. وكما نقلت صحيفة “نيويورك تايمز” (28/8/2019) عن مسؤولة إسرائيلية سابقة قالت إن التركيز الأخير في العمليات ضد إيران جاء نظرا لمواصلة الأخيرة نشاطاتها في سوريا والعراق بدرجة لم يعد هناك مجال أمام إسرائيل إلا التحرك. وتقول الصحيفة إن كل الأطراف لا تبحث عن حرب إلا أن زيادة وتيرة العنف والغارات من خلال الطائرات المسيرة والتكنولوجيا السرية زادت من إمكانية تحول حادث هامشي إلى نزاع كبير. فيما تسهم عمليات السخرية والتلويح بالحرب والسياسة الداخلية في خلق أجواء من الحرب. وما يهم في حوادث الأيام الأخيرة هو أن التصعيد الإسرائيلي ضد إيران لم يعد منحصرا في سوريا بل بات متعلقا بشبكة إيران في المنطقة. وهي التي بنتها بهدوء خلال العقود الماضية ومنحها الربيع العربي الذي أضعف عددا من الدول العربية فرصة للاستفادة من الوضع وإقامة علاقات رعاية مع الجماعات المحلية. ورعت إيران ولادة حزب الله ودربته ومولته حيث بات يملك أكثر من 100.000 صاروخ موجهة على إسرائيل. وفي الفترة الأخيرة قوت إيران من شبكتها من خلال تقديم الخبرات العسكرية إلى الجماعة الحوثية في اليمن والميليشيات العراقية والقوات الموالية للنظام في دمشق. وقوت إيران التعاون بين الجماعات الوكيلة نفسها. فعناصر حزب الله دربوا مقاتلين في العراق واليمن وأرسل المساعدات لجماعات الجهاد الفلسطينية. ونقلت إيران آلاف المقاتلين من العراق ومناطق أخرى للقتال مع قوات الحكومة السورية. وترى إيران في شبكة الوكلاء والحلفاء في الشرق الأوسط ردعا لإسرائيل وأمريكا ومنعهما من ضرب إيران. والملاحظ إن إسرائيل في ضرب لبنان واستهداف عناصر حزب الله ومؤسساته هناك كسرت قواعد الاشتباك القائمة منذ نهاية حرب تموز 2006 وبهذا سيضطر حسن نصر الله الرد بطريقة لا تؤثر على مكاسبه السياسية في البلد ولا تعرض بنيته التحتية للخطر، وإن لم يرد فستكون تهديداته بميزان تهديدات بشار الأسد او الميليشيات الشيعية، بلا معنى وستضعف صورة الحزب “المقاوم” لإسرائيل.
إصرار
في لعبة التهديد والوعيد بدت السخرية واضحة من الجنرال قاسم سليماني قائد عمليات إيران في المنطقة ومنفذ استراتيجيتها. وكما قال بن كاسبيت في موقع “المونيتور” (27/8/2019) نقلا عن مصدر إسرائيلي بارز “الأمر كله عن سليماني” و “سليماني هو الشخص الرئيسي الذي يقود الحرب ضد إسرائيل بتصميم عظيم والذي لم يفهم بالإشارة، ولا يفهم أن إسرائيل ستلاحق فيلق القدس وستعثر عليه في أي وقت ومكان ومراقبة قدراته على التطوير والتهديد المحتمل” فهو الشخص الذي يقود الجهود لمحاصرة إسرائيل من الخليج إلى البحر المتوسط والأحمر وزرع المنطقة بينها بالعملاء التابعين لإيران. ويعبر قادة إسرائيل العسكريين عن إعجابهم حتى بعد تلقيه ضربات مهينة من الإسرائيليين. ويرى عاموس يالدين، الجنرال الإسرائيلي المتقاعد وأري هيستين، الباحث في معهد الأمن القومي بإسرائيل في تحليل بمجلة “فورين بوليسي” (27/8/2019) أن الجبهة الجديدة في النزاع الإسرائيلي مع إيران في العراق، ربما كانت جزءا من “عقيدة بيغن” المنسوبة لرئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن. وتقوم على منع أي دولة معادية لإسرائيل من الحصول على أسلحة نووية. وجاءت هذه بعد ضرب المفاعل النووي في العراق عام 1981. وها هي إسرائيل تكرر الغارات على العراق بعد 38 عاما حيث استهدفت شحنات صواريخ ومعدات أخرى. ورغم أن رد أمريكا على الغارات الأخيرة يشبه ردها على الغارة التي نفذت عام 1981 أي تسريب معلومات عن الجهة المسؤولة عنها وشحب ضمني لها، مع أن ترامب لم يشجبها علانية، وربما لم يكن مندهشا منها وتم تنسيقها مع القادة الكبار في إدارته. إلا أن العناصر الأخرى في الحكومة الأمريكية لم تكن راضية عن النشاطات الإسرائيلية المزعومة في العراق. وقد يدفع الموقف الأمريكي إسرائيل إعادة النظر في المدى الذي ستذهب فيه لمواجهة السلاح الإيراني الدقيق. وفيما إن كانت هذه الاسلحة داخلة في “عقيدة بيغن” التي غطت في السابق السلاح النووي. ورغم هزيمة سليماني في سوريا نظرا لقرب المسرح العسكري من إسرائيل إلا أن طهران أظهرت صبرا وإصرارا. وستحاول التعلم من الدروس المتعلقة بقدرات إسرائيل ومحدوديتها ومشاركتها في المستقبل. وستحاول البحث عن مناطق أخرى غير ملائمة لإسرائيل لنقل أسلحتها الدقيقة. ونقلت معظم برامجها الصاروخية إلى لبنان حيث تبدو إسرائيل أقل ترددا في توجيه ضربات لتجنب مواجهة مع حزب الله. وتحصل إيران على منافع للعمل في العراق أكثر من سوريا، لأنه أولا بعيد عن إسرائيل ولأنه لم يحدد كمنطقة رئيسية لنشاطات الجيش الإسرائيلي منذ سقوط صدام حسين عام 2003. ولهذا تفترض إيران أن قدرات إسرائيل الاستخباراتية ليست قوية. وأكثر من هذا ففي العراق لا تستطيع إسرائيل رسم قواعد اللعبة مثلما فعلت في سوريا. فالطبيعة هناك تعمل فيها سلسلة من الحركات المعادية بالإضافة للقوات الأمريكية والإيرانية. فيما يمنح وجود القوات الأمريكية في العراق بديلا للجماعات الشيعية التي تهدف للانتقام من العمليات الأخيرة، مما سيؤثر بالضرورة على العلاقات الأمريكية-الإسرائيلية.
مصالح أمريكا
وهو ما أشارت إليه صحيفة “واشنطن بوست” (28/8/2019) حيث عبرت عن قلقها من توسيع العملية الإسرائيلية في سوريا إلى العراق بشكل يعرض المصالح الأمريكية هناك للخطر. فهناك كما تقول خمسة آلاف جندي في العراق وقد يصبحون أهدافا لعمليات انتقامية من الجماعات الشيعية. وفي الوقت نفسه تعرض الحكومة العراقية الموالية لأمريكا للخطر، خاصة أن الجماعات الموالية لإيران تسيطر على كتل كبيرة في البرلمان. وهي التي ردت بغضب يوم الأحد واتهمت إسرائيل والولايات المتحدة بتنفيذ الهجمات وطالبت بإجلاء القوات الأمريكية من العراق. إلا أن نتنياهو يعول على رد صديقه ترامب، وهو مهتم أكثر بالانتخابات. وحسب ضابط إسرائيلي متقاعد نقلت عنه “فايننشال تايمز” (28/8/2019) فقد أظهرت الهجمات أن نتنياهو يتعرض لضغوط كبيرة كي يقدم نجاحا ضد إيران وتأثيرها الإقليمي المتزايد “فعندما وصل نتنياهو إلى السلطة عام 2009 كانت طهران معزولة. أما الآن فهي لا تبعد سوى 100 متر عن الحدود مع إسرائيل” و “لم ينجح أي شيء فعلته إسرائيل ضدها”. وفي المواجهة الحالية تجد إسرائيل نفسها أمام عدة جبهات وهي ترتكب على ما يبدو نفس خطأ إيران التي حاولت بناء وجود لها في كل أنحاء المنطقة. والأمر متعلق في النهاية بخطأ يرتكبه طرف من الأطراف المتصارعة. ولهذا السبب تتعامل على ما يبدو مع تهديدات نصر الله بجدية كما تقول مجلة “إيكونوميست” (29/8/2019).